ـ I ـ
كأن لم يبقَ من المسرح السياسي العربي أثر يُذكر. هذا ما تتكهنه وأنت ترصد الأعمال والتجارب العربية على امتداد السنوات العشر الأخيرة. هذا الانطباع تكرّس سواء عبر المهرجانات أو العروض المنفردة التي تسنّى لنا أن نشاهدها في مهرجاني القاهرة للمسرح التجريبي وقرطاج في تونس والمهرجانات الخليجية وفي عمّان.
نقول أكثر: كأنما تراجُع المسرح السياسي العربي أدى، وإلى حد كبير، إلى تراجُع المسرح ككل. كأنهما متوأمان، أو مرتبط مصير كل واحد منهما بالآخر. بل كأن "السياسة" بوجهاتها المتعددة هي الصورة الأصلية لمسرحنا، وكأن الجمهور في ابتعاده عن الحالة المسرحية كان يسجل ارتباطاً بالسياسي.
لكن، برغم كل ذلك، يطرح تساؤل كبير: هل عرفنا حقاً المسرح السياسي، كعمل مباشر أو كفعل سياسي، أو ايديولوجي، أو حزبي أو رسمي؟
إذا اعتبرنا أن المسرح السياسي يتحدد بالمضمون النقدي والاحتجاجي الحر: وإذا اعتبرنا أنه يحدد بالسقوف الفكرية، والفضاءات الرحبة، التي يتحرّك فيها، فيمكن القول أنه:
حركت المسرح العربي الاتجاهات "الثورية" والتغييرية والمحافظة، والطليعية الشتى. عرفها كلها. وعالجها كلها. وقدّمها كلها من القومية إلى الماركسية، إلى الشيوعية، إلى الليبرالية. كلها موجودة في تضامين النصوص وفي إشارات الاخراج والأداء. فانقسم المسرح على هذه التناقضات، وتعدّد على هذه الخلافات، فالمسرح العربي على امتداد نصف القرن الأخير كان مسرحاً قائماً على الاختلاف وعلى التضاد. وهذا يعني أنه كان جزءاً من الصراع السياسي والايديولوجي والحزبي في الساحة العربية. ولعل غناه وثراءَه يعودان إلى هذا الاختلاف بالذات. وهذا يفترض أن يعني أنه كان ثمة حياة سياسية ما تعبّر عن اختلاف وعن تعدّد عبَّر عنهما المسرح ما أمكنه أن يعبِّر.
2 ـ هذا الاختلاف في المضامين جسّد تنوّعاً في وسائل التعبير من خلال ما وفد إلينا من مدارس واتجاهات، ومن خلال ما استخدم من عناصر ذاتية، كالاحتفالية والموروث والأساطير الشعبية والحكايات.
فالبرشتية كانت الوجهة الأكثر حضوراً في العالم العربي: من المغرب (الطيب الصديقي، الطيب العلج)، وسوريا (سعد الله ونوس، فرحان بلبل)، ولبنان (جلال خوري وروجيه عساف)، وتونس (الفاضل الجعايبي، توفيق الجبالي)، والعراق (ابراهيم جلال، يوسف العاني...)، ومصر (كرم مطاوع، سعد أردش، محمود دياب...)، والجزائر (زياني الشريف وعبد القادر علولة ومحمد القطاف)، وإلى جانبها، كمرادف أو كنقيض، برزت أيضاً العبثية مع ريمون جبارة، وميخائيل رومان ويوسف ادريس، إلى التسجيلية (بيتر قايس)، فإلى الأرتووية والفروتوفسكية (جهاد سعد، منير أبو دبس)...
