8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

..وأنظمة ضعيفة جداً

النظام العربي هو أقوى نظام في العالم، لأنه قائم، أصلاً وفصلاً وحصراً وقسراً على علاقة شبه مقطوعة بمجتمعاته. يستمد قوته من آلياته الخاصة، ومن أدواته المعسكرة والمؤمننة، ومن أجهزته ومخابراته وبيروقراطية لا حدود لها، فقوّته من ضعف المجتمع وحتى من انعدامه. لهذا كان النظام العربي أقوى نظام في العالم لأنه لا يحتاج إلى المجتمع، ومؤسسات المجتمع، ليستمر ويترسخ ويتعزز ويتجذّر.
لبنان، كان ربما الاستثناء في فترة قيام الاستبداديات العربية، محمولة بالانقلابات التي سُمّيت ثورات، أو بالثورات التي تحوّلت إلى انقلابات. فهو نقطة ماء وسط بحار من المعادن والسلاح والعسكر والنياشين والنجوم والتيجان.
على هذا الأساس، أي لأن مقياس قوة النظام يكمن في تكوينه المُعَسْكَر، فإن لبنان كان "الحلقة الأضعف"، أو "الفريسة الأسهل".
وإذا تذكرنا أو استحضرنا عناصر قوة الأنظمة العربية ذات البأس والهيبة والبطش والعزيمة الماضية، والارادة الفولاذية، فسنجد، أن هذه الأنظمة ولأنها "قوية" جداً بعساكرها وحرسها وميليشياتها، كانت تخشى من أي صوت مختلف يعلو. من أي نبرة احتجاجية... تأملوا ان هذه الأنظمة الشرسة "المتينة" وبجبروتها الواثقة من قدرتها الفائقة، ومن "فنونها" على الترويض والتدجين، تخاف من مظاهرة مؤلفة من عشرة أنفار. تخاف من مقالة لا تتعدى المئة كلمة. من كتاب لا يوزّع أكثر من 50 نسخة. ومن حزب لا يتعدى عدد أفراده المئات. ومن تحرّك نقابي على أساسي مطلبي. تأملوا كل هذه الجيوش العمومية (وهل هناك جيوش عمومية عندنا؟) والأسلحة الفتاكة، والدبابات والطائرات، وأجهزة الأمن السرية والعلنية، والجبهات العريضة (المزعومة)، كانت تخاف من مخابرة تلفونية تنصتت عليها، أو من تحرّك محدود في الشارع، أو حتى من رسالة بريدية... مع هذا، فإن هذه الأنظمة تعتبر قوية وقوية جداً، مسيطرة سيطرة تامة على أمن المواطن وراحته وكذلك غيبوبته، وعلى نومه وبطالته وشقائه وصمته... وحتى موته!
لبنان، ما بين الستينات والسبعينات (وحتى قبل ذلك) كان نظامه طائفياً، وهذا معروف ولا نحتاج إلى مَنْ يذكرنا به خصوصاً من رواد الأنظمة العربية الطائفية، وقائماً على توافقية ما بين الطوائف والمذاهب، ضمن توازنات أقرها الميثاق والدستور القديم (1943)، بحيث يحفظ لكل طائفة حقها في ممارسة الشعائر والطقوس الدينية... والدنيوية، إلى محاصصة وحقوق في النسب والأرباح...
لكن على هامش هذا النظام، كان المجتمع المحكوم بتلك التوازنات "الثقافية" التاريخية يتحرّك، على مساحات متحررة، وديموقراطية، مما أتاح له أن يكوِّن فضاء آخر من العلاقات، هو فضاء من الحرية الاجتماعية والسياسية والفكرية والفنية والأدبية والأيديولوجية. كان إذاً ثمة لبنانان: واحد "ميثاقي" يطفو على سطح السلطة، وآخر دينامي تتحرّك فيه كل الأفكار المختلفة، القومية واليسارية واليمينية والليبرالية، على أن اللبنانيين، كانا على تماس ما، أو فلنقل على "قواعد" و"أعراف" ما، على أساسها، اختلطا، وتمازجا، أحياناً كثيرة ليشكلا معاً، على تناقضهما واختلافهما، تياراً ما من ديموقراطية خاصة وفريدة يكفلها أصلاً "الدستور".
