قد تكون التظاهرة التي "نُفِّذَتْ" الثلاثاء الماضي قد "نُفِّذَتْ" فعلاً، وقد لا تكون "نُفِّذَتْ"، وقد تكون "نُفِّذَتْ" ولم تقع، أو وقعت ولم تُنَفَّذ. ذلك أن القوى الكثيرة التي دعت إليها وشاركت فيها قد تكون شاركت فعلاً ولم تشارك. وقد تكون شاركت بوعي عميق ملتزم، وقد تكون شاركت من دون أن تعرف. ذلك أن الحشود التي احتشدت قد تكون احتشدت فعلاً ولم تحتشد. أو لم تحتشد ثم احتشدت. هذا إذا أخذنا الأمور بعِبَرها وإبَرِها ونياتها وأفعالها، فالأفعال بالنيات أحياناً، والنيات بالأفعال أحياناً أخرى، فهذا مرتبط بظروف الحاضرين ارتباطه بظروف الغائبين والمغيَّبين. آمين!
وعندما تابعنا الوقائع التي تكون وقعت أم لم تقع (وهذا أمر يحتاج إلى برهان مُحكم وملموس ومادي وتاريخي وإيماني)، شاهدنا ما علينا أن نشاهده لأنه يجب أن نشاهد ما علينا أن نشاهده. ثم شاهدنا ما يجب ألا نشاهده. فالباطن والظاهر يلتقيان أحياناً، وأحياناً أخرى يفترقان. وعندها علينا أن نلجأ إلى الظن لجوؤنا إلى اليقين. والظن واليقين يلتقيان عندنا أكثر مما ينفصلان أو يختلفان. إذ أن الأمور على مدى الشوارع كانت ملتبسة. أو الأحرى على فوارق في الالتباس. وكذلك على فوارق في الوضوح. فكل شيء نسبي. وهذا طبيعي في بلد كل شيء فيه نسبي. فأن يقال بالصوت والصورة والملابس على تشاكيلها وتلاوينها وتضاريسها أن المظاهرة بلغت المليون. فعليك أن تصدّق حتى قبل التظاهرة لأن منطق القول (ثم القوة أو قبلها) يفترض ذلك. وعندها عليك أن تميّز بين الصدق والصدقية. بين القائلين وبين أصواتهم وحناجرهم وحتى أضراسهم. فالمليون يعني المليون لا أقل ولا أكثر. ثم عنزة ولو زقزقت كالبلبل الصداح في الصباح بين الرياحين والأقاح. وأن يقال إن التظاهرة موجهة إلى الخارج (من داخل لبنان؟)، فعليك أن تتابع في الأثير والفضاء والذبذبات المعوية والصوتية والأسلاك المرئية وغير المرئية حتى الحدس والحلولية (الصوفية) الهندية وغير الهندية، مسار الرسالة (لا مساريها، فالمسار واحد لا أكثر ولا أقل) وهدفها واسم البلد والعنوان بدقة لا يتقنها سوى أهل الدقة في التزامهم الدقة، حتى أدق تفاصيل الوطنية والقومية والايمان بالدنيا والآخرة وما بينهما من تعاطٍ مشرَّفٍ مع القضايا الكبيرة، والكبائر، والقضايا الصغيرة والصغائر. وعندها بالذات يمكنك، وبالعين المجرّدة اليقظة أو الغافلة، أن ترى كيف تطير الرسالة من فوق الرؤوس والجبال العتية الشامخة، والبحار الواسعة، والمحيطات الشاسعة، والكواكب، لتقع حيث يجب أن تقع. وتصل إلى حيث يجب أن تصل. فالرسالة إلى الخارج عليها ألا تمرّ بأي باب أو نافذة أو طريق أو مكان في الداخل. فالخارج والداخل خطان مستقيمان لا يلتقيان بإذنه تعالى بالطبع والتطبيع والتقطيع والترقيع والتنفيع...
