منذ اندلاع حروب الآخرين على لبنان وموقعه واستثنائيته وديموقراطيته (النسبية) وازدهاره الاقتصادي، وقوة مجتمعه المدني والنقابي والسياسي والفكري والثقافي، ونحن، نخضع لعملية تخويف وترهيب وتهويل، أي منذ اندلاع حروب الآخرين علينا، من أنظمة عربية (تتميّز بهزائمها واستبداديتها) وغربية واسرائيل، علينا أن نبقى، باستمرار، في وضع مَنْ "يضع يده على قلبه"... رُعباً. كل الذين شرّفونا بقاماتهم بأسلحتهم وبمالهم يدفقونها على المتحاربين لتستمر الحرب، لم يشرّفونا إلا بشعار واضح، منمق، يُختزل بأن مصيرنا مهدد، وكياننا مُهدد، ووجودنا مهدد، وأرضنا مهددة، لكي يمنعوا أشكال هذا التهديد: من اسطوانة التقسيم إلى الكونفدرالية والفدرالية، وقوانين الانتخاب، والدائرة الواحدة، وإلغاء الطائفية (غريب أن الطائفيين عندنا هم رافعو لواء إلغاء الطائفية فبوركت زلاعيمهم). فكأن الخوف، كما يرى "المخوِّفون"، عليه أن يلازمنا. وعلينا، لكي نكون منسجمين مع المهوّلين والمخوِّفين من أبواق الداخل والخارج، وما يحمل ذاك من نيّات سود، وكالحة (كوجوه مروّجيها)، أن نعلن كل يوم بأننا فعلاً خائفون، ومرعوبون، وأن أي همسة، أو صوت، أو بادرة، أو حركة، جماعية أو حتى فردية، من شأنها ان تعزز المخاوف وتفضي الى ما لا تحمد عقباه. إذاً، لكي تكون "شجاعاً"، و"مؤمناً" بالله والوطن، وبالأمة، عليك أن "تخاف" وتعبّر عن خوفك وتعلنه على الملأ... لكي لا يُفسَّر عدم شعورك بالخوف الدائم على وطنك، ووحدتك الوطنية، وإنجازاتك الاقتصادية بأنه مُوجَّه ضد الوطن أولاً، وضد تماسكه ومتانة أواصره، وطوائفه. فإذا قلت مثلاً أن المجتمع المدني عندنا بدأ يتعافى، يعني أنك تهرطق، وتزندق وتزيف، وتتعالى على الواقع، باعتبار أن المجتمع المدني بوضعه الحالي (كما يراه الغيارى من أهل القبعات والتيجان اللامعة) منقسم على ذاته. مضروب من جذوره. هش بعناصره ومكوناته، مشروخ شرخاً "دائماً" بالرغم من مرور سنوات طويلة على "الطائف" ونهاية حروب الأنظمة العربية واسرائيل علينا، مشروخ بطريقة يجب أن يبقى، ليبرأ، منها، أمداً غير محدود في فترة النقاهة... لكي لا يعود إلى غرفة العناية الفائقة السابقة. ونظن أن فترة النقاهة التي نلازمها تحتاج إلى مَنْ يداوينا (من أمراضنا وأوبئتنا وشرورنا وحقدنا على بعضنا...) فترة قد تكون دائمة. فنحن مرضى دائمون بالطائفية التي "ليست موجودة" ونتحيّن الفرص للانقضاض على بعضنا... وهذه الأوبئة الخبيثة التي "صُنعت هنا"، يُستعصى شفاؤها. إذاً عليك أن تبقى في وسواس على ذاتك... وفي حاجة إلى طبيب يداويك وإلى وصفات، ونصائح، وعلاجات، فهي نقاهة شعبية وطنية عمومية لا يمكن أن تنتهي. وعلى "الطبيب" أن يعتبرك على هذه الحالة المترجرجة، وعليك أن تصدّق الطبيب، ولو شعرت بأنك تعافيت، أو معافى أصلاً. فالأطباء أدرى!
