كانت رسالة "جديدة"، "طازجة" من رسائل "القديسين" السود إلى الصديق الكبير مروان حمادة (ووليد جنبلاط) وأهلِ "يفسُس" في لبنان، رسالة "شفافة"، "شفافة" إلى درجة استشف أصحابها، ومضمونها، وكلماتها، وما وراء كلماتها، ونياتها وأفعالها. شفافة شفافة إلى درجة استُشفَّتْ ملامح الأصابع والعيون والأوراك والبطون والعقول (الفارغة) والقلوب المعدنية التي أَرسلتها كهدية للمديوقراطية ولشعب لبنان الذي حضنه مجتمعه المدني الأقوى من البنى النحاسية والكرتونية والاستخبارية.
مروان حمادة نجا، وألف حمدلله على سلامته، واستشهد رفيقه أبو كروم، وأصيب رفيقه الآخر سهيل عبدُ الصمد، وطاشت الرسالة. صحيح أنها وصلت إلى العنوان "المبتغى"، لكن الأصح أنها لم تصل إلى أي عنوان. ورقة دموية وحشية تدل، إن دلت على شيء، على إفلاس مرسليها، حتى بات "القتل" كل ما تَبَقّى لديهم.
ومَنْ لم يعد لديه سوى القتل فهو يائس. وبائس. جدير بالشفقة أكثر مما هو جدير بالرحمة.
وقد اختار السفّاحون، ومجرمو الحرب، شخصاً، هو إلى انتمائه الحزبي، متفتحاً، مثقفاً، رحباً حوارياً من الدرجة الأولى. اختاروه كرمز من رموز المجتمع المدني الذي حاولوا عبثاً تفكيكه وتهشيمه وتشويهه، بعدما ضربوا بنيانه وأدواته ومعانيه. وهكذا تتعدد شيفرات الرسالة الواحدة: إلى المؤسسات. إلى الأحزاب. إلى النقابات (أو ما تَبَقّى منها) إلى الطوائف. وإلى المثقفين، وكأنهم يقولون: ثمن الاعتراض، أو الاحتجاج، أو الحرية، أو المطالبة بدولة القانون والمؤسسات كبدائل من لا دولة الأجهزة، والمخابرات، والصوت الواحد، ثمن كل ذلك لا المحاورة، ولا الانفتاح، ولا الاصغاء. بل القتل! معركة بالسلاح الأبيض مع كل الناس.
إذ أنه للمرة الأولى، ومنذ عقود نلحظ صحوة منقشعة عارمة لدى شرائح المجتمع صحوة على ما آلت إليه الأمور وما ستؤول إليه إذا بقي هذا المجتمع ملتزماً نصيحة "الصمت من ذهب" أو "القناعة (بهؤلاء) كنز لا يفنى".
على هذا الأساس لم يكن مروان حمادة (وهو لا يمثل طائفته ولا حزبه ولا موقعه فقط، بل هو من صميم إرادة الشعب اللبناني برمته)، مستهدفاً، بل كل النوازع الكامنة والظاهرة على امتداد الوطن. فلنلقن هذا الشعب درساً! هكذا قالوا في كواليسهم ودهاليزهم المعتّمة. فَلنَردَّه إلى جادة الطاعة والاستكانة والقبول. والطريق الأمثل لمثل هذه الدروس الديموقراطية هو القتل. القتل بلا رحمة، بلا حساب. ولا تعقل. القتل بجموح الثيران القافزة إلى الحرائق والمسالخ والهلاك.
إذاً ضربة "معلمين"! ذوي خبرة، وعلم، وفلسفة، وتطويع، وتدجين، وترويع، وترهيب بل إرهاب. "فالمعلمون" الذين فجروا السيارة هم معلمون باهرون في فنون الارهاب، وبروفسورية متفوقون في العنف ودكاترة "أكاديميون" في المجازر. "فليكتشفونا"! كأنهم قالوا. وبهذا سيراجع مروان حمادة ومن ينتمي إليه، وما ومن يمثل حساباته المقبلة: فإذا كان "غيث" الديموقراطية سيارة مفخخة، فماذا ستكون "سيولها". ربما سيارات أخرى أعظم، بعشرات الكيلوات. ربما افتعال نزاعات طائفية. ربما اغتيالات بالكواتم. ربما إفلات هذه التجمعات على تلك التجمعات. ربما تدمير البنى التحتية. أي استعادة كل العدة الاسرائيلية (والعربية) إلى البلد. وهكذا سيرعوون سيفكرون بممتلكاتهم. وبأولادهم. وبمؤسساتهم. وبأرواحهم. وبأمواتهم. وبأحيائهم. ونحن نريدهم أن يعاودوا التفكير بكل ذلك، ويستحضروا أشباح الحرب "الأهلية" ودمارها ومآسيها لتكون عبرة لهم يعتبرونها. وسيرتعبون من تذكرها. ويرتدون إلى اسطبلاتهم وبيوتهم ومخابئهم ويصطفون الحكمة والتعقل والصمت والذل والسكوت.
