معظم الأنظمة العربية قوية. ولا بد من أن تفتخر بقوتها، وتكيل المديح لها، لأنها قوية: جيوشها جرّارة. وعندها أسلحة فتاكة. وطائرات وقاذفات ومدرعات وأنفار وضباط وأركان وأميرالات وجنرالات براً وبحراً وجواً. وازدادت هذه الأنظمة بأساً وشدة وقوة بأجهزة سرية. ومخابرات وعيون وعسس تقدر بمئات الألوف. وعلى هامش كل ذلك لدى هذه الأنظمة العربية القوية بقوتها جيوش خاصة. وميلشيات. وحرس. وفرق سرية مدربة تدريباً "عالياً" للمحافظة على "النظام" وأهله وتالياً للمحافظة على ما يمثل النظام من ديموقراطية وحرية تعبير، ومجتمع مدني... هذه الجيوش قلنا انها خاصة. أي ذات خصوصية. مصنوعة لحراسة النظام لا الأرض ولا السماء ولا الحدود...
كانت إذاً هذه الجيوش الممتلكة من الأنظمة جيوشاً قوية داخل ممتلكات الأنظمة. وكانت هذه الأخيرة قوية بها، وبانضباطها وبإخلاصها وبوفائها وكذلك بشراستها...
ذلك أن الأنظمة العربية يجب أن تكون أولاً وأخيراً قوية بعسكرها (درع الوطن وسياجه). وكذلك بقياداتها التاريخية ـ الاستراتيجية، من دون أن ننسى أفكارها "الملهمة". ولهذا على هذه الأنظمة ألا تكتفي بأسلحتها وعسكرها لتحمي ما عليها أن تحميه في المجتمع، من مؤسسات قضائية وحزبية وسياسية وعلمية... بل يجب أن تغلف هذه القوة المعسكرة (السافرة) بأسلحة الفكر والعلم (وقيل العلم نور) والايديولوجيا وخصوصاً الثوابت الوطنية المندرجة طبعاً ضمن استرتيجيا شاملة. وعلى هذا الأساس يمكننا القول باعتزاز وفخار وسؤدد إن هذه الأنظمة فيها كل شيء. كل ما يطيب للمواطن والمفكر والمحارب والمناضل والعامل والفلاح والتاجر والمثقف والموظف والحزبي... كل شيء، وما عليك إلا أن "تستحلي وتختار". فأمامك سوبر ماركت كبير يمكن أن تجد فيها طلباتك. فإذا أردت شيئاً من المساواة، دَلّوك على أرفف فيها كل أنواع المساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة... وإذا اشتهيت قطعة اشتراكية تدفقت عليك من كل حدب وصوب ألوف القطع: من اليافطات والملصقات والبيانات والتقارير والخطب. مُدَّ يدك واغرفْ! وإذا عَنَّتْ على بالك "شقفة" ديموقراطية، فما عليك إلا أن تفتح الراديو أو التلفزيون، وتقلب جرائد هذه الأنظمة ومنشوراتها، لتغمرك الديموقراطية من رأسك إلى أخمص قدميك. وبأسعار مخفضة، وبأوكازيونات. فالديموقراطية التي لا تشترى يمكن أن تشتريها بالجملة والمفرّق. أما إذا تقت لتتفقد الحرية التي يتمتع بها الأفراد والأحزاب والحركات والنقابات، فما عليك إلا أن تقصد مركزاً للشرطة أو للمخابرات، وعندهم الخبر اليقين: إما ترى قياداتها في السجن لتوفير الهدوء لهم لمراجعة "أفكارهم" أو للنقاهة الجسدية أو السياحة الروحية أو الذهنية، وإما ترى هذه القيادات طليقة ضمن جبهة عريضة تهتف بكل رموزها المتبقية (ولو على أرماقها) بحياة الحزب الواحد، وعظمة الصوت الواحد، وخلود القائد الواحد.
