يُحكى أن الديموقراطية كانت موجودة عندنا. وأنها ستعود. ويُحكى أيضاً أنها لم تكن موجودة عندنا لكي تعود. ويحكى أنها كانت موجودة لكن "شكلية". مفرغة من "المضامين الاقتصادية والفكرية وصولاً بحمده تعالى الى الأيديولوجيا بفصائلها المادية والتاريخية والنفسية والليبرالية والرأسمالية... ويحكى أنها لم تكن موجودة حتى شكلياً وتشكيلياً وزخرفياً. كانت مجرد غبار. غبار يخفي ما يخفي من الطائفية والمذهبية والعشيرية والاستبدادية... وكانت بهذا ذريعة لالتباس غريب بين هذه البنى "العقلانية" والفضاءات الغيبية "اللانهائية".
ويحكى أن هذه الظواهر الغيبية ما كان لها أن تتمدد في اللاوعي الجماعي إلاّ عبر الوعي الفكري. وان امتداد الوعي الفكري ما كان له أن يتحدد بالطرق والمضامين التي حُدد بها لولا الخلفية الدينية.
هكذا يُحكى عندنا. ولكن يحكى، وعلى صعيد أبعد وأرحب وأعرق واعتق... ان الديموقراطية كلها خرافة. كالحرية. و"الإنسانية". والعدالة. والثورة والمساواة. وتكافؤ الفرص. والجماهير... حتى في الغرب امتداداً الى الروّاد والفلاسفة والمفكرين والسياسيين وأهل المسرح والشعر في بلاد الإغريق بما ورثته من أهل الرافدين... وأهل الأبجدية في فينيقيا وعند الفراعنة.
ويحكى في بلاد قريبة وبعيدة، طاعنة في التاريخ والجغرافيا والمرويات ومسالك الإيمان وغير الإيمان، أن الديموقراطية، إذا وجدت، فهي خطر. سمّ في دسم. وأنها "شر" مطلق مغلّف بآيات الخير والبر والصلاح. بل ويذهب أهلٌ من تلك البلاد القريبة والبعيدة، أن الديموقراطية "مسألة" غربية. غربية فحسب. ولا علاقة لشعوب العالم الثالث، وللشعوب المؤمنة بها، لأنها بعيدة عن المبادئ والمعتقدات الإلهية، ولأنها غريبة عن العادات والتقاليد والمروءات والأخلاق الحميدة.
وفي آخر الحكايات، لا أعرف ما إذا كانت مما قبل الحداثة، ومما بعدها، أو قبل العولمة أو ما يستتبعها، بأن الديموقراطية التي أنجزت ما أنجزت في عصور التنوير (لا سيما الاستعمارية) قد صارت اليوم موضة قديمة "مهرقلة"، متجعدة، هزيلة، وخرفانة... وان الاختيارات التي من المفترض أن يتخذها الناس أو "الجماهير" (باللغة القديمة) لم تعد ملك هذه الأخيرة. إنها ترسل إليها بالبريد، ووسائل الاتصال، والشركات المتعددة الجنسيات وعابرة القارات والمحيطات، والإعلانات، ديموقراطية معلّبة، "تجريدية"، قد لا تراها وتمتدحها، وقد لا تراها وتذمها... وقد لا تراها إطلاقاً وتؤمن بأنها خير سلف وخلف للتعبير عن الحرية.
