آخر نجوم العالم الثالث التاريخيين. آخر البريق. كلهم رحلوا. ثوار الأرض. والباحثون عن التحرير من دون حرية أحياناً، أو عن الحرية من دون التحرير أحياناً. رحلوا. إما سبقوه إلى الدار "الباقية" "كباراً" بكل بروقهم ورعودهم وإما بقوا في الدار الفانية، وقد خَلَعوا من متاع الأفكار الكبيرة، والايديولوجيات الفضفاضة، والشعارات التي كأنها صارت واحدة، من عبد الناصر إلى كاسترو، إلى نهرو، (إلى غيفارا)، إلى القذافي... عرفات بقي. ولأنه بقي عرف وبحسٍ نافذ كيف يتعامل مع شعبه. كيف يكون شعبَه. بل كيف يأسر شعبَه وينأسر به. كيف يجعله، ولو حتى متباعداً في المنفى، على مرماه. وفي داخله.
قد تكون تساقطت أفكار استهلكت على مدى أربعين عاماً من نضاله. وقد تكون مشاعر تفككت على طول الطريق الوعرة. وقد تكون منافٍ كثيرة سابقها إلى وطنه. وقد يكون رفاق كثر له، مهدوا الطريق، للشهادة أو للموت، أو للافتراق، لكن شيئاً واحداً بقي ملازماً عرفات، من أول صرخة أطلقها للتحرير والمقاومة، إلى آخر رمق تنازعه في غيبوبته، وهو ناسه. شعب "الجبارين" كما كان يسميه. هذا الشعب الذي كان يبحث عمن يقوده إلى فلسطين عمن يعيد ترتيب الانتماء والهوية والشعور الوطني، فوجده في عرفات. وهذا الشعب الذي آمن بالعودة وباسترجاع الوطن السليب لم يخذله. استمد الاثنان قوتهما وصبرهما وصمودهما، الواحد من الآخر. وهذا سر عرفات. وهذا سر شعب "الجبارين". هو ساهم في صنع شعبه أسطورة. وشعبه ساهم في جعله أسطورة. أسطورتان التقيتا معاً، واستمرتا. وبقوة الأسطورة المزدوجة (وهي من قوة الارتباط بالواقع)، واجها معاً وحشية الصهاينة وبربريتهم؛ وجبروت الدول الكبرى، وتآمر بعض الأنظمة العربية. وتخاذل بعض "الرفاق". فمسألة عرفات أولاً وأخيراً، ومهما شابها من ثغرات هنا، وأخطاء هناك، هي مسألة الشعب. وهذا يفسّر أن عرفات لم يعد إلى فلسطين لا بانقلاب، ولا على ظهر دبابة، ولا في جنح الظلام كاللصوص. عاد لأن أهل فلسطين ساهموا في إعادته. عاد من قلوبهم قبل أن يعود بإرادتهم وبانتفاضاتهم وثوراتهم وشهدائهم وصمودهم في مواجهة العالم كله أحياناً، إضافة إلى مغتصب، عنصري، يرسم حدود "مملكته" بخطوط توراتية "مقدّسة"، وبمؤامرات سياسية، وايديولوجية. وهذا ما يميّزه عن القيادات العربية، الثورية منها، والانقلابية، وسواها... فهذه الأخيرة تمكنت من شعوبها، ودجنتها بالحديد والنار والاستئثار والقمع والمصادرة والأحادية. كأن هذه الأنظمة احتلت شعوبها، بعد شعارات منمقة عن الحرية والتحرير، وجعلت أوطانها من ممتلكاتها الخاصة، ومن موروثاتها العائلية والقبلية.
عرفات، وبرغم كل ما يؤخذ عليه (وبعضه صحيح) بقي واحداً مع ناسه. كأنه طازج أبداً في الخروج من ضمائرهم ووجدانهم وحلمهم وخوفهم وآلامهم وعذاباتهم. وقلّما عرف العرب (ربما باستثناء عبد الناصر) زعيماً، على هذه الوشيجة العضوية اليومية مع شعبه. قد تكون وقعت "اشكالات" بين الاثنين. قد يكون بعضهم، ومن باب السباق إلى النضال والشهادة، (ومن باب المزايدة أيضاً) ومن باب الارتباط بالخارج، أضعف هذه الوشيجة، لكن هذا الضعف كان يبدو دائماً مرحلياً، عارضاً، بلا أثر يذكر وبلا جروح. ليعود الوصل بين الزعيم وبين الجماهير. وفي هذا تحديداً، تحوّل عرفات إلى رمز. فالرمز لم تصنعه وسائل الاعلام ولا الأجهزة ولا المخابرات ولا القوة، بقدر ما صنعه أمل الناس، ارتباطهم بأرضهم، وبحلم العودة، وبواقع الكفاح اليومي. فهو رمز واقعي لا تجريدي. رمز تعزز "سرّه" في صموده الأخير في السنوات الأربع الأخيرة عندما حاصره مجرم الحرب شارون وقلّص حركته إلى بضعة جدران وأمتار. حاول خنق الرمز بإذلاله. حاول طمسه بقطعه عن شعبه. حاول تفريغ عزلته. حاول المس بشرعيته الوطنية والشعبية، بحثاً عن علاوي أو عن كارازاي أو عن... حاول شارون استفراد عرفات، ليستفرد شعباً بلا رمز، ولا قيادة ولا قرار، ولا قدرة على الحوار، ولا قدرة على اللاحوار. حاول المتوحش الليكودي استفراد الاثنين، ففشل. بقي عرفات يشع على وطنه وعلى العالم من تلك المساحة الضيّقة المحاصرة. وبقيت انتفاضة الأقصى تضخ من الشهداء على قدر ما تضخ من الحرية وإرادة التحرير والمقاومة.
هذه العلاقة العضوية بين عرفات وناسه كان على كل خصومه (من العرب) وأعدائه ان يفصموا عراها. لكن عبثاً. فكأنما ولد هذا الزعيم من الجماهير، والجماهير ولدت منه. فلا الحصار ولا القصف ولا الاشاعات ولا الأقاويل ولا المؤامرات ولا اتهامه "بالخيانة" (من بعضهم) و"بيع" القضية وبالتخلي عن الأرض، بدّدت ثقة الناس به وأضعفت علاقتهم المصيرية بزعامته. بقي المنارة التي تستمد ضوءَها من كفاح هؤلاء الناس. وبقي هؤلاء الناس يستمدون كثيراً من قوتهم منه. ذلك أن عرفات لم يشتغل عند أحد إلا عند هذا الشعب. على العكس وظّف الشعوب والأنظمة في خدمة قضيته. هذا الالتحام الشعبي النادر بقي التحاماً شعبياً نادراً حتى اللحظات الأخيرة. حتى عندما حاولت اسرائيل و"حكماء" العرب (!) كسر هذا الالتحام في تشييعه في القاهرة (بلا ناس)، وفي دفنه في المقاطعة في ظل إغلاق العدو غزة والضفة دون الفلسطينيين. حتى في موته أرادوا أن يحاصروه، ويعزلوه عن ناسه. لكن وكما انتصر في حياته بشعب الجبارين، سينتصر بموته وبعده، بشعب الجبارين أيضاً.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.