أما إذا أخذتك "الجلالة"، واستبد بك الحماس واشرأبت الوطنية كالزرافة أو كالديك من رأسك أو من بلبالك، وعصفت بك روح الكفاح، وتملكتك هواجس القتال، فما عليك، عندها، إلا أن تصغي إلى الأناشيد الوطنية، الرائعة الصادحة ثم الأناشيد الحزبية، ثم الأغاني الحماسية، التي تهتف باسم المناضلين من أهل النظام، والمنتصرين دوماً بإذنه تعالي. باعتبار أنه في كل مناسبة وطنية يمكن أن تكتشف انتصاراً حققه هذا النظام أو ذاك لكن من دون علم أحد. فالنصر المبين يبقى سراً بين القيادات وبين أربابهم! وعندما يعلن فيعني أن هذا الانتصار الذي لا تعرف مكانه ولا زمانه نضج كالتين والعنب لكن من دون أن يتذوقه أحد. وإذا لزم الأمر، فيمكن تدبير أي انتصار من حواضر "البيت" والأمة والتاريخ والجغرافيا والرياضة البدنية، أو أي خطاب ملعلع مدوٍ يهز أركان الآذان وأضراس العقل وتلابيب الإمعاء.
فأنظمة عربية على هذه القوة، والفخامة، والضخامة لا يمكن أن تكتمل قوتها إلا بوقوف الجماهير وراءَها، ودعمها إياها، ومساندتها وبألف ومليون ومليار "بالروح بالدم". وهل هناك أثمن من الروح، فها هي الجماهير "تفديها" كرمى للأحلام التي جسّدتها لها هذه الأنظمة، وعندها، ولكي تندرج هذه "بالروح بالدم" في إطار ديموقراطي حر، ولكي تعبّر هذه الجماهير وبطريقة دستورية، وقانونية، عن إخلاصها، وتفانيها، فما على المخابرات إلا أن تنظم استفتاءات (وانتخابات)، لتنتقل "بالروح بالدم" من الصدور والأكباد والحنايا والخبايا والخفايا والنوايا والحناجر إلى صناديق "التصويت" أو "التأييد" أو "المبايعة" فتفيض هذه الصناديق، بالأرواح والدماء... لتدرك الرقم القياسي المطلوب "نعم" للنظام، أو لقائده، أو لرمزه (المفدّى طبعاً)، بـ99.99 بالمئة. وأحياناً 100% ويمكن إذا ما صوتت النوايا والمقاصد الضاجة اللهفى في النفوس أن تصل النسبة إلى 200 بالمائة، وهذا طبيعي في الأنظمة القوية جداً. ذات البأس جداً. وذات الهيبة والمهابة جداً. ولأنها قوية جداً ومبايَعة جداً، وذات البيعة المطلقة جداً، والبركات الالهية والأرضية جداً، فمن غير المنطقي أن يسألها أحد عن أي شيء. لا عن الاقتصاد، "المزدهر" جداً "بتدهوره" جداً، ولا عن الخيرات "المصونة" في بنوك أهل النظام وفي الخارج، ولا أي شيء يمكن أن يعتبر تشكيكاً. وعندها يُصبح من واجب هذا النظام أو ذاك، أن يشدد من حالات الطوارئ ويكرّسها، لكي "يحفظ" الأمن القومي، و"المصلحة الوطنية العليا". وعندها يجدر بالمشكك أن يذهب إلى السجن بمفرده "حراً طليقاً" ومن تلقائه، من دون محاكمة أو حتى تهمة... ويمكن أن يبقى هناك مدى الدهر آمين... إلا إذا أعلن من التوبات والندم والأسف والطاعة، ما قد يعيده إلى منزله أو ربما إلى كنف أهل النظام، أو إلى الآخرة... وهذا طبيعي جداً في الأنظمة القوية جداً عندنا. لأن كل شيء تفعله لا بد أن يكون طبيعياً. فيمكن أن تكون المواجهة الحقيقية للعدو والمغتصب والمحتل في عدم المواجهة. وعندها يصبح عدم المواجهة مواجهة شاملة، وعندها أيضاً، تصبح المواجهة الشاملة أروع إذا تمت بلا مواجهة، وعندها بالذات يمكن أن يُعلن أن هذه المواجهة ـ اللامواجهة هي استراتيجية، لا بد أن تؤدي (وكما تراني يا جميل أراك) على المدى البعيد (بدون تحديد زمني لكي يبقى الأمر سراً على العدو) إلى انتصارات عظيمة. ولأن الأفعال بالنيات، فعلينا أن نعتبر هذه الانتصارات (بالنيات) والتي ستحقق في المدى البعيد قد تحققت فعلاً في المدى القريب. وعندها، علينا، أن نحتفل، وندعو الجماهير والقادة والجنرالات إلى هذه الاحتفالات، لتُعلق النياشين وتسلم الدروع، وتلقى الخطب المنددة بالأعداء (الداخليين) الذين شككوا بهذه الانتصارات، وبالأعداء الخارجيين الذين لم يُقدّروا جيّداً قوة هذه الأنظمة، وعلو شأن جيوشها، ومخابراتها، وعقولها "الاستراتيجية" التي لا تُقهر.
