من جديد نجد أنفسنا داخل خيوط ومتاهات "العامل الخارجي"، أو ما يسمى "تدويل" قضايانا الداخلية، ومشاكلنا الخاصة، وعلاقة اللبنانيين بالوجود السوري. مسألة الاستحقاق ظَهَّرت الصورة. وكان على المجتمع اللبناني أن يتعدد بين قبول التمديد (أو التجديد) وبين عدم قبوله. بين رفض تعديل الدستور وعدم رفضه. كل هذا كان متوقعاً. وسبق أن عشنا حالات مشابهة، على صُعُد مختلفة.
وإذا كان من الطبيعي أن يكون اللبناني حرّاً في اختيار أحد الموقفين: التعديل أم عدمه، لأنها مسألة تخصه أولاً وتتصل بنظامه ومؤسساته وأنماطه وطرق تفكيره وعيشه وأحواله، فإنه من غير الطبيعي أن تخرج هذه المسألة عن مسارها الأصلي والخصوصي، ليصنع منها ذريعة لإدخالنا في دوّامة مجهولة عبر قرارات لمجلس الأمن أو مواقف أميركية أو أوروبية... كأنه فخ نُصب لنا، أو شاركنا في نصبه لأنفسنا. ذلك أن اتخاذ قضية الاستحقاق الرئاسي (وأنا شخصياً ضد التعديل والتمديد والتجديد) منحىً أميركياً أم غير أميركي، فلن يكون من شأنه أن يُعزّز دور اللبنانيين في اختياراتهم أو يصنع لهم مثل هذه الأدوار. صحيح أن "الناخب" اللبناني "ضعيف" في هذا الاستحقاق، لكن أن يعمد مجلس الأمن، والأميركان، وسواهم، إلى اتخاذ قرارات خارج الاعتبارات المحلية وما يسمى الاقليمية، يعني انتفاء دور اللبناني كلياً في هذه اللعبة. وإذا كان هذا الدور المحلي متضائلاً، فمع مثل هذه القرارات ينعدم برمته.
على هذا الأساس، (ومع الحرص على تعزيز إرادة المجتمع اللبناني باختياراته)، نجد أن ما صدر عن مجلس الأمن، لن يكون في تأثيراته علينا وعلى سوريا بالذات، مختلفاً عن تأثيرات الهجمة الأميركية وقوات التحالف على العراق.
وإذا كنّا، قد رفضنا تجاوز الأميركان للقرارات الدولية، وقرارات الشعب العراقي نفسه، والمجتمع الدولي، واستفرادهم بقرار غزو العراق، بحجة إنقاذه من الدكتاتورية، وبناء ديموقراطية جديدة في عراق جديد، فلأننا كنّا ندرك أن في ذلك نهاية للعراق، وهيمنة امبراطورية عليه، عبر عملاء "كبار"، و"صغار"، وعبر فرض منطق القوة، والطغيان لتخريب بلاد الرافدين.
كأن ما حصل في العراق يُراد له أن يتكرر في لبنان وسوريا، لكن هذه المرة، من باب "المجتمع الدولي". وكأن السيناريو بتدرجاته وتفاصيله قد رسم، وينتظر الحُجج (المختلفة) للتنفيذ، أي لمحاولة "عرقنة" البلدين. وعندها تصبح "اللبننة" أو "السورنة"، وضمن المطالبات التي كرّرت في الاستحقاق، مُتجاوَزَة، أو على الأقل مهدّدة. فاللبننة كما نفهمها أن يكون كل استحقاق، أو مسألة، أو مطلب، طالعاً من داخل المجتمع غير المنفصل طبعاً عن أفقه العربي، ويعني ذلك عدم المراهنة على أي عامل "دولي"، حلماً بتحقيق أرجحيات هنا أو غلبة هناك، أو تحرراً، حتى من الوجود السوري. والكل يعرف، أن ما صنع حرب لبنان، وطوّر مآسيها، ومَدَّدَ آجالها، هو لجوء كل فريق عندنا إلى الخارج لحل مسائله وحسم صراعاته. إنه درس يجب ألا يُنسى أياً تكن الاعتبارات والظروف. فالمجتمع المتماسك هو الذي يتعدد في اختلافه ضمن تطلعه إلى داخله، وليس شروده إلى أوهام الخارج. وكلنا يذكر أنه لم يبقَ أحد من هنا أو هناك أو هنالك (وصولاً إلى العدو الصهيوني) ولم "يبل" يده فينا، ولم يتدخل، ولم يحاول استدراجنا إلى مزيد من الانقسامات لتركيز حضوره وتحقيق أغراضه. اللعبة الاستعمارية كانت السيدة في أصول علاقات "الدول" و"الأطراف" الخارجية بقوى الداخل، وإن "بسحن" عربية وغير عربية. هذا ما وعاه اليوم كثير من اللبنانيين من الموالين ومن المعترضين. ويكاد يكون ثمة طغيان خصوصاً لدى المحتجين على "تكسير" الدستور، و"تطليع" التمديد، بأن معركتهم عناصرها الأولى والأخيرة من المجتمع اللبناني. ولهذا كانت الكلمة الملفوظة في شأن الاستحقاق الدستوري من مشتقات هذا المجتمع على تنوّع مشاربه ومآلاته وأحواله. لهذا ربما، لم يرتح "المعارضون" للتدخل "الدولي" الرسمي في هذا الشأن، وفي قضية استمرار الوجود السوري على الأرض اللبنانية. بل أكثر: كان شعار معظم المعترضين على "تحطيم" الدستور بعملية قيصرية "فوضوية" ذات خفة هو "اللبننة". وكفاهم ذلك. لأن "التمدد" (كالتمديد) خارج مفهوم اللبننة، سيكون في النهاية "استفراداً" لهم، وذريعة لوضعهم وراء قضبان "التعامل" مع الخارج (أي خارج وهو كثير)، وسبباً لاستفراسهم في زمن أمني (مؤمنن) مستمر ومستنفر مستنهض بدت لوائحه وملامحه وبوادره حتى أثناء محاولة وضع الأصوات النيابية، بزخم "ديموقراطي" عربي عريق، في خانة واحدة موحدة أحادية بإذنه تعالى. فوصفة "التخوين" (هذه الثقافة الناجزة) جاهزة. وهي وصفة اعتمدها بوش: مَنْ ليس معنا فهو ضدنا. ومَنْ ليس صديقنا فهو عدونا. وهكذا كان. وجاءت ألسُن معروفة، ومسلولة من براغي الأجهزة والمخابرات، ومسنونة بمشاحذ "العسكرة" (المقبلة بكل ابتساماتها وَوَجَناتها) لتصنف الناس. مَنْ هو مع التعديل فآمن ووطني وبطل وصنديد وغضنفر ومقاتل ومصارع ومناضل يُبتكر له تاريخ أو تُختلق له مآثر. والمعترض: هو مع 17 أيار ومتخاذل وعميل، وضد لبنان، ومتواطئ حتى مع العدو وأميركا وربما بلاد الواق الواق. وكثيرون يعرفون أن بعض رموز "التمديد" كانوا رموزاً في 17 أيار ورموز استقبال، الصهاينة لدى غزوهم لبنان، ورموز "القوى" التي كان "الوطنيون" و"القوميون" يسمونها "انعزالية"... فمن مصلحة جزء كبير من "الملبننين" (أو الذين اقتنعوا بوجود "لبننة") أن تُحصر مسألة محاولة "تقطيع" الدستور داخل هذا المجتمع. وأن أي تغيير فاعل لا بد أن يطلع من نسيج هذا المجتمع المدني المُهدد باستمرار، والمرصود باستمرار والمستهدف باستمرار. هو الذي يطوّر آلياته الديموقراطية. وقوانينه. ودساتيره. وهو الذي ينتخب أو لا ينتخب. يختار أو لا يختار. وإذا كان من مكسب حققه هذا المجتمع، فيتمثل في محاولة بعض قيادييه والمنخرطين في تطلعاته من مثقفين ونقابيين وديموقراطيين، وضع حدود واضحة، وعتبات عالية، تحول دون استغلال أهداف من قبل الأطراف الخارجية لا سيما أميركا والعدو الصهيوني... حتى العلاقة مع سوريا، على أنماطها وأوتارها وأوطارها، أرادها الجميع أن تبقى من ضمن الحوار القائم بين الشعب الواحد ذي الدولتين، أو بين الدولتين على الشعب الواحد. ولهذا بدا الترويج (كأسلوب ترويع) لمقولة أن ليس معنا فهو "خوارجي" مضرة بمطلقيها، لا لأنها تضع حلفاء قريبين و"عضويين" لسوريا في خانة التشكيك، بل لأنها تضع المجتمع برمته في هذه الخانة؛ ولا لأنها تسهم في حفر فجوات بين "الشعب الواحد" والدولتين، بل لأنها تضع المجتمعين المتمثلين بما يمثلانها على طرفي نقيض. وهذا ليس صحيحاً. فهل هذا ما يريده "المقندلون" على اختلاف "بطارياتهم" و"فيشاتهم"؟
نعم! نحن اليوم في مرحلة دقيقة وخطرة، وعلى منعطف:
أولاً: التخوّف من استكمال "النظام المؤمنن" المعسكر عدته لاستيعاب حيويات المجتمع المدني بتطلعاته نحو الحرية والديموقراطية.