نحن اللبنانيين ممروضون إذاً. وكل الشعوب العربية بأتم الصحة والعافية. ونحن اللبنانيين "طائفيون"، وكل الشعوب والأنظمة والأحزاب العربية، "علمانية"، ونحن اللبنانيين ضد الديموقراطية (بطبيعتنا وجوهرنا)، وكل الشعوب والأنظمة العربية ديموقراطية حتى النخاع الشوكي وأضراس العقل، والنواجذ، والحوافر، والأنياب، والبراثن... ونحن اللبنانيين ضد الحرية، نكرهها، وتكرهنا، نمجّها وتمجّنا، نذلها وتذلنا، وكل الشعوب والأنظمة العربية، تعيش شهر عسل دائماً، خصباً، ولذيذاً، مع الحرية. ونحن اللبنانيين غير راشدين، مراهقون أو أطفال أوصبيان أبديون، بشيبنا وشبابنا، ونسائنا وكعوبنا وتواريخنا وأحزاننا وأفكارنا ومثقفينا ومبدعينا ونقابيينا، وكل الشعوب والأنظمة العربية، ناضجة منضجة، عتيقة، عريقة مستعرقة، تعرف كيف تزن الأمور وتكيلها بمكيالين، ومكاييل، والدليل على ذلك كل هذه الانتصارات المظفرة التي حققتها الأنظمة منذ عام 1967، وكل أشكال النهوض الاقتصادي والبحبوحة والسعة التي تستمتع بها. ونحن معشر اللبنانيين لا نحب بلادنا ولا أرضنا، ولا هواءنا ولا جبالنا، (فكيف نحب بلادنا ونحن لا نحب بعضنا!)، ولا سهولنا ولا بحارنا ولا أنهارنا... بل غيرنا، يحبها أكثر منا، ويحرص عليها أكثر منا، ويغار عليها أكثر منا ويحافظ عليها برموش العيون. بل، نحن اللبنانيين نكره أنفسنا. نفرط بها. نحتقرها. وسوانا من غير اللبنانيين، يحب "أنفسنا" أكثر مما نحبها، ويقيها، شرورنا عليها... وأذيتها، ومضارها! فما أجمل هذا الوفاء! وما أمتع هذا التفاني، وما أعظم هذه التضحية، يبذلها "الآخرون" عنا، من أجلنا، لأننا نحن غير جديرين ومؤهلين لبذلها... فيا لهذا الجود!
واستناداً إلى كل هذه "التشخيصات" عليك أن تعتبر أن اللبنانيين غير آمنين، وغير مستأمنين. وأن الأمراض التي تفتك بهم لا براء منها. ويعني ذلك أنه إذا كنا غير راشدين، وغير مخلصين لوطننا، ومجرّد قبائل وطوائف ملجومة لكي لا تصفي بعضها، ومجرّد "شعوب" تتعايش بالقوة، (بقوة الخارج طبعاً)، وإذا كنا غير معنيين بالديموقراطية ولا بالحرية، ولا بالقيم المدنية... فمن الطبيعي أن نبقى خائفين. متخوّفين، دائماً على شفير هاوية لا نعرف متى نسقط فيها أو تسقط فينا. وعلى مصير مجهول لا يعلمه إلا الله وأهل السلطان والربط والحل، من الدول والمراجع العربية والأجنبية والأوروبية والأميركية وصولاً إلى الأعاجم والهند والسند وبلاد أليس والعجائب والغرائب وذوي المعجزات والفانتازيا.
إذاً علينا، وبهمة الغيارى والمخلصين والحريصين على صحتنا النفسية والجسدية والاجتماعية وحتى القومية، أن نشعر باستمرار بأننا أمام "مجهول" ما، وأننا في حال رجراجة غير مستقرة، وأننا، وهنا الأدهى، أعداء بعضنا. كل طائفة تنتظر الأخرى. كل قبيلة ترصد الأخرى. كل حزب يتربص بالآخر. كل عائلة مقسومة على نفسها. كل مذهب يتآمر على الآخر. كل منطقة مستنفرة على الأخرى. والحصيلة، أن مصير هؤلاء جميعاً، في المجهول. لا نعرف متى تدق الساعة ويهجم الجميع على الجميع. لا نعرف متى تعطى الاشارة لتتجدد الحروب والمآسي. فحالة "السلم" موقتة. مرحلية. هشة. ولأننا غير أصحاء عقلياً ونفسياً، ومحترفو قتل، وحروب، فنحن مهيأون، على الدوام، لقلب الطاولات والوطن والوضع رأساً على عقب. هكذا بالفطرة. مجاناً. أو في أحسن الأحوال بذرائع سياسية أو طائفية (أو قومية) وفي أسوئها إرضاءً لغرائزنا، وميولنا العدوانية، والمازوشية والسادية. فكيف إذاً لشعب على هذه الشاكلة أن يحلم بممارسة حقوقه بالاختيار، وإرادته بتيسير شؤونه وأموره. وكيف لشعب لا يؤمن بوحدته أن يبني مؤسساته. وكيف لشعب "جاهل" أن يفرِّق بين ما هو لمصلحته وما هو ضدها.