هذا ما تفعله الأنظمة القوية جداً. ولأنها على هذه القوة، فعلى المجتمع أن يكون بين يديها كالطفل الرضيع. فالمجتمع الذي محضها روحه ودمه، عليه أن يمحضها ما هو أقل: خياراته وحرياته ومصيره ومخه ونخاعه الشوكي وجهازه المناعي. وعندها عليه أن يكف عن التفكير. لأنها تفكر عنه. وعليه أن يعترف بأنها هي التي يجب أن تنتخبه، وليس هو الذي عليه أن ينتخبها. وعلى المجتمع أن يستمتع جيداً بنهب الأنظمة خيراته وأمواله وتعبه وكأنه هو الذي يستمتع بها. فالأنظمة التي تتكلم باسمه وتمثله وتحل محله، تكرّمه وترفع من قدره عندما تنهبه باسمه... فهذا تحصيل حاصل. فالأنظمة القوية جداً، يجب أن تبقى قوية جداً، ليبقى الوطن قوياً جداً، والشعب قوياً جداً... طبعاً بالقوة. فأنت لا تكون قوياً إلا إذا أظهرت قوة. وإلا إذا استخدمت القوة. وهوّلت بالقوة. ورَوَّعت بالقوة. صحيح أن الأفكار والثوابت والانتصارات الخارجية (على الأعداء) والداخلية هي قوة معنوية عالية. لكن لا يحمي القوة إلا القوة. ولا يحافظ على القوة إلا القوة. فالديموقراطية بلا قوة تصبح فوضى. والفوضى بلا قوة تصبح تخريباً. والآراء وحتى الثوابت والمعتقدات القومية والوطنية يجب أن تستمر وتتعمق وتتبلور بالقوة. لأنها بلا القوة تقع في العدمية. ذلك أن القوة هي الحقيقة التي تجعل من كل الحقائق واقعاً طبيعياً. ولهذا فأنظمتنا قوية لأنها قائمة على القوة. وبهذه القوة تبقى أقوى من المجتمع. ويمكن أن "تحفظه" في سجن. أو في حديقة حيوانات. أو في سيرك أو في مأوى. فهي التي تصنعه كل يوم، وتقولبه كل يوم، وتقتله كل يوم، وتجوّعه لتتخمه كل يوم، وتنفيه لتعيده كل يوم. وكل ذلك بالقوة. وهكذا ترتاح لقوتها فتطمئن إلى صمودها وبقائها. والدليل الدامغ أن معظمها بقي حتى الآن. ومعنى ذلك أنها كانت على حق بأن القوة هي التي تحمي القوة. وأن القوة هي التي تحمي السلطة والمؤسسات. والديموقراطية. والانتخابات. والتشريع. والقوانين. أنظمة قوية ومجتمع ضعيف. هذه هي المعادلة التي تجعل القادة خالدين في سلطانهم، وفي أبنائهم. وفي أحفادهم. وفي قبائلهم... وتجعل السلطة هي السلطة. بلا تنازل. بلا تراجع. ولا تهاون. و"لا تشترِ العبد إلا والعصا معه". ولأن المجتمع عبد وعبيد بالنسبة إلى الأنظمة فيجب أن تشتريه والعصا معه... وتتاجر به والعصا معه أيضاً.
لكن يبدو أن هذه العصا الغليظة المغلظة أصبحت أكبر من الأنظمة التي استخدمتها، وأكبر من الحكام الذين استخدموها، فألف مديح لعصا سوف تعصى على الذين عصوا على ناس سوف يعصون على مَنْ عصاهم بالعصا الغليظة المغلظة... عقوداً أطول من قرون.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.