هذا التيار الذي راح يتنامى قبل الحرب، شكل قوة اجتماعية، عززت قدرة النظام، بقدر ما عززت المجتمع المدني؛ بل وبدا النظام، في علاقته بالحيويات "الثقافية" والسياسية وكأنه نظام قادر على امتصاص مجمل التناقضات التي تنمو حوله. بل بدا النظام متماسكاً وقوياً بقوة المجتمع وأدواته ونقاباته وأحزابه أكثر من تماسكه بمعطيته "التكوينية" (الصفقة الطائفية). هذه النقطة بالذات أي تنامي عناصر المجتمع كانت غير مفهومة كثيراً، بالنسبة إلى بعض الأنظمة العربية (وكذلك طبعاً اسرائيل)، بل بات يؤمن بعضها بأن هذا النظام غير المدعوم من العسكر وأجهزة المخابرات... هو فضيحة بحد ذاته، لأن "ضعفه" هذا، يحتمل أن يكون بذوراً "لمجتمعاتها" المصادرة. بمعنى آخر رأى بعض الأنظمة (الاستبدادية) أن نظاماً على هذه الخلطة، والمظلل بكثير من الحرية والديموقراطية، يشكل تناقضاً أساسياً مع بناه المعسكرة. أي أن نظاماً يستمد وإلى درجة كبيرة قوته من المجتمع في هذا المحيط العربي، هو نظام "طارئ"، و"غريب"، و"مستورد"، وخطِر. وأن نظاماً تمَّ على "التوافق" والصراع معاً لا على الانقلابات المسلحة، هو نظام قد يُهدد مجمل البُنى العربية "الانقلابية" والثورية... والتغييرية بهيمنة "الفوق" (الطبقة العسكرية) على "التحت" (المجتمع المدني). وكان على بعض هذا النظام المعسكر (الرسمي وغير الرسمي) أن يسعى إلى تدمير المجتمع الذي يصنع هذا النظام اللبناني "الضعيف" بمجتمعه القوي والفاعل والمُعدي... وكانت الحرب من الوسائل الأساسية التي من شأنها إلغاء دوره، واستبداله بأنظمة معسكرة تتناحر على أساس "الأخطاء" التكوينية (النسب الطائفية) وهي صورة مصغّرة عن الأنظمة العربية الرسمية (من دون أن تنسى العدو الصهيوني وأميركا). فليُضرب هذا المجتمع عبر تدمير أدواته المدنية: الأحزاب النقابات، الحريات، القضاء (عبر تسييسه أو إلغائه بمحاكم فئوية ميدانية)، والجامعات والمؤسسات. أي إلغاء كل ما صنع من هذا النظام غير المعسكر نظاماً قوياً في ذاته، و"ضعيفاً" بالنسبة إلى سواه أي نظاماً بلا مجتمع. ومجتمع بلا نظام. سديم من "الطوائف" تعوم على تناحرها الموهوم، لتصبح في صراعها مجرّد محميات للخارج: منذ بداية الحرب تولت كل جهة أجنبية رعاية طائفة معيّنة لمصادرتها بالطبع إما بذريعة حمايتها (ممن؟)، وإما بذريعة "دعمها" ولانتزاع حقوقها، والمحاصصة في "الامتيازات" وكانت تتبدل أدوار "الحمايات" من نظام عربي إلى آخر وصولاً إلى اسرائيل نفسها التي لعبت اللعبة السائدة وانحازت إلى فئة أرادت أن تحافظ على السلطة بالاستنجاد "بجيش الخلاص" الصهيوني (قسم من هؤلاء أي محميو الكيان الاسرائيلي موجود في السلطة اليوم، تحت يافطات قومية وديموقراطية وعروبة!!). وهذا يعني أن المجتمع الذي كان يسعى إلى تكوين هويات ثقافية وسياسية مفتوحة، وتقاليد ديموقراطية، يُرَسِّخ لها استقلاله، هذا المجتمع الذي ضربته الأنظمة العربية الاستبدادية والمنظمات (واسرائيل)، أصيبت عبره فكرة "الاستقلال" إصابات بالغة، إذ فقدت هذه الفكرة ما يسمى "الإجماع الوطني"، ليتحوّل البلد مجموعة كانتونات مرتهنة للخارج، بدون أي قرار خاص (حتى المذابح والمجازر والتدمير والتهجير). وتحوّل "النظام" اللبناني، من نظام مفتوح على المجتمع، إلى مجموعة أنظمة مغلقة اقفالها ومفاتيحها وأبوابها وسجونها وضحاياها عند الخارج... أي إلى مجموعة "أنظمة" فوقية تمشي على رمال متحرّكة، بلا بوصلة، ولا ضوء.