ففي الولايات المتحدة الأميركية انتخابات "حامية الوطيس" بين بوش وكيري. بين الجمهوريين والديموقراطيين. وكل الأصول "الديموقراطية" ظاهرة: الآراء المختلفة، الحملات. الاستطلاعات. الشعارات. الخطب. المهرجانات. المساجلات. التجمعات. حفلات الموسيقى والغناء. الاستعراض. الجرائد. المجلات. الفضائيات. الأرضيات. فوق الفضائيات. وتحت الأرضيات. الاحترام المتبادل. مبدأ تداول السلطة... كل ذلك موجود. ولكن يحكى أنه برغم كل ذلك فإن الشركات وأرباب المال (750 مليوناً تكلفة الانتخابات) واللوبيات المرتبطة بالخارج (بالصهيونية وإسرائيل) والإعلام المرتشي (أو المنحاز) برغم "موضوعيته" ومهنيته العالية، تصنع الرئيس الجديد. هي ترسم صورته، وتجلوها وتضيئها وتلمعها، وتدفشها الى السدة، والمنصة، والمسرح العائم. مع هذا لا يمكن "إنكار" أن في الولايات المتحدة الأميركية انتخابات "أميركية" "حرة" و"نزيهة"، و"واعية"، وراشدة لشعب راشد، وذلك أن كل عدة "الديموقراطية" موجودة أمامنا، ظاهرة للعيان، واضحة، لا لبس فيها ولا غموض... لا سيما المال والشركات الكبرى واللوبيات... وإسرائيل الكبرى حتى قلب نيويورك وواشنطن وفلوريدا... ولأن الديموقراطية موجودة الى هذا الحد (المُضرّ بالشعوب الأخرى لا سيما العربية) فإن الشعب الأميركي يُصاب أحياناً بالتخمة والترف، بحيث أنه يعمد الى تغيير مواقفه بين لحظة ولحظة، بين استطلاع جرى قبل الظهر وآخر جرى عند الغروب، لأسباب "خطيرة" تحدث بين هذه الساعات القليلة: كأن يُقَبِّل بوش أمام الإعلام زوجته الحسناء قبلة تنم عن حبه وإخلاصه... ووفائه. فترتفع شعبيته: فالأميركان يعشقون الوئام العائلي، خصوصاً إذا أشرك بوش ابنته الصهباء وكلها براءة... ونضارة، في حملته. أو كأن يسعل كيري بطريقة لا تدل على أنه قادر على إدارة البلاد... وعندها تنخفض شعبيته من نقطة الى اثنتين أو أكثر... فالرئيس يجب أن يسعل بطريقة تحفظ الأمن القومي، وتواجه الإرهاب، وتطارد الزرقاوي، وتحاكم صدام حسين... وتبحث بجدية عن بن لادن، ومن دون أن ننسى إسرائيل وغزّة والجدار والقتل. فالرئيس يجب أن يعرف كيف "يزحط" وكيف "يسعل"، وكيف "يبتسم" وكيف "يلبس"، وكيف يمشي، وكيف يصافح الجمهور... وهي أمور من صناعة الديموقراطية ومن صلبها وتجلياتها وآياتها. ولأن طريقة التصرّف بجمالياتها الإعلامية العالمية لا بد من أن تكون مرتبطة بطريقة التفكير، فإن الرئيسين المتنافسين، وحرصاً منهما على أصول الحرية واحترام الآخر والديموقراطية والقوانين الدولية والمحلية، يتوقفان معاً عند الثوابت التاريخية (ليس وحدنا نحن العرب عندنا ثوابت!). ومن هذه الثوابت احترام السفاحين والمحتلين والغاصبين الإسرائيليين واحتقار الضحايا: الفلسطينيين. تشجيع الدولة ـ المسخ على المجازر. ومطالبة القتيل بالاعتذار. حق الصهاينة في الدفاع عن أنفسهم وهم يحتلون أرض سواهم، ومنع هذا الحق على من تُحتل أرضهم. فالإسرائيليون "رُسُل سلام". و"الفلسطينيون إرهابيون"... وهكذا دواليك. ذلك أن من أُسُس الديموقراطيات احترام حق الشعوب بتقرير المصير بتدميرها. ومساعدتها على النهوض من أزماتها الاقتصادية.. باستغلالها. ومحاربة العنصريات، بتشجيع العنصريات، والتصدي للدكتاتوريات بخلق دكتاتوريات. انها شعارات رائعة قد تكون مستورة أو مرموزة وراء الكلمات، لكنها جاذبة. وتتطلب رئيساً قوياً (ولو بنظام ضعيف!)، قادراً على اتخاذ القرار القوي الشجاع. شديد البأس. والسطوة والهيبة. مع هذا يرى كثيرون أن الديموقراطية الأميركية هي أنموذج قابل للتصدير والإعارة والبيع والتوزيع بالمفرق والجملة في بلاد الله الواسعة. يعني أنها ديموقراطية وأميركية وغربية ولها فروع في الديموقراطيات الغربية الأخرى، التي لا بد من أن تشكل وحدة عميقة تتمازج فيها الجذور والمبادئ والأديان والأفكار لا سيما المصالح، وأشكال التنافس، والتناتش، وسباق التسلّح، وأنواع الغزو، وامتصاص الشعوب. يُحكى أنها ديموقراطية المستعمرين. بل ويُحكى، ومن باب التعميم والتأويل، أن الديموقراطية الغربية الحديثة، ما كانت لتتم بهذه الطريقة الناجحة والناجعة والساطعة لو لم تكن ستاراً تبريرياً للاستعمار، إذ أنه عبر هذا الاستعمار تنقل الحضارة (بما فيها الديموقراطية) الى الشعوب المتوحشة، والبربرية والجاهلة، والحقيرة. فهل هذه الحكايات صحيحة؟ هكذا يتساءل كثيرون، جاء آخرون بتأكيدات ووقائع تاريخية تثبت صحة هذه المقولات!