لكن ماذا عسانا نفعل لهؤلاء إذا كانت هذه الرسالة المفخخة، قد انفجرت بمفجريها. وماذا عسانا سنقول لهم سوى "خَسِئتُم"! وأن أساليبكم التي خبرناها، وعرفناها، ودفعنا أثمانها غالياً باتت بالية. كاسدة. وان جريمتكم قد ارتدت عليكم. لأنها جعلتكم في المقلب الآخر من الناس. جعلتكم في صف أعداء الوطن. بل الأعداء "المثاليين" لهذا المجتمع الذي عرف، على امتداد تاريخه كيف يهزم الأنظمة المستبدة، والدكتاتوريات، وايديولوجيات القمع، والتسلط، والأجهزة التافهة. بل وكم علينا أن نذكّر "أعداء" لبنان هؤلاء، أن لبنان لا يمكن أن يقوم، أو يعرف النهوض، بوجودكم، فما نفع هذا البلد إذا كان شبيهاً بما ومن حوله (العوذ بالله). بل وما جدواه إذا كان مجتمعه سيتحوّل مجرّد قطعان تساق بالعصي والدمغ والوشم إلى الخانات والسجون والمعتقلات والمنافي، مطأطأة ذليلة، بلا حول ولا قوة.
اختبار القوة مع أحد رموز المجتمع المدني، كان أيضاً اختبار قوة لهذا المجتمع مع نفسه ومع جلاديه. وإذا كانت الرسالة المفخخة قد وصلت إلى مَنْ أرادوا أن يوصلوها إليه، فالرسالة المضادة التي أرسلها المجتمع قد وصلت أيضاً إلى حيث يجب أن تصل: وحدة وطنية متراصة، صمود في وجه مخططات الفتنة المرسومة، الاختيار الديموقراطي الحر، رفض أي نظام مؤمنن أو معسكر، رفض كل إملاء فوقي بالقوة، الاستعداد لكل الاحتمالات (المؤامرات) بروح صامدة، وقوية. رفض الحالة الصهيونية المتمثلة بالطائفية. تأكيد أن كل سلطة، أو قانون، أو نظام، أو سياسة، مصدرها الأول والأخير المجتمع. وان هذا المجتمع الذي هزم تجارب التسلط كلها قادر الآن على هزمها مجدداً.
هذه الرسائل المضادة لرسالة القتلة والمجرمين والعملاء والمأجورين وأعداء لبنان، قد تبلورت أكثر من أي وقت مضى. تبلورت في الشرائح الاجتماعية. والسياسية. والثقافية. في البيت. والشارع. والمقهى. والرصيف. وفي الحقل. وفي المصنع. وفي المدرسة. وفي الجامعة. بحيث تنامت وشائج وعلاقات ظنّها كثيرون قد بُترت إلى الأبد. فلبنان، بحسب رسالة المجتمع المضادة، لم يعد مجرّد طوائف. ومذاهب. ومواش كما أُريدَ ويُرادُ له أن يكون. يحركون بثقافة القسمة والخوف، والارهاب. بل بدا أن الجذور التي انبتَّ ما انبتّ منها قسراً، ما زالت قوية تتمازج في باطن الأرض. وفي باطن الضمائر. وفي باطن النفوس. والأفكار. بل بدا أن الانتماء الينبوعي، الأصلي، إلى الوطن، أكثر من مجرد تعايش يُهدَّد "بهشاشته" في أي لحظة، أو مجرّد "ميثاق" يُعدَّل تحت أي ضغط، أو ظرف، أو طارئ. بدا أن الانتماء هذا وهو انتماء إلى الأرض، والناس، ولكن أيضاً انتماء إلى القيم التي صنعت ميزة هذا الوطن. القيم التي تجعل من المجتمع التربة الأولى للنظام، ولآلياته ومسالكه، والمتمثلة أولاً وأخيراً بالحرية. بالحرية الشاسعة كفضاء يحضن إرادة الاختيار المتنوّعة والمتعددة، البعيدة عن كل قطبية مذهبية أو طائفية أو ايديولوجية مغلقة. البعيدة كل البعد عن كل