8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في الضفة الأخرى

بعد كل معركة كان يخوضها المجتمع في لبنان، منذ أكثر من نصف قرن، كان يخرج، مثخناً، لكن في الوقت ذاته أقوى وأمضى وأكثر تبلوراً لدوره ومكوناته وقواه الحية. كأنما كان دائماً في حالة كرّ وفر، اقتحام وتراجع، مغامرة وتحفظ، إزاء ما يواجهه من حروب طائفية، أو محاولات استيعاب، أو انتهاك لمؤسساته وحيوياته وبناه. مجتمع، كان يتعرّض، باستمرار، لأمراض وأوبئة، يفرز بعضها إفرازاً غير طبيعي، وتُصَنّع له، بحسب متطلبات الأزمات، ومصالح القوى الخارجية وأصدائها الداخلية. مجتمع كلما احتك بالأزمات تعزز صموده. وبعد كل امتحان صعب، كان لا بد أن يستعد لامتحان أصعب، من باب محاولات تفكيكه أو مصادرته أو إهانته أو صفعه أو قتل روحه. لكنه بدا "بسبع أرواح". ولعل هذا ما يميّزه عن العديد من المجتمعات العربية التي استسلمت لآليات الأنظمة وآلاتها الجهنمية، القامعة، الغاصبة، الساحقة، الماحقة، حتى ليبدو لنا معظم هذه المجتمعات اليوم، شِلْواً، أو أجساداً استُلَّتْ منها الروح، واستُخمدت أنفاسها. ولعل هذا ما كان يحيِّر أرباب الاختصاص في قتل المجتمعات، ووأد الشعوب. كيف يمكن عدم الاكتفاء بإخضاع هذا المجتمع، الضعيف في ظاهره، الهش في بوادره، وإنما أيضاً طمس ما يجعله دوماً ينبعث من رماده، ويقوم من حطامه. إنه السر اللبناني بامتياز الذي استعصى على "قَتَلة الروح" فك ألغازه ورموزه. وكان السؤال الدائم: لماذا نجح معظم النظام العربي في إعطاب مجتمعاته، ودمغها دمغ القطعان، واستسلابها واستمصاصها، واسترقاقها، وفشل في محاولاته، على امتداد نصف قرن، بكل طغيانياته وخبثه وعملائه وأبواقه وأجهزته ومخابراته وجيوشه؛ حتى اسرائيل بجبروتها، وبوصفها حالة عنصرية ـ دينية متطرفة في المنطقة، لم تنجح في ما صَبَتْ إليه لنقل عدوى مكوناتها إلى هذا المجتمع، أو على الأقل لفرض أنواع التمزّق في جسده، حتى في غزوها لبيروت، واحتلالها الجنوب وقسماً من البقاع الغربي. ذهبت اسرائيل وبقي المجتمع اللبناني أصمد وأعتى. كل الحروب التي عرفناها، والتي سميت زوراً "أهلية" من 1958 إلى 1975 وما بعد، ضلت أهدافها على الرغم من كل المحاولات التي تمت عبرها لتقسيم هذا المجتمع وتهشيمه وتهميشه في معارك طائفية ومذهبية. (والطائفية صناعة لا تختلف كثيراً عن صناعة الأحذية).
ورب قائل: هذا المجتمع الذي تتحدث عنه ليس سوى فسيفساء طائفية هشة قابلة للانكسار أمام أي هزة. بل ان بذرة موتها موجودة فيها. فمن التركيبة الطائفية لا يطلع سوى تركيبة طائفية.
هذا القول قد يكون صحيحاً من حيث الشكل. لكن كما سادت منذ أكثر من ثلاثة عقود "قوى أمر واقع" من ميليشيات وقوى مستنبشة من الظروف، فإن هناك أيضاً "أفكار أمر واقع" وكذلك "مشاعر أمر واقع"، و"غرائز أمر واقع"، وهي ظواهر ترافق عادة بروز الأزمات الكبيرة، عند كل الشعوب وفي كل التواريخ. بل نكاد نقول أكثر: إن الظروف الاستثنائية هي التي تطلع "أفكاراً" استثنائية. تماماً كما يعلن بعض الأنظمة "حالات الطوارئ" ويخضع لها الناس، كأمر واقع "استثنائي".