كل هذه الاتجاهات الغربية انوجدت في فترة واحدة متراصة، ومتقاربة، مما أفضى إلى تصادمها، وإلى تمازجها، وتواترها، وتقلب المسرحيين بينها. والمهم أن هذه الاتجاهات المتناقضة في مضامينها أصلاً، وظفت جميعها للمقاربة المسرحية السياسية، بمناحيها النقدية والاحتجاجية وحتى الايديولوجية، فاختلطت العناصر الجمالية والتقنية بالمحتويات السياسية. وهذا يعني أن كل شيء تحوّل "سياسياً" في المسرح، حتى اللاسياسي، أو فلنقل حتى المحافظ. هذا التوظيف المباشر للمعطيات الغربية في التعامل مع الواقع اليومي أو "المطلق"، لم يؤدِ عموماً إلى انفصام بين الشكل والمضمون عند كثيرين من المسرحيين العرب: كالمسرح الحديث في تونس، والمنصف السويسي، وجواد الأسدي وسعد الله ونوس، ويعقوب الشدراوي، وصقر الرشود وعبد العزيز السريع وسعد أردش... ومسرح الصواري في البحرين. بمعنى آخر لم تؤدِ الاستفادة من المسرح الغربي إلى اقتلاع صورة المسرح العربي. ولا أحب أن أتكلم هنا على التأصيل. بل انني لا أحب هذه الكلمة التي تفترع "هوية" مفترضة ثابتة أو خصوصية تؤدي إلى الانغلاق. أقول إن التهجين هو وراء ثورة المسرح العربي. ومن دون تهجين لا تقوم أي نهضة ولا ثورة ولا تغيير. والتهجين هذا يصيب الأشكال إصابته الفكر. أي تهجين داخلي وخارجي. تهجين في المواد وفي الأدوات. تماماً كما هي الحال مع الشعر العربي الحديث الذي هو نتاج جدلي للغرب وللموروث. وكذلك الرواية والفن التشكيلي والسينما...
ونظن أن هذا التهجين المزدوج هو الذي ساهم في تطوير الآليات الفكرية والوسائل التقنية. ونكاد نقول أكثر: ان المسرح العربي ما كان ليكون، لا سياسياً ولا ايديولوجياً ولا فنياً ولا إبداعياً، لولا هذ الانفتاح الايجابي الحي على ثقافات الغير. والمهم في كل هذا ان ثقافات الغير، ولأنها قرئت قراءة إبداعية، تأويلية، مشرعة، ومرتبطة بالظروف التاريخية والارهافات الفنية، قد خضعت هي أيضاً لتَحَوُّل، أو لعملية تحويل أساسية. ولهذا عندما استخدمت البرشتية، إنما استخدمت عند بعضهم بشكل إبداعي، فصارت برشتية عربية. أي تعامل بعضهم معها كمفردات، أو كمواد محتملة لصياغة نص جديد، بتقنيات أضافت إليها ظلالاً أخرى. هذا ما حدث مع سعد الله ونوس ومحمود دياب ونجيب سرور ومحمد بن قطاف وسعد أردش... ولكنْ، هناك آخرون تعاملوا مع هذا "التهجين" من باب الببغائية سواء مع رواد المسرح والاتجاهات الغربية أو مع الفلسفات والايديولوجيات الوافدة، لا سيما الحزبيين أو محدودي الأفق، أو ضعيفي المواهب، أو الكسالى والبليدين.
فالطليعية المسرحية العربية لا تختلف في جوانب عديدة، عن الطليعية الأوروبية، من حيث المنطلق. لكن تميّزها يأتي في طريقة مقاربتها للواقع العربي بقضاياه ومسائله وتناقضاته. أي أن هذه الطليعية المسرحية التي تفجرت مواكبة الطليعيات الثقافية الأخرى، كالاشتراكية ومفاهيم الحرية والديموقراطية ومن ثم الوجودية والماركسية والشيوعية والقومية، لم تكن معزولة عما يدور حولها من معيش وظواهر وقضايا، كالمسألة الفلسطينية، والصراع العربي الاسرائيلي، ونكسة 1967، وحرب 1973، وحرب لبنان 1975، والحرب العراقية على الكويت، ثم حرب الخليج الثانية، فالثالثة مع غزو الامبراطورية الأميركية العراق، إضافة إلى الانتفاضتين انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى وغزو الصهاينة بيروت 1982، مروراً بالأزمات التي اندلعت بين الأنظمة العربية، وصولاً إلى العولمة ومشتقاتها وتنامي مناحي الاستهلاك ارتباطاً بنهاية الأزمان الأيديولوجية ونكسة الحداثة والكلام على ما بعد الحداثة، ومجتمع الفرجة وسطوة وسائل الاتصالات، والانترنت... إلخ...
