8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فوبيا الأمكنة المفتوحة

الأنظمة العربية، ولأنها جاءت من الخلفيات المبهمة والضيّقة ومن النواحي "الغامضة"، ومن بين الجدران والأوكار الليلية، مصابة، منذ قيامها، بفوبيا الأمكنة المفتوحة. أمكنة الوضوح. والظهور العلني. والمواجهة المباشرة. أمكنة الناس. أو فلنقل الأمكنة التي يتحرّك فيها هؤلاء الناس. (والحركة مسألة عويصة عند هذه الأنظمة). ويظهرون فيها، في كل أوضاعهم ومستوياتهم وتعابيرهم. فهي الأمكنة المفتوحة والمفترضة للجميع باعتبارها عمومية. ملكية من دون مالك يعنى. ملكية جماعية، أرادتها الأنظمة ومن هاجسها ذاك مشاعاً خاصاً بها بكل مَنْ فيها وعليها وتحتها. ولعل أكثر ما يخيف هذه الأنظمة أن هذه الأمكنة المفتوحة، والمُعَمَّمَة، تتحوَّل مكامِن اختلاف عنها أو احتجاج عليها، وتشكيك فيها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتجمعات البشرية. ولهذا "ابتكرت" قوانين طوارئ "مزمناً" تحت شعارات "الأمن الاجتماعي"، و"الأمن القومي" و"حماية المواطن" (الصالح طبعاً). ذلك أن التجمعات تشير أول ما تشير إلى وجود مجتمع مدني: متعدد. وكونه متعدداً يصيبها بالهلع. لأنها تريد مجتمعاً يشبهها. على شاكلتها. إسطبلاً، أو مزرعة للدواجن.
فالأنظمة الاستبدادية المعسكرة والمؤمننة تكره كل ما هو مدني. كل ما ليس أحادياً. كل ما ليس صوتها. ولهذا تملّكها منذ بداياتها نموذج "السجن" كمكان مثالي مضبوط، مغلق ومراقب (وهي أنظمة رقابة بامتياز) تريد، ومخلَّبة بسحره، أن تعمّم باسم القانون والمؤسسات، هذا النموذج "الاستراتيجي" الذي يلغي الفضاء المفتوح. وحرية الحركة. وحرية الحاجة. وحرية الفكر.
وباعتبار إصابتها المزمنة بفوبيا الأمكنة المفتوحة (الحية)، باتت تخشى كل شيء مفتوح، لأنها تخشى فقدان السيطرة الكاملة، والدقيقة، والتفصيلية على المواقع، والأحاسيس، والأفكار، أي أنها، تخشى أن تنتقل عدوى الأمكنة المفتوحة إلى المجالات الأخرى. ولهذا تجمع في مفهومها "الوقائي" بين نموذج السجن والمستشفى. فالسجن مستشفى لأنه يحصر "أمراض" المجتمع الاحتجاجية ويحول دون انتشار "أوبئتها"... المعارضة.
لهذا، ربما، نرى أن هذه الأنظمة المصابة بفوبيا الأمكنة المفتوحة، تخشى أن تتحوّل هذه الأمكنة من ملكيتها الخاصة إلى ملكية المجتمع، باختلافاته، وتوجهاته، وتعابيره الاحتجاجية. وفي رأس هذه التعابير الاحتجاجية (الديموقراطية) التظاهرات، التي تكسر نمط "السجن" و"المستشفى" وتفتح علاقات اجتماعية حيّة أبعد من المزارع والاسطبلات، وتهدد نظامها "الأمني" القائم على نهج الأسوار المكهربة، و"الغيتوات" السياسية وغير السياسية الموصدة. ولهذا، ترتد على كل تجمّع، أو تحرّك شعبي، في الأمكنة المفتوحة، وتحاصرهما في مساحتهما المحددة والمغلقة لتشبه نموذج "المعتقل". فيمكن أحياناً لهؤلاء، ومن ضمن ظروف قاهرة أن يتظاهروا ضمن الأسيجة والجدران والأسوار في الجامعات أو المصانع، بحيث يتحوّل ظهورهم العلني إلى اختفاء، وأصواتهم إلى همهمات. فالمهم تحويل الأمكنة المفتوحة إلى أمكنة مغلقة. والمهم إخفاء ما "يظهر" على ساحات هذه الأمكنة. والمهم أيضاً حصر كل ما يمكن "أن يتحرّك" لتعطب الحركة نفسها.