اذاً، الديموقراطية تروى كما تروى الحكايات وقصص الاطفال... مُضَمّخة بأريج الأزمنة والأمكنة والشخصيات الخرافية. أوليس هذا ما يقوله كثيرون عندنا وفي بلاد أهل الغرب والشرق؟ حكاية من الماضي لكن بلباس وأزياء من الحاضر. ازدواج التنافر قد يكون. والدليل كما يقال في الجرائد والتحقيقات ووسائل الميديا وغير الميديا... إن الشعوب كل الشعوب تحب كثيراً الديموقراطية والحرية... لكنها لا تمارسهما. تماماً كبعض الشعوب المؤمنة. ويقال أنه حتى بعض الشعوب المحسوبة على الديموقراطية باتت تفضل الحاكم القوي عليها. لأنها، ومن خلال طبيعة التمثيل البرلماني أو الرئاسي أو الحكومي، تؤدي، ومن خلال "التنوع" و"التعدد" و"الصراعات" الى شل قدرتها "المبدعة"، والسحرية، والحضارية أيضاً. أوليس هذا ما يبرهنه الشعب الإسرائيلي: تكون الديموقراطية عبر حاكم يشبهها. عبر حاكم يستخدم "مزاياها"، وشكلياتها، ليقتل الآخر. ولهذا يقال أن الديموقراطية الإسرائيلية أداة قاتلة بيد حاكم قاتل أفرزته بكل آلياتها الانتخابية. فكأن الشعب يلجأ الى الديموقراطية كوسيلة لصنع حكام "غير ديموقراطيين" إذ كيف يصح ان يكون "حاكم"، ديموقراطياً إذا مارس آلياتها وشكلياتها في الداخل، وقتل ونهب وذبح في الخارج وما هو الفارق سوى أن الحاكم، وباسم الشعب، يصبج هو الديموقراطية، فتصبح بدورها شخصاً. وهذا ما يحصل في العديد من الديموقراطيات كالولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا. اذاً أي ديموقراطية نختار: ديموقراطية الداخل أم تلك التي تتجلى دكتاتورية على الخارج؟ ومع هذا يروى أن ما يتم في تلك البلدان المذكورة يسمى ديموقراطية، وهذا ما لا يحدث عندنا في بلاد ينتفي فيها الفارق بين ممارسة لا ديموقراطية في الداخل، وأخرى لا ديموقراطية في الخارج.
فعندنا، يروى أيضاً، أن ديموقراطيات النظام العربي، بفروعه المتعددة والمتشابهة، أعظم ديموقراطيات العالم. لا لأنها تدرك الشعب وتحاوره وتستلهمه، وتطلع من همومه وأحلامه، بل لأنها تتم من دونه. فما أجمل ديموقراطية "تجرد" الشعب (كلوحة تجريدية، أو كأرقام تجريدية) بحيث أنك لا يمكن ان تتعرف عليه إلا بالاسم. ويكفي الاسم أحياناً، ولو غاب المسمى. وما أجمل ديموقراطية لا تحتاج الى الشعب. فالحكام يبتكرونها وحدهم، وهم يمارسونها وحدهم. فكيف لنا أن نطالب بوجود شيء هو موجود أصلاً. عندها تصبح هرطقة. وغدراً. وخيانة. ومساً بسيادة الدولة. وتخريباً للنظام. وتدميراً لأسس الأمن القومي. والغذائي. والصناعي. والمالي... ولم لا الديني والحضاري والوطني، وتنفيذاً لإرادة الخارج". والأعداء.. وما أكثرهم!