ـ II ـ
فكرة الحداثة بتلاوينها ومشتقاتها وما بعدها (إذا كان ثمة ما بعدها)، غذت فكرة المسرح العربي، ليكون أبلغ تعبير عنها. والمسرح السياسي لا بد من أن يكون طالعاً من فكرة الحداثة، كمشروع مفتوح وكمدى لا نهائي. لكن تفجرات الفكرة الحداثية عبر المسرح السياسي العربي، والتي أعطت ما أعطت من إنجازات وأدوار وأسباب وحتى أزمات، تفاوتت في تعابيرها، وظروفها، ومناخاتها، من بلد عربي إلى بلد عربي آخر. وهذا ما يفسّر التفاوت الملحوظ في المشروع الحداثي نفسه، وتالياً في المسرح عموماً، والسياسي خصوصاً. فالأنظمة العربية، والمعطيات الاجتماعية، والبنى التاريخية، لعبت دوراً في تحديد كثير من السقوف ومن الحدود، التي يمكن أن يتحرّك فيها المسرح السياسي. وعلى هذا الأساس بدا أن العوامل السياسية هي التي ساهمت في أشكال مختلفة في تحديد ملامح السياسة في المسرح بمعنى أن الأنظمة التي احتضنت حتى الطليعية بتجاربها وتجاريبها هي التي ساعدت على تقنين ما هو معبر عنه في السياسة، وإذا اعتبرنا أن هذه الأنظمة وجلّها توتاليتاري سواء بمنحاه الايديولوجي أو الغيبي أو حتى الاجتماعي (القبلي، العائلي...) نعرف جيّداً المساحة الملحوظة، والمسورة، وحتى المحاصرة التي تجول فيها المسرح بنبراته المضادة، أو النقدية، أو الاحتجاجية. صحيح أن الدساتير التي وضعت تعطي الكثير للفرد والمجتمع والانسان من الحقوق، كحرية التعبير والديموقراطية، وحرية الحركة، واختيار الموقف والموقع، من ضمن تطلعات المجتمع المدني، إلا أن الدساتير هذه محكومة بظروف الأنظمة نفسها. فالدستور المكتوب بالكلام وبالبنود شيء. والتطبيق شيء آخر. بحيث يصبح النظام بأهله وتوجهاته وهواجسه هو الدستور. يصبح الحاكم هو الدستور. وعندها يفسّر هذا الدستور تفسيراً أحادياً يعبر عن هيمنة الصوت الواحد. والوجهة الواحدة. من هنا، كان على التعبير المسرحي الذي يجترح لنفسه مساحة حرية من لدن السلطة. لا من متون الدستور. أي على المسرح أن ينتمي، لكي يُبرر وجوده، إلى السلطة، وليس إلى المجتمع المدني. إلى سياسة النظام، وليس إلى حرية الفرد. إلى الحركة التي تحددها الرقابة، ولا إلى الحركة التي تحددها آفاق الفكرة، أو مسافة الموقف، أو حتى وضوح الموقع. وبدلاً من أن يوجه المسرح نفسه، بحيويته، وهمومه، ووساوسه وحتى أهدافه، فقد وجد نفسه في حلبة موجهة. وجد نفسها يسير بالزامات غريبة عن طبيعته، وعن جوهره، مقيداً بأشكال من الرصد والملاحقة والتدقيق والتمحيص الأمني، ولهذا راح هذا المسرح يثقب سقوفه الواطئة بدلاً من رفعها، عبر اللجوء إلى الترميز والتراث والحكايات الشعبية الإسقاطية. وجدها، أحياناً، حلولاً مناسبة للإيحاء بتحويل الدلالات السياسية بعيداً عن سلطة معيّنة هنا، أو نظام معيّن هناك. لكن مع هذا لم ينجُ هذا المسرح من المصادرة أو من المضايقة وأحياناً من المنع والقمع. فآليات المجتمع وأدواته التعبيرية (بما فيها المسرح) تنتمي أولاً وأخيراً إلى أهل النظام. ولا بد من أن تكون من متاعه وممتلكاته وأصدائه.