تسلطية حزبية أحادية تصادر حيويات المجتمع، وتجلياته واحتمالاته. فالأرض فكرة. أي قيم. والوطن فكرة أو قيم. وكذلك صناعة التاريخ. وعندما تنتفي هذه الفكرة (اللامحدودة الانتظارات والانتباهات والاحتمالات) تصبح الأرض جحيماً. وغربة. ومنفى. وهذا ما يحاولون أن يفعلوه عبر المناحي الانقلابية التي ينحونها منذ مدة طويلة. أي المناحي التي تجعل النظام (أو الأنظمة) أو "البنى الفوقية"، تفرض بالقوة صورتها الواحدية على المجموعات البشرية، لتنتفي بذلك صفة المواطنية وتتأكد صفة الاسترقاق، والفرض، والهيمنة، ويتجرّد المواطن من كل "أسلحته" (السلمية) الفكرية والسياسية... والجدالية والنقدية. أي مواطن ـ شبح. مواطن ـ ظل. مواطن ـ صدىً. يحشى بالشعارات والأكاذيب عبر إعلام "مُوَحَّد"، يُنكر الآخر، المعترض، أو المختلف...
هذه هي المعاني "الخلفية" و"الأمامية" للجريمة التي ارتكبها بعض اللصوص وقطاع الارادات والسفلة بحق مروان حمادة: مصادرة الوطن بالقوة. وتشكيله على صورتهم السوداء بالقوة. واصطناع "نظام" هو مجرّد هياكل فارغة لحكم مؤمنَن، ومُجَهْزَن،... ومقطور: بل يريدون، في العمق أيضاً، لا إلغاء الآخر كصوت مختلف، بل تيئيس الآخر، كل آخر، من جدوى أن يكون له صوت. ومن جدوى أن يقول "لا"، بل ومن جدوى أن يقول "نعم". حتى "النعم" ممنوعة في تفكير المفخخين. حتى الصمت مستريب إزاء "جعجعة" السفاحين وضوضاء شعاراتهم. المهم قتل روح المجتمع. جعله مقبرة كبرى لا تميّز فيه بين حي وميت. بين صوت وصدى. بين فكرة وشعار. كأنهم يريدون أن يكونوا "جنرالات الشعب الميت". البلا نبض. والبلا إبداع. والبلا عقل. والبلا مشاعر. يفرضون جغرافية هشة على مجتمع هش يقولبونه كما يشاؤون. ويشعلون الفتن فيه متى يشاؤون. بل يريدون أن يتعاملوا مع الشعب وكأنه مجموعة "شعوب"... وطوائف وقبائل ومناطق لا يجمع بينها جامع. ولا تربطها وشائج. ولا تواريخ. ولا حتى جغرافيا... بل ولا مشاعر!
كادت هذه "المحاولات" تنجح في السابق. وكادت تقطع الأوصال. وتفرق الأهل. وتصيب مجامع النظام. وتعدم القيم. لكن بدا للجميع هذه المرة، ان الوطن لا تلغيه سيارة مفخخة. والمجتمع لا تبتره نزوة أو انتهازية أو مؤامرة أو إرادة استبدادية، أو رغبة معدنية بالهيمنة والتسلط.
إنها الرسالة الأبهى، والأجمل، والأفتن، التي يبعث بها المجتمع إلى مروان حمادة. إنها الرسالة التي حملها حمادة طويلاً. والتي يبثها إليه الناس، كأمانة، وكذخيرة، وكفعل إيمان.
فيا أيها الصديق العزيز مروان، أنت تعرف أن أياماً صعبة تنتظر هذا الوطن. وأن ألف جلجلة تنتظرنا. وألف يهوذا اسخريوطي ينتظرنا وألف بيلاطس يغسل يديه من "دم الصديق"، لكن آخر الجلجلة ليس جلجلة، بل قيامة، وآخر الحجارة أن تتدحرج الحجارة. وآخر الصلبان أن يترجل فرسانها عنها... وقدر الأحرار أن يصنعوا أقدارهم بأنفسهم... قدر الأحرار أن يكونوا أحراراً.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.