ثانياً: التخوّف من يأس بعض الشرائح اللبنانية ليدفعها يأسها إلى ممارسات "انتحارية" عبر التطلع إلى أطراف خارجية غير عربية لمساعدتها.
ثالثاً: محاولة إخراج القوات السورية من لبنان بالضغوط الأميركية مشرعنة بقرار مجلس الأمن، مما قد يؤدي إلى تداعيات وردود لا تصب في النهاية سوى في مصلحة أعداء البلدين.
رابعاً: أن يعتبر بعضهم (من مخلفات العسكرة والأجهزة) ان التمديد للرئيس لحود ثلاث سنوات هو انتصار. وعندها سيكون موجهاً ضد المجتمع. وعندها أيضاً، لن تسلم الحياة السياسية والنقابية والاجتماعية من ظواهر اعتراضية قد تتجاوز الحدود المرسومة لها. ذلك أن مَنْ انتصر في هذه المسائل هو المجتمع الذي استمر في التعبير عن نفسه بالوسائل الديموقراطية، والذي أكسبه ذلك مناعة وتماسكاً وافقاً للتحرّك على مختلف المستويات. ونظن أن وعي انتصار "المجتمع" في العمق (ولو بدت خسارته ظاهرية)، هو دعوة لتطوير هذا المجتمع أدواته وآلياته، بحيث تتخطى العوائق التي يزرعها رموز بعض الجمهورية المنفصلين عنه، وعن الناس. وعندها يتم تحصين لبنان من تداعيات أي مؤامرة أو تدخل لضرب كيانيته، من قبل القوى المعادية لا سيما اسرائيل.
خامساً: انتصار المجتمع المدني في هذه المعركة لا بد من أن يكون انتكاسة لمن يريدون أن يعسكروه، ويسوقوه إلى زرائب الصوت الواحد، والخوذة الواحدة، والأمر اليومي الواحد. بل نظنه انتصاراً لعلاقة صحية بين لبنان وسوريا، قائمة (أو نحلم بأن تكون) على محاورة بين المتطلبات السورية المرحلية والضرورية، وبين آليات القوى الحيّة، لتنتفي أشكال الفوقية بين العلاقتين، بعيداً عن منطق التسلط والفرض والهيمنة وأيضاً بعيداً عن "منطق" الغرائز والعنف واللاعقلانية والمغامرة. هذه النوعية من العلاقات لا تصنعها الأجهزة، لأنها تبقى عندها محصورة في الأجهزة. إنما تصنعها الروابط الحيوية الشعبية والمجتمعية بين مختلف الأفرقاء. بهذا المنطق نظن أن الرابح الأكبر في هذه المعمعة هو المجتمع، والخاسر الأكبر (ولو رابحاً) مَنْ يمثل سياسة منفصلة عن واقع الناس وأحلامهم.
سادساً: وقوف معظم المعترضين (على التعديل والتمديد) ضد قرار مجلس الأمن وتدويل المسألة وشجبهم للتهديدات الشارونية لسوريا، ورفضهم الانسياق في مخططات ومغامرات خارجية، كلها دلائل تشير إلى أن المعركة ليست ضد سوريا، وليس مع إخراجها من لبنان بقوى خارجية، وثانياً، رصد إرادة لتصحيح هذه العلاقة المشتركة، على الأسس التي يعتمد عليها المجتمع المدني: الحرية + الديموقراطية + الاستقلال، وهي المكوّنات الأولى لكل نزعة عقلانية، واعية، ومتقدّمة، وتطويرية.
وأخيراً، لا يمكن إلا التنويه بانتصار آخر في هذه المعركة المتعددة الوجوه، متمثلاً بخيبة آمال، مَنْ كانوا يريدون لهذه المعركة أن تتخذ بعداً طائفياً أو مذهبياً. بل هي من المرات القليلة التي فشلت الجهات "المُطَيْفَنة" أو "المُذَهْبَنة" في استغلال "الطاقات" الطائفية لضرب المجتمع في سيرورته نحو مدنيته ونحو عقلانيته، ونحو وطنيته. بل هي من المرات القليلة، على امتداد السنوات الثلاثين الأخيرة، التي تختلط فيها الأوراق والمناطق والمذاهب والأفكار... في وحدة حقيقية (على تنوّعها) في معالجة الأمور السياسية والاجتماعية... والقومية.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.