لكن اختراق مبدأ الظهور (الجماهيري) قد تكسره الأنظمة أحياناً، خصوصاً في الأحداث الكبرى، أو تحت ظروف "قاهرة". وعندها تبادر إلى تحرّكات وقائية، وتظاهرات استباقية، تنظمها، وتديرها، أجهزة المخابرات والموظفون، وتتصدّر الصفوف الأمامية برموزها وقياداتها وشخصياتها السلطوية "المرموقة". هذه التظاهرات الوقائية، المتحرّكة "بجماهير" جاهزة، إضافة إلى سعيها إلى استيعاب اعتمالات الشارع، تحاول بها ضرب التظاهرات بالتظاهرات. والديموقراطية بالديموقراطية والحرية بالحرية، بحيث تصير هذه التحرّكات الرسمية، رديفاً لقمع الآخر، وارهابه بسلاحه، وترهيبه بأدواته. وقد "تفرجنا" على العشرات من هذه التظاهرات المعلبة على امتداد الوطن العربي، وكان معظمها أقرب إلى الكوميديا منه إلى الفاعلية المباشرة. ذلك أن الناس تعرف جيّداً أن الذي يبني السجون ويقتل ويقمع ويمنع الحرية ويفخخ السيارات ويقصف الأحياء والمدن ويصادر الإعلام تحت راية الصوت الواحد لا يمكن أن "يفرز" ديموقراطية... أو حركة شعبية، أو ينظم تظاهرة... ديموقراطية.
وعندما "أَلَّفَتْ" السلطة عندنا تظاهرة المليون (تقلصت إلى 50 ألفاً) لتهوّل بها على تظاهرة الطلاب (بضعة آلاف)، وتقزِّم بها كل تظاهرة مزمعة من أهل المعارضة، كانت، بذلك تلغي "الأمكنة المفتوحة". تصادرها. ولا فارق هنا، بين الدعوة إلى الأمننة، وبين الدعوة إلى تظاهرة تقسيمية (تغتال التعدد)، وبين استباحة الحريات، وفتح ملفات المعارضة. فهي، في العمق، استرجاع لنموذج الأمكنة المغلقة: السجن. ولهذا بدا، وكأنها تسير بين قضبان السجون أكثر مما تتحرّك في الساحات المشرَّعة. ولهذا، وبعد فشلها، كان لا بدَّ من أن تعود إلى قواعدها. إلى أساليبها المعهودة غير "الجماهيرية": القانون. وإذا كانت التظاهرة لم تنجح في تعليب الناس، فالقانون أنجع. ودولة المؤسسات جاهزة تحت الطلب. فالقانون المسخَّر هو رديف السجن، ونقيض العدالة.
لكن ما فاجأ أهل "القانون" و"الكانون" ليس "تقصير" الناس عن مراعاتهم في المشاركة في التظاهرة الهزيلة فقط، وإنما هذا "التفجُّر" الشعبي الحي، الشغوف، التلقائي، في الجبل عندما هبَّ بناسه، ليدافع في تظاهرة حشدت أكثر من 70 ألفاً (تجاوزت تظاهرة البليون!) عن الأمكنة المفتوحة، غير المؤمننة، وغير المعسكَرة، وغير المفخخة، ولهذا بدا، وبالمقارنة بين التظاهرتين، أن الأولى الرسمية، كأنها كانت من ظلال والثانية، من ناس. من أحياء. من مؤمنين بأن الأمكنة المفتوحة هي الطريق إلى الحياة، وبأن المصابين بفوبياها، مصابون أيضاً بفوبيا الحرية والديموقراطية وحتى الهواء.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00