وما حصل عندنا في لبنان نموذج رائع يمثل أحد وجوه النظام العربي الأبهى، والأسطع، إذ برهنت الأحداث، أنه يمكن أن تتم أي عملية أو استحقاق دستوري، أو برلماني أو رئاسي، بديموقراطية "شعبية" من دون شعب. وبإرادة جماهيرية من دون جماهير. فالناس اللي فوق... هم الديموقراطية وهم الجماهير وهم الشعب. ذلك أن صناعة الحكام الأقوياء لا تنجح إلا بوجود شعب افتراضي أو تجريدي أو هيولي... أو مجازي. مع هذا نقول كلنا إننا نعيش في نظام (طائفي وعشيري) ديموقراطي لا سيما الآن. وهذا النظام الديموقراطي أفرز زعامات ديموقراطية، والأهم أنه أدى ويؤدي منذ عقود، مهمة استقلالية كبرى تتجلى في تمتعنا الرائع بحرية قراءاتنا الوطنية والبلدية والقومية... والعالمية. فالذي يقول أننا شعب "غير مستقل"، و"غير حرّ"، يشوه الحقائق والوقائع التي نلمسها في معيشنا اليومي، وفي اختياراتنا الكبرى والصغرى، وفي أوضاعنا الاقتصادية وحروبنا ومعاهداتنا واتفاقياتنا وانتخاباتنا ونقاباتنا وأحزابنا فقط، بل يُشَوِّه جوهر وجودنا وانتمائنا وجذورنا وتاريخنا وجغرافيتنا ونضالنا ضد العدو المتربص بنا... وسائر الأعداء والخصوم.
ذلك أن علينا أن نرفض الديموقراطية ونتغنى بحسناتها وحسناتنا طبعاً. وعلينا أن نقبل الاستبداد ونسميه ديموقراطية من أجل سلامتنا (الشخصية) وسلامة أبنائنا وأهلنا وشعبنا وأرضنا وأشجارنا ومدننا وعمراننا وتاريخنا ومستقبلنا. عندها تصبح الديموقراطية حلماً. (حلم منام) شيطانياً أو ملائكياً. تصبح من مقتنيات لا نملكها ونتوق إليها... تصبح الأمل المنشود لكن المستحيل. فلنقل أنها تصبح "ميتافيزيقيا" كالآخرة والجنة والنار والحشر والنشر.
هذا ما يروى عن الديموقراطية عندنا... وعند سوانا. بمثالبها وعظمتها وضعفها واستحالتها وقربها واحتمالاتها... هذا ما يروى عنها. لكن برغم كل ذلك، من أين تجيء الديموقراطية (وفضاؤها الحرية) بهذا السحر. بهذا الجاذب. والجمال. لمن يعرفها ولا يعرفها. لمن تذوقها ومن لم يذوقها... لماذا تبقى الديموقراطية الطريق الوحيدة، التي لا بديل منها، في هذه المجتمعات الذاهبة في سبلها وأسبابها وأوطارها؟
لماذا تجعلنا هذه الديموقراطية عبيداً أوفياء لها لتحقق شيئاً من وجودنا، ومن حياتنا، ومن شعورنا بأننا ناس وبشر وكائنات لها اختياراتها... ولو مستحيلة؟
لماذا نشعر بأنه علينا إتباع الديموقراطية ولو على حد السيوف، ولو على مرمى القتل والاستبداد والطغيان... والموت، لنشعر بأننا ما زلنا أحياء.
وحدهم الموتى يقتلون الديموقراطية. وحدهم الموتى لا يسعون إليها.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.