فالحالة الطائفية في لبنان أشبه بنظام الطوارئ العربي، مفروضة من فوق، ومن مختلف القوى التي وفدت إلينا للاستغلال أو الهيمنة، في موازاة قوى داخلية أخرى سعت دائماً إلى ركوب أي قوة خارجية لركوب السلطة. هذا مفهوم! بل ونقول ان محاولات تكريس الظواهر الطائفية كعنصر من عناصر السلطة، لم يبدأ في لبنان، كان أولاً اكتشافاً "استعمارياً" ضمن سياسة "فَرِّق تَسُد"، ورثته الأنظمة الاستقلالية العربية وثبَّتَته في أجندة انقلاباتها و"ثوراتها" وكراسيها، لتكون الخلفية التي تحكم بها أو الذريعة التي تبرر هيمنتها. وهذا يعني أن معظم أنظمة الاستقلال العربية محافظة وغير محافظة، هي أنظمة طائفية أو مذهبية مموهة بأفكار وشعارات وايديولوجيات تغييرية أو قومية أو حتى دينية... ولا نستبعد عن هذه الأنظمة سعيها إلى الدخول إلى لبنان كطرف، أو كقوة، من خلال العنصر الطائفي المدرج أصلاً في صلب أفكارها ودساتيرها وممارساتها ولو بدا في الأمر أحياناً ما يستدعي الازدواجية المَرَضية. كأن يقول بعض الأنظمة، أو حتى كثير من المثقفين العرب، أن لبنان طائفي، وأن عنده "الدواء" الشافي والناجع. لكن كل الأدوية العربية التي "استوردها" لبنان، أو وُصفت له كانت من نوع الفيتامينات المغذية للطائفية. وهذا يعني أن الطائفية في لبنان ظاهرة عربية بعد أن كانت "ظاهرة استعمارية" (زرعها الفرنسيون والانكليز والروس والنمسويون والعثمانيون). لكنها ظاهرة وجدت "استجابة" لدى الشعب اللبناني. هذا ما يقوله بعض قامات الأنظمة العربية، ويضيف أنه لو لم يكن في لبنان طوائف وحالات طائفية لما وجدت الطائفية وطغت على كل شيء سواها. هذا صحيح، ولكن تثبيت الطائفية في السلطة العليا، أو في أدوات الحكم، أو حتى في التنظيمات، لم يكن تلقائياً. كان من ضمن الاستراتيجية الذاتية التي وضعتها بعض الأنظمة العربية للتسلط، كما كانت أيضاً من ضمن الاستراتيجية "التاريخية" التي أدرجتها هذه الأنظمة لاختراق لبنان باسمها "كأمر واقع". ولهذا يمكن اعتبار أن معظم الأنظمة العربية التي تحكم بلدانها بالطائفية هي أنظمة أمر واقع. تماماً كما كانت الميلشيات عندنا. (فهي أنظمة ممليشة في العمق مدسترة على السطح). وهل هذا يعني أن الشعوب العربية شعوب تشبه أنظمتها؟ وهذه هي المشكلة الأساسية الكامنة في أن هذه البنى المسيطرة بقوة الجيوش والميلشيات المشرعنة في عالمنا العربي، تحاول بدأب أن تجعل الشعوب على صورتها، بدلاً من أن تكون على صورة شعوبها، بتعددياتها وتنوّعاتها وطاقاتها المهيأة للتغيير. وهذا معنى من معاني الاستبداد. وهذا ما يفسّر أن هذه الأنظمة رافعة شعارات القومية والعروبة والاشتراكية (وحرية الشعوب في اختيار مصيرها وحكمها) صَفَّت، أول ما صَفَّت، كل الأحزاب والتنظيمات والحركات اليسارية والقومية. بل صَفَّت الأحزاب التي وصلت إلى السلطة باسمها وبأفكارها، لتترك المجتمعات مستسلمة لعدمية