ثم أن يُقال أن التظاهرة موجهة إلى الداخل. إلى مَنْ يهمهم الأمر من الأهل ـ الأعداء، وهي قصيرة المدى لا تتجاوز الحدود ولا التخوم ولا البلدان القصية، وهي محدودة "الأثر"، ومحددة في سلوكها، ومعيّنة في إصابتها، وأنها لا تطمح إلى غير مليون ترجح بها كفة هذه الانتخابات أو تلك "الانتصارات" (المقبلة بإذنه تعالى أيضاً) فعليك، ومن باب الحشرية (لا الوطنية) ومن باب أخذ العلم لا أكثر أن تتكهن الجهة الموجهة إليها الرسائل. وهنا يسهل الأمر. وتتيسَّر المقاصد... وتسهل القِسمة التي توحد، أو الوحدة التي تقسم. فالاختيار لك!
ثم أن يُقال إن المظاهرة موجهة إلى الداخل وإلى الخارج معاً. في مركبة واحدة. وإن في وجهتين متعاكستين. فعليك أن تُبَدِّد بلبالك، وتهدئ بالك، لكي ترى كيف يجتمع الضدان في الضد. وكيف يجتمع المؤتلفان في إلفة المؤتلف. وهنا بالذات تتعدد مسارات المظاهرات بين آت ورائح. وبين صامت وصائح حتى ولو تصادمت النيات بالخطوات. والمقاصد بالهتافات والشعارات، والميكروفونات بالحناجر. عليك إذاً أن تصدق أن هذه الرسالة موجهة في وجهتين لا ثالث لهما. إلا إذا عدت وصدقت ما يقال من أن التظاهرة لا هي موجهة إلى الداخل (أطراف الداخل) ولا إلى الخارج. بل هي "امتحان" قوة، واختبار شعبية تمهيداً لاستحقاقات هنا، أو هناك، تمويهاً لقرار "عصيب" قد يتخذ، أو تقديماً لتحوّلات محتملة. وعندها بالذات، تعرف ومن خلال الرسائل هذه، أن كل شيء ممكن. ثم ان كل شيء غير ممكن. مجرّد مساحة التباس ـ يقينية. أو مجرّد مساحة يقينية ـ ملتبسة. ونتكهن أن "السائرين" في التظاهرة على توهم مقصود هنا، وتوهم غير مقصود هناك. وأن علم الغيب (والغيب علم ونور وحقيقة) صار من معتقداتهم، ومن استبصاراتهم، بحيث يترك الالهام والوحي مطرحاً أخيراً، لتحديد المصائر والأقدار. وعندها أيضاً تعرف، كيف أن هذه الالتباسات المعممة بعرفانها وشططها، هي المكمن الذي أُطلق منه المنطلقون، وخطط له المخططون في الأوكار والكواليس والغرف السرية والأحداس الأمنية والشدة البوليسية وإطناب التيجان والنجوم اللامعة بلا لمعان، توحي كم أن الديموقراطية المباشرة، بواجهاتها هذه، أقدر الديموقراطيات على تجريد نفسها من الديموقراطية، وأرحب الحريات على تضييق الحرية، وأخصب التناقضات في جمع الصوت الواحد مع الصوت الواحد، والتفجير المتعدد في الضحية المتعددة، فما أجمل جمع احتراف المنع والقمع والردع والتبشير بحرية الاختيار... والاحتكام إلى الشعب! فهذا لزوم ما يلزم. وهذا يجعلك بين البصيرة والبصر، ذا وسواس خنّاس دسّاس وظنيناً (وبعض الظن اثم واسم ورسم)، وشكاكاً في ما تراه فترى التظاهرة وكأنك لا تراها، وترى الحشود وكأنها من صنف التشابيح والتلاويح والتراجيح والتباريح والتسابيح، لتقول مع القائلين وغير القائلين: حقاً وقعت التظاهرة ولم تقع. نُفِّذَت ولم تُنَفَّذ. مشت ولم تمشِ... وصلت ثم لم تصل... كانت ثم لم تكن... وتنشد في كل هذه الأحوال مع رشيد نخلة والأخوين فليفل بأعلى الصوت وأطربه وأرخمه وأشجاه: "كلنا للوطن للعلى والعلم...".
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.