إن مثل هذه المجموعات التي وجدت بالصدفة على هذه الأرض، لا يمكن أن تستحق لا "تحريراً" ولا حرية ولا ديموقراطية ولا استقلالاً. فهناك مَنْ يحب أن يتولى الأمور عنها. وهناك مَنْ يجب أن يوازن بين "مغامراتها" غير المحسوبة، وبين قبولها غير المشروط. هناك مَنْ يجب أن يخفف من مخاوفها. وريبتها. ويطمئنها على مصيرها "المحتوم".
ولهذا، تجد هذه المجموعات البشرية المتواجدة، بالصدفة على هذه الأرض، أنها مشاريع حروب دائمة. مشاريع تنفي فيها حضورها المستقر باستمرار. وأن ما هو مشترك بينها، هو الخوف المرضي. الخوف الجامح. الخوف المعلن. الخوف المكبوت. اللامصير. اللا المستقبل. ولهذا فعليها، أمام أي أزمة، أو مشكلة، أن تخاف على أنفسها. وأن تدافع عن أنفسها، بإلغاء غيرها. والخوف هنا، كما يُراد أن نستشعره، هو الوجه الآخر للإلغاء. الوجه الآخر لنفي وجود الآخر. إذاً لا شيء كما في هذه البلد. ولا تطوّر، ولا تقدّم، لا في المؤسسات. ولا في الأحزاب. ولا في العقول. ولا في النفوس. يمكن أن يزيل هذا الخوف، ويمنح إحساساً بالأمان والاستقرار. ولا شيء في هذا المجتمع المدني تأصل. ولا العقلانية. لا الانتماء الجامع. لا الشعور الوطني. لا الوشائج. لا الأواصر. لا شيء. فنحن، علينا أن نفضح خوفنا باستمرار. أن نفضح أنفسنا باستمرار. أن نقول للعالم بأننا لا نستحق هذا الوطن. وبأننا عاجزون عن أن نكون مواطنين حتى من الدرجة الدنيا. علينا أن نستنجد دائماً بمَنْ يحمينا من بعضنا، بمَنْ يعلمنا "الديموقراطية" وآداب المعاملة، وأصول الحكم، وألفباء الوعي، والتمسك بالوحدة، والالتزام القومي. علينا أن نكون، وبفعل خوفنا، في حاجة إلى سوانا، لكي لا ندمر أنفسنا. لكي نضمن حياتنا. ومصالحنا. واقتصادنا. ومستقبل أولادنا.
ثقافة التخويف هذه ظاهرة لافتة. علينا أن نعرف كيف نشربها، ونستسقيها لكي نرد عنا الأقدار وما يحيط بنا من مخاطر لا تنفد. ولكي تكون لبنانياً أصيلاً عليك، أن تخاف. وأن تحافظ على هذا الشعور "الغالي" لا لتتجاوزه، أو تمحوه، بل ليكون هذا الشعور إشارة إلى وجوب البقاء في حدود المجهول، في تلك الحدود التي لا تعرف فيها مَنْ يرسم مآلاتك، ولا مصائرك، ولا إراداتك، ولا حياتك... ولا حتى موتك.
لكن ماذا تفعل لزرّاع ثقافة التخويف، إذا كان المجتمع المدني بشرائحه، وشبابه، ومثقفيه، قد أسقط هذه الثقافة المتبادلة وراءه... وها هو يتقدّم لصنع "قدره" بشجاعة الواثق من ناسه، وبقوة الممسك بحرياته وديموقراطيته...
لكن ماذا نفعل الآن، إذا كانت ثقافة التخويف والتهويل... ارتدت على صانعيها ومبتكريها وموصليها... ومستثمريها ومستغليها.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.