فارغة، تعبئها القوة الغاشمة والقمع، عائمة على بركان من الطائفية. فكما صنع الاستعمار الطائفية ليفكك المجتمعات ويضعفها، فإن هذه الأنظمة (أنظمة الأمر الواقع) فعلت الشيء نفسه. ولهذا يسهل القول ان هذه الأنظمة هي في العمق أنظمة "استعمارية تمارس ما مارسه الاستعمار على شعوبها لإخضاعه وتطويعه. فطائفية الأنظمة (الاستعمارية) هي لإخضاع الشعوب وتعريتها وادعاء تمثيلها، بحيث يكون "الدين" أو الطائفية أو المذهبية الولاء الأعمق لكن أيضاً الملاذ الأخير. وقد استخدمت هذه الأنظمة "العسكرة" و"الأمننة" لا لحماية إنجازات الدولة وأشكال نموها والحريات، وإنما لحماية هيمنتها الطائفية، حتى بدا، مع أنظمة الشؤم هذه، وكأن الشعب العربي خالٍ من كل شيء سوى من الطائفية. حتى الأفكار العلمانية والدينية والسياسية والقومية والوطنية، تحوّلت مع "أنظمة الطوارئ من جذور للتغيير إلى قشور أو مزينات، تموّه بها جلودها ووجوهها. والأخطر من كل ذلك جعل الناس في معظم الأقطار العربية يقبلون ظاهراً بهذه القشور التي تخلط (لكي تعزز خداعها) بقشور "ديموقراطية" أخرى كالمبايعة، واستفتاءات الإجماع، والـ99 بالمئة، وكأن هذه الأنظمة تريد أن تغطي فئويتها بإجماع غير فئوي أي وطني. أو لتموه "طابعها الاقلاوي" بطابع أكثري مزور. أي صنع "قدرية" جديدة يقبلها الناس مكرهين طبعاً بلا مناقشة أو شك أو ريبة. والنتائج العميمة كانت كارثية: إعدام كل صوت ينادي بالديموقراطية. قمع الأديان كطاقات انسانية تدعو إلى المساواة والعدالة، وقطرها بمفاهيم سلطوية مذهبية (صارت عائلية). استنبات حالات يائسة متمثلة بالأصولية من كل نوع. وهذه الأخيرة، كالطائفية من صنع الأنظمة أو نتيجة من نتائج استئثارها بالسلطة، وفردانيتها، وكسر كل محاولة تقارب أو حوار بين شرائح المجتمع الذي بات، وبقدر انضباطه الشكلي، سائباً لكل أفكار أو غرائز متشددة أو أصولية. ولو عرفنا أن معظم الأنظمة العربية فرض صورة للمجتمعات تشبهه، فمن الطبيعي أن "تنتج" أصوليته الاستبدادية، أشكالاً من الأصوليات المتعددة السحن والتعبير والمرجعيات. نظام أصولي معارضة أصولية، استئثار أصولي. أو على الأقل، متشدد، أو غيبي أو فئوي. أوليس هذا ما حصل في العراق. وما نشهده اليوم، بعد زوال نظام صدام الذي قام على تلك المعادلة المذكورة، دليل على ذلك: حروب مذهبية، طائفية، اثنية، أصولية، تطرّف، لا علاقنية، جنون، قتل. إنها صورة النظام السابق تتشظى بعده في "نقيضه" أو في مخلفاته. ولا نبالغ إذا قلنا ان ما حصل في العراق بعد صدام، لن يختلف كثيراً، عما سيكون في الأنظمة الصدامية الأخرى، وأشكال التفكك الاجتماعي التي تفجرت في العراق (وكانت أصلاً مفككة وملصقة بالقمع والسلاح والقتل) لن تكون غريبة عن الأنظمة المماثلة. إذاً، هنا، غاب المجتمع من جديد عبر تشرذمه، بعدما كان غائباً في السابق عبر وحدته المفروضة، تحت هيمنة فئوية.