هنا، كان على النظام العربي (الاستبدادي) أن يفرح، فالنموذج اللبناني الذي كان يقضّ مضاجعه بات شبيهاً به، عبر تدمير كل ما صنع الحس المدني من ثقافة طليعية، إلى أفكار تغييرية، إلى حركات نقابية، إلى مؤسسات ديموقراطية. كل هذا صار في ذمة الأنظمة، بحيث إن هذا الشلل العام في قوى المجتمع، أتاح لها تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية تحت شعارات مزيّفة "الحرب الأهلية"، لترسخ حضورها القسري والعنفي لحماية هذه المجتمعات المتناكرة المتناحرة المتباعدة من نفسها. عال! فهو الزمن العربي... الرسمي!
إذاً، تفككت أواصر المجتمع، وقوي "نظامنا"، وبهمة النظام العربي، بات يستمد قوته وبأسه من قوة النظام العربي وبأسه: المخابرات، الأجهزة، القمع، المناحي البوليسية، تسخير القوانين تحت شعار "دولة القانون والمؤسسات، امتصاص القضاء عبر تسييسه، وفصله (أي النظام اللبناني) عن امتدادته التاريخية والجغرافية والعضوية وحتى الكيانية. (هنا يُلحظ دور اسرائيل الفاجع الذي تسرّب عبر ضعف المجتمع)، واسترجاع نغمة العسكرة، والأمننة، والقائد الواحد، والصوت الواحد، والمنقذ... الواحد!
صحيح أن العنصر الخارجي وتواطؤات بعض القوى الداخلية المرتهنة استفرس حيويات البلد الحرة وكادت تقضي على ما تبقى من طموحاته الماضية (قبل الحرب)، إلا أن الصحيح أيضاً أن هذا المجتمع بشرائحه الهامشية الديموقراطية والنقابية (ما تبقى منها)، والسياسية وحتى الطائفية والمذهبية، وبرغم "قوة النظام" (المعسكر أو الذاهب إلى العسكرة) وبرغم انفصاله عن رموزه، وعن أشكال تبعيته (كشرط أساسي لبقائه!)، استرجع في العقد الأخير كثيراً من نبضه، وكثيراً من تطلعاته، وكثيراً من جوامعه (ولو غير محددة أو مبلورة). فصار عندنا من جهة نظام عربي مختزل في السلطة (مفصول عن قواعده وإن ارتبط بواجهات ورموز لا بد من أن تتحوّل باستمرار في انتماءاتها)، ومجتمع يذكر إلى حد كبير بأحوال ما قبل الحرب. أي مجتمع يريد أن يصنع النظام. وكذلك الاستقلال (الذي لا يمنح ولا يُورَث ولا يُبَخشَش): مجتمع هو النظام. (لا نظام هو المجتمع كما هي الحال في نواحي الاستبداديات). وعندما اندلعت معركة تعديل الدستور، كان على هذا المجتمع (غير القطيعي)، أن يختار بين أن يكون منتمياً إلى نفسه، وبين أن يساق في نظام "مؤلل"، و"مجوقل"، ليعدم نفسه قبل أن يعدمه سواه. وليحاول تأكيد وجوده كمصدر أول وأخير لآليات السلطات والقوانين والدساتير. وعاد الشرخ القديم بين هذا المجتمع القوي بناسه وبما تبقى له من أدواته، وأفكاره، وبين النظام العربي المختزل رموز نظامنا. وعادت النغمة القديمة عند هذا الأخير، "بإدانة" المجتمع "الضعيف" (بقوته) الذي يهدد بتمسكه بالحرية والاستقلال والديموقراطية والاختلاف قوة السلطة "الوهمية" المرتكزة على "الأشباح" والمخابرات والجيوش التي لا تحارب سوى ناسها، والقضاء المريض، والقمع المنظم، والترهيب والترويع... بمعنى آخر، يبدو أن هذه السلطة عندنا تحاول أن تنفصل أكثر فأكثر عن مجتمعها، بتعطيله أو بتفكيكه أو بافتعال صراعات وهمية بين أطرافه... لتستقل هي عنه، وتكتسب قوتها من نفسها، وتصبح كالنظام العربي قوية جداً جداً إزاء مجتمع ضعيف جداً جداً...
نحن نعرف أن المجتمع الذي استرد كثيراً من قوته، وخرج منتصراً في معاركه الأخيرة... تنتظره مشقات ومصاعب وتجارب وتجاريب وبطش... نعرف ذلك، لكن نعرف أيضاً أن المجتمع عندنا وبرغم كل شيء ما زال أقوى من هذا النظام برموزه وسلطته...

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00