وللعراقيين أيضاً استحقاقهم، الذي "تمثل" في انتخابات أحادية الجانب انتخبت لائحة واحدة نفسَها، وفازت فوزاً ديموقراطياً مُبيناً في المؤتمر الوطني تحت إشراف ديموقراطي مُبين كُلِّفته الوزارة، من دون أن يبرز أدنى شك بـ"عرقنة" الانتخابات (على غرار "لبننننة") التمثيلية. ولأن الأداء الانتخابي، كان مونودرامياً، على مساحة مونولوغ طويل من الخطب الرنانة، والتداعيات اللفظية، فإن العمليات التي جرت، وفي موازاة المجازر التي كان يرتكبها الارهابيون الأميركيون في النجف، أدت إلى تزكية اللائحة "المئوية" التي "زكّتها" أصلاً حكومة علاوي "المزكَّاة" أصلاً من الاحتلال الأميركي.
وكأن هذا الاحتلال الطاغي "زكَّى" نفسه. وحكومته البلدية زكَّتْ نفسها. والأنفار المنتخبين "زُكّوا" فَزَكّوا أنفسهم، لكن بطريقة لا يرقى إلى ديموقراطيتها شك، بل وبطريقة تفتح أفق العراق الجديد، الذي اختلف فيه المزكّون: من قائد دكتاتور "يزكي" المجالس إلى احتلال استبدادي يزكي البرلمان. وعلى كل مخلص لهذا "النظام الجديد" أن يهتف مردداً بملء حناجره ورئتيه وأوصاله بـ"عرقنة" الاستحقاق التمثيلي، باعتبار أن رئيس الحكومة ووزراءه وأنفاراً آخرين أعلنوا منذ مدة "زوال الاحتلال الأميركي" بتسلمهم السلطة. وأَدْمَغُ دليل على مصداقيتهم ما تقوم به حالياً قوات الاحتلال من قصف وتدمير وقتل وتخريب في النجف.
صَدِّق أو لا تُصَدِّق. فعليك أن تُصَدِّق أن ما عزز هذه الانتخابات "المُعَرْقَنة" إزاحة كل مَنْ عارض أو يعارض الاحتلال. أو كل مَنْ يعارض فرض هيمنته على الارادة الشعبية، وفضح أهدافه في نهب خيرات البلاد، والهيمنة على مقدراته. إذاً عليك أن توافق على أن الاحتلال لا يحتلُّ. وأنه يمثل "المستقبل" ويجسد قيم الحرية، وأن الله عز وجل أرسله من لدنه إلى بلاد الرافدين لينقذها من براثن الاستبداد والجوع والفقر والتخلف...
إنها التزكية الزكية الفوح، والبوح، والعبق، والأصيلة المؤصلة، والعراقية المُعَرْقَنة، لا تشذ في أصولها، وفروعها، عن أشكال التزكيات التي باتت، في بلادنا العربية، جزءاً من ثقافتنا الوطنية والقومية وحتى الدينية والطائفية والعشيرية والنقابية والسياسية... فكأن الأميركيين، وأتباعهم، لم يفعلوا أكثر مما هو مُكَرَّس عندنا، بتطبيق هذه الارادات "القدرية" عبر تعطيل كل صراع، أو تنوّع أو تنافس. فالفكرة الأحادية تزكي نفسها. والسلطة الأحادية تزكي نفسها، والحزب الواحد يُزكّي نفسه. والهيمنة الخارجية تزكي نفسها، لكن عبر "ديموقراطية" يلعب أدوارها "المحليون"، و"البيادق"، والظلال المشدودة بخيوط وأوتاد وبأوهام تُبتكر لهم أو يَبتكرونها لأنفسهم، وبذرائع تُختلق لهم أو يَختلقونها، وهم يعرفون سلفاً، سواء من باب التواطؤ أو القبول أو الخنوع، بأن اللعبة في مكان آخر، وأن "البطل" حفظ سلفاً شخصيته "المزكاة"، ودوره المزكّى... وحواره المزكّى، دون سائر "الأبطال" "المهمَّشين". فلا عجب إذاً، في هذه "اللاتبادلية"، و"اللاتعادلية" و"اللاتوازنية"، أن يقبل مَنْ يشاء لعب "أدوار" الكومبارس في عملية "الاختيار" الوهمية. وليغذّ نفسه، ولو للحظات، وعلى مسرح فارغ أو مليء بالأشباح، والديكورات المموّهة، بهذه "الشخصية" المرتجلة، المرشحة للحذف في نص ارتجالي مفتوح. وليقف مَنْ يقف وقفة الخارج على إرادة المخرج، أو النص، ولو في مشاهد بلا إضاءة، ولا حركة، ولا حتى كلام. ففي وقفته من العبث، واللامعقول، ما يفضي إلى تراجيديا مفتعلة، مركبة بحسب الأصول الكوميدية حتى الهزل. ففي النهاية (ربما من ملامح البداية) سيُدفع "البطل المختار" إلى الخشبة، وحده، وسط شخصيات لم يتبقَ منها سوى ملابسها وأزيائها وحضورها المتداعي. فالبطل المختار هو بطل جُعل اختياره قدرياً. وكل دور في نص جاهز هو دور قدري. وكل ثقافة تكرّس هذا الجاهز هي ثقافة قدرية... تنتمي في ملامحها وتركيبتها إلى ثقافة التزكية، أي خلطة من القبول والتواطؤ والارتهان لمشيئة جماعية أو سلطوية تريد في ما تريد جعل "القدرية" تتمثل في الثبات والاستقرار واللاصراع، واللامواجهة، واللامقاومة، واللاتغيير واللااختيار.