لبنان تعرّض لمثل هذه الحالات، لكن بطريقة معكوسة: فبينما كان يتأسس فيه مجتمع مدني غني بالأفكار، والصراعات الفكرية والايديولوجية بما فيها المذهبية، وبينما كان المجتمع المدني يصنع أدواته ويعززها، تحت ظل دستور ملتبس، ونظام مفتوح (ولو طائفياً) حدث انقلاب عربي ـ اسرائيلي ـ أميركي عليه. فهذا الاستثناء يجب أن يعدم. هذه الفضيحة "الجميلة" يجب أن تصبح فضيحة قذرة. وهذا غير مسار التطوّر نحو المزيد من الديموقراطية، بحرب تشبه الأنظمة العربية (والكيان الاسرائيلي)، لينخرط في هذه اللعبة الكارثية كثير من القوى الديموقراطية وحتى الليبرالية لأهداف "سلطوية"، أو ارتباطات ظاهرها ايديولوجي قومي وباطنها ركوب موجة أزمة الشرق الأوسط لتغيير النظام أو لاستبقائه، بمنطق "الانقلاب" العربي... الطائفي. لكن المجتمع المشرذم، الوهن، المبتور، خرج أيضاً من هذه الحرب العربية ـ الاسرائيلية عليه بكثير من العِبَر، والدروس. إنها تجربة "انقلابية" كبيرة أعيد إليها معظم "الانقلابيين" خرج منها أقل ديموقراطية، وأقل علمانية، وأقل التزاماً بالاستقلال، وأقل ارتباطاً بالدولة. مع هذا، لم تعدم آليات المجتمع، بمعنى، أن النظام القديم ـ الجديد الذي رُكب بذهنية عربية (إنقلابية ـ طائفية) حاول، وبدعم من النظام العربي الشمولي استفراد المجتمع، وتدمير ما تبقى من هوامشه، وروحه اليقظة، عبر تكريس الطائفية، وعبر منع أي تقارب تلقائي بين الطوائف من جهة، وبين القوى التاريخية والهامشية من جهة، فلتبقَ الحالة الطائفية سائدة عبر تحويل الطوائف إلى جزر مقطوعة عن بعضها، وعبر الحؤول دون أي حوار بين هذه البنى الطائفية ـ والمذهبية، وبين أي قوة ديموقراطية حية ومستقلة. فمحاربة الطائفية خط أحمر. ولقاء أهل الطوائف خط أحمر. ونشوء حالات ديموقراطية علمانية عقلانية خط أحمر كذلك. وعلى كل طائفة أن تعمل وحدها برموزها "المختارة"، وعلى كل قوة أن تحاور نفسها. وهكذا يبقى "النظام" الموضوع والمصنوع، هو القوة المهيمنة، ويسهل عليه تطويع هذا المجتمع، (هذا ما فعله المستعمر) بغطاء عربي مشرعن، على أن تمرد المجتمع على هذا "النظام" ولو عبر هوامشه المستقلة، ومتونه الطائفية، أخاف هذا النظام، فما كان منه إلا أن يحذو حذو الأنظمة الاستبدادية بمحاولة عسكرته وأمننته وإفلات الأجهزة والمخابرات على أدوات هذا المجتمع، لترويعه وإسكاته واستيعاب القضاء كجزء من حالة الطوارئ غير المعلنة وتسييسه، وجعله كسيف مصلت فوق رؤوس المعترضين... أي القضاء على كل ما ينبض حياً، وحراً. وكان الرد في الانتخابات النيابية السابقة التي أجهزت على المشروع الأمني المعسكر الذي كان "أهلوه" وواضعوه يحاولون "تطبيقه" عبثاً على حيويات المجتمع المدني. وعلى هذا الأساس خرج هذا المجتمع أكثر دينامية من تجربة النيو ـ استبدادية، بحيث بدا، وكأنه المجتمع العربي الوحيد الذي هزم النظام، برغم تمزقاته ومعاناته وأزماته، وكدنا نخشى أن يؤدي القمع والتسلط إلى إضعاف القوى الحية عندنا، إلا أن السجالات والمواقف والمواقع التي برزت، من خلال معركة الاستحقاق، أبدت تنامي الطاقات والقدرات وتطوّر الأشكال والأفكار وتوسع الهوامش. وبصرف النظر عن النتائج السياسية المباشرة فإن كل ما سيسفر عنه هذا الصراع لاحقاً، لن يكون سوى تعبير عن تنامي القوى الديموقراطية، والهوامش المستقلة، والتي تنتظرها، بكل تأكيد، أيام صعبة، في نظام كلما انفصل عن مجتمعه، ازدادت قسوته ووحشيته عليه، وكلما تماهى بنماذج "النظام العربي" المشؤومة والبائدة والمنحطة ازداد غربة عن الناس... والحرية والديموقراطية والشفافية.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00