وإذا عرفنا أن المسرح العربي كله (باستثناء لبنان حتى إشعار آخر) مرتبط بالقطاع العام، أي بمؤسسات السلطة الثقافية، رعاية وتمويلاً وإدارة، عرفنا كيف تكتمل دائرة الاستيعاب والاستئثار والاحتضان، وعرفنا أيضاً كيف ينبغي على رجال المسرح السياسي ألا يكونوا سياسيين إلا من حيث الاستبطان، أو الخفية، أو تضليل العلامات، أو اللجوء إلى التعميم أو الإطلاق. وعرفنا أيضاً كيف يضطر هؤلاء المسرحيون أحياناً إلى تمليس زواياهم الحادة والانضمام إلى لغة الصوت السلطوي المحدد والمفترض والمفروض. لعبة مارسها الجميع على امتداد عقود. لكن هذا لم يحل دون إدراك المسرح العربي، عبر وسائل شتى، لحظات عالية من التواصل مع نفسه، ومع هواجسه، وتعابيره، وناسه. فكأن المسرح السياسي العربي هو مسرح الحيلة، والتسرّب، والالتفاف، والسير بين قطرات المطر. وهنا المفارقة. كيف يكون المسرح وهو مسرح الدولة أو السلطة، متحرراً منهما؟ كيف يتموّل من السلطة وينتقدها، أو يحتج عليها، أو حتى يناقضها؟ هنا اللعبة الخطيرة التي لعبها الطرفان: أهل السلطة وأهل المسرح. والنتيجة كانت كارثية أحياناً، لكنها كانت رائعة أحياناً أخرى.
وعندما نتكلم عن السقوف الواطئة التي حددها هذا النظام أو ذاك، فمن الصعب جداً ألا نتوجه ناحية البنى الايديولوجية والحزبية والطائفية والتي تلعب الدور السلطوي الآخر.
صحيح أن النظام السياسي له مشروعه الخاص المنفصل أحياناً عن المجتمع، وصحيح أيضاً أن هذا المجتمع عندما يضعف يخل كثير من حيوياته وأدواته، إلا أن الصحيح أيضاً أن بعض هذه البنى لعبت دور السلطة نفسها، في رصف السقوف الواطئة فوق المسرح السياسي وغير السياسي. فالتفاعل الاجتماعي المفترض عبر تعددية المناحي، بدا، في بعض المراحل، مغلقاً بتصنيفات مفتعلة، وبمقولات أحادية، أثرت على عمومية اللغة المسرحية، وعلى قدرتها على الوصول إلى الآخر. وعلى هذا الأساس، خلقت بعض هذه البنى الحزبية غيتوات منطوية على ذاتها، نرجسية، قاطعة رافضة، بحيث مست في تعاطيها ومنطلقاتها الأساس الأول للمسرح وهو الحوار البلا حدود بين المجتمع. أو الحوار التفاعلي (والجدلي) جامع الأضداد والمتنافرات. وهذا ما يفسّر وقوع كثير من مسرحيينا التغييريين وغير التغييريين، في نزعة الأنظمة أي في توتاليتارية شمولية قائمة على الأفكار الجاهزة والثابتة والقبلية، وبدلاً من أن يرتبط هذا المسرح بالمجموعات البشرية على اختلاف انتماءاتها، ارتبط بنفسه، أي بمرجعيته الحزبية أو السياسية المحددة. صار مسرح الفكرة الواحدة، والحزب الواحد، والصوت الواحد. وهنا بالذات تنتفي "قيمته السياسية"، وقد وقع في المطب الذي وقع فيه المسرح السياسي الرسمي. هو رسمي وإن معارضاً. هو رسمي لارتباطه الضيّق والنهائي والحاد بمرجعية استعلائية، وببرمجة فئوية، تصيب صميمه وصلب وجوده. وكلنا يعرف كيف ساد نوع من النفي المشترك والمتبادل بين ذوي الاتجاهات الفكرية المختلفة في المسرح السياسي وصل أحياناً إلى حد التخوين.
صحيح ان تبني موقف ما مشروع. وصحيح ان اختيار شكل تعبيري مشروع. وصحيح ان التوجه إلى جمهور ما مشروع. لكن ما هو خطر الوقوع في ثنائية تفصل العالم إلى معسكرين أو إلى خطين متوازيين لا يلتقيان، وتدرك التعددية في صميمها.
فبين أن يختلف أهل المسرح حول قضية أو اتجاه، وبين أن يتحصن كل منهم حول حقيقته المطلقة، فارق كبير. مطلوب أن يكون هناك مثلاً واقعية اشتراكية، وماركسية، وقومية، كانتماءات ايديولوجية أو سياسية، لكن مطلوب أيضاً أن يعترف كل من هؤلاء بالآخر حتى ما هو منفصل انفصالاً تاماً، كالعدمية والوجودية والنفسية...
فالمسرح لا يفرز المجتمع. بل المجتمع هو الذي يفرز المسرح. مع الاشارة إلى الجدلية القائمة بينهما. وعلى هذا الأساس لا يمكن لأي مسرح سياسي أن يسعى إلى قولبة المجتمع بنظرة موحدة. تماماً كما لا يمكن أن يقولب النظام، أي نظام، المسرح والسياسي في المسرح. والمسرح لا يفرض على المجتمع رؤاه، بل انه يستقي من المجتمع رؤاه. وتطلعاته. بجدلية متبادلة طبعاً. فالمجتمع مشروع مفتوح. وهويته مشروع مفتوح. وتطوّره مشروع مفتوح. وبهذه النظرة المفتوحة يتعامل المسرح السياسي مع المعطيات، باعتباره أيضاً مشروعاً مفتوحاً، هوية مفتوحة، وأفقاً لا نهائياً. وعلى هذا الأساس، فكل شيء اقتراح. كل فكرة اقتراح. كل شكل اقتراح. وهذه الاقتراحات قائمة أساساً على الاختيار والتجريب. أي على الخطأ، ومحاولة تصحيح الخطأ. فالمسرح هو خطأ جميل. تماماً كالشعر. وكالانسان نفسه. وهذا يناقض بالضرورة فكرة الحقيقة المعممة. لا حقائق ثابتة. بل لا حقائق في عالم محكوم باللااستقرار واللاثبات والتحوّلات والتبدلات. كل حقيقة سياسية هي أمامنا لا وراءَنا. صنيعتنا. لا نحن صنائعها. أو فلنقل نحن والحقائق صنائع بعضنا. وعلى هذا الأساس، فمشكلة المسرح السياسي وبسبب منحاه الايديولوجي عموماً، كان مسرح حقائق لا مسرح حياة. كان مسرحاً للماضي لا مسرحاً للآتي. لأن الأفكار الجاهزة كانت تحرّكه. أو بالأحرى تحرّكه في ثبات ثقيل. تحرّكه من دون أن تتحرّك. سكون متبادل هو الموت عينه. ولهذا نجد أن مسرحنا السياسي، بدلاً من أن يمارس على ذاته نقداً ذاتياً صارماً، وقع في المنطق التبريري. تماماً كمنطق الأنظمة المعصومة عن الخطأ. والنقد الذاتي هو فعل تفكيكي (تدميري) مستمر يصل إلى حقيقة ما ليتجاوزها. ويصل إلى فكرة ليدمرها. وفعل التدمير هنا (أو التفكيك) هو الفعل الابداعي. وهو الفعل السياسي الحي. إذ لا يمكن صنع مسرح سياسي متحرّك بأفكار أبدية خالدة. ولا يمكن صنع مسرح سياسي راهناً بأفكار ماضوية جاهزة. وهنا بالتحديد يمكن الوقوع في ما يسمى اليوم "بالأصولية". ونظن أن بعض الفكر الحداثوي كما مورس عندنا كان فكراً أصولياً ايديولوجياً وحتى فنياً وشكلياً، قام على رفض الآخر. سواء كان هذا الآخر مختلفاً وإن من طينته الحداثية، أو كان هذا الآخر موروثاً أو محافظاً.
على أن ما أضاف إلى السقوف الواطئة سقوفاً واطئة تماهي رهط من أهل المسرح، (لا بالأحزاب فقط) بالأنظمة السائدة لا سيما في التعبير السياسي والمباشر وغير المباشر. هذا التماهي القائم على تبعية المسرح للسلطة شكل ظواهر كارثية ليس على المسرح نفسه، بل على الناس، فالمسرح الذي يفترض أن يكون الصوت الآخر المقاوم لمختلف أشكال القمع والفساد والتخلف والاستبداد التي يمثلها هذا النظام أو ذاك، وقع رهينة الرأي الرسمي، والارشادات "العلوية"، والتعليمات القاطعة، فتحوّل إلى بوق دعائي أحياناً، وإلى متواطئ أحياناً، وإلى أخرس أحياناً أخرى. وفي الحالات الثلاث مس يجوهر المسرح، وبدوره، وبموقعه وبهدفه. فالمسرح (خصوصاً السياسي)، هو فعل مستقل. حُرّ. لا ينتمي إلا إلى نفسه كبناء فني، وينتمي إلى الناس كأفق ووجهة. إذ لا يعقل أن يرتهن مسرحي، أي مسرحي، بإرادة السلطة (وحتى بذائقتها!)، ويتمكن في المجال السياسي أو الاجتماعي من تكوين لغة نافذة أو فاعلة أو حتى مجدية. بل على العكس، فإن بعض المسرحيين الذي سَخَّروا إمكاناتهم ومواهبهم لخدمة السلطة، وإن قدموا أعمالاً لافتة، إلا أنهم في النهاية، صاروا محسوبين على الأنظمة أكثر مما هم محسوبون على المسرح والناس. هذا النوع من المسرح من الصعب تصنيفه داخل دائرة المسرح السياسي بمواصفاته النقدية المستقلة. فلنقل انه مسرح واجهة ـ لا مواجهة، مسرح تبرير لا تحليل، مسرح تواطؤ لا مسرح كاشف، نقول هذا ونحن نعرف مدى الصعوبات والمكابدة والضغوط التي يتعرّض لها أهل المسرح. ونعرف جيّداً مصير من يتمرد أو يخالف أو يختلف. ونعرف جيّداً الظروف التي تحيط بأهل المسرح عندنا، والأثمان التي يمكن أن يتكبدوها إزاء تمسكهم باستقلاليتهم وبمواقعهم ومواقفهم: قطع التمويل، الزج في السجن، قطع الرزق، التهديد، التخويف والترهيب. وهذه حالات ليس من السهل أن يواجهها فرد أعزل أو مجموعة عزلاء. وكلامنا لا يبرر لأننا نعتبر هو مسافة الخطر الى الخطر منصة المواجهة المباشرة. الوقوف دائماً على شفير هاوية...
( يتبع)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.