أوليس هذا ما حدث في العراق؟ لكن هذا ما يحدث أيضاً منذ قرابة نصف قرن في العالم العربي، وقبل ذلك أيضاً في زمن ما قبل الاستقلال (أي الاستعمار) فكل الرؤساء عندنا ينتخبون أنفسهم. أي يزكّون أنفسهم، كل الحكومات وحتى مجالس الشعب والبرلمانات، تختار نفسها، بعدما يتم اختيارها من النظام. فهذا الأخير عبر تزكية نفسه، لا يُعيد انتاج نفسه فقط، بآلياته وأدواته وهيكلياته، وإنما يبذر لقاحه حوله، وأبعدَ منه، في نوع من تعميم التجربة، خارج المنظومات والبنى المحرّكة للمجتمعات، بحيث يحوِّل كل شيء إلى قرينه، أو شبيهه، أو من متاعه وملكياته. فأنت تزكّي فكرة تشبهك. وأنت تزكي شخصاً يشبهك. وأنت تزكي قضية تشبهك. إذاً مسألة الشبيه (أو القرين أو التابع) ترافق كل تزكية. ترافق إلغاء كل مختلف يمكن أن يُهدد الأحادية، أو يُوجِد نوعاً من التنويع والصراع أو التنافس حول طبيعتها ومضمونها. ودورها، خصوصاً عندما تكون هذه "التزكية" تمويهاً للتسلط... أو مجازاً للسيطرة، أو تغطية للمصالح.
ما تمَّ في العراق (عبر "العرقنة" الجديدة) ليس أكثر من تقديم الاستبدادية المستحدثة على شكل ديموقراطية مزيّفة، بحيث بدت "التزكية" (انسحاب اللائحة المنافسة) وكأنها شكل من أشكال التعيين. أي شكل من أشكال الاستئثار. أي تجسيد موارب لإرادة الاحتلال العليا. والعنوان العريض لهذه التزكية "العرقنة"، وتأصيل الممارسات الذاتية، وتأسيس مقوّمات أخرى للفعل الحر، وللارادة المتحرّكة. إنها "تزكية" هدفها الأول تضليلي، ولكن أيضاً تبريري، يشرعن شرعنة فاضحة امكان التوأمة بين الاحتلال (أي احتلال) والديموقراطية، بين الهيمنة الأجنبية وبين المصلحة الوطنية، ليبدو كل حضور "غريب" مسلح بالقوة والبطش شرطاً من شروط تحقيق الذات. والمنطق القائل بأنه لولا امبراطورية اليانكي لما قامت لا "انتخابات" ولا حكومة ولا سلطة (وطنية) ولا حتى إدارية، يخفي فكرة أن العراقيين عاجزون وحدهم عن تحقيق أي نظام جديد يحمل بوارق ديموقراطية أو ملامح سلطة مستقلة. فتزكية الاحتلال المفروضة للبرلمان الجديد، تعبير عن هذا المنطق، الذي ينزع عن الناس، والجماعات كل احتمال بإدارة شؤونهم بأنفسهم، أو باختيارهم ما يريدون أن يختاروا. تزكية تعادل قدرية. وهذه القدرية، لا بد أن تكتمل، عندما يقتنع المتعاملون مع الاحتلال وغير المتعاملين معه بضرورة الخضوع لهذه القدرية "المكتسبة". والواضح، أننا لو حاولنا، استكشاف واقع الأنظمة العربية، نجد أن هذه القدرية المكتسبة، المتمثلة بالارادة الخارجية، صارت جزءاً من ثقافتها، ومن مصيرها وصيرورتها. ولهذا باتت فكرة الاستقلال عندها مبتسرة أو "لزوم ما لا يلزم". ولهذا ربما تريد أن تنقل هذه العدوى إلى شعوبها، بحيث تكمل الايمان القدري الميتافيزيقي (أو الايديولوجي: حتمية التاريخ) بالايمان القدري الاحتلالي لتكمل الدائرة بإيمان آخر هو قدرتها على شعوبها، وعلى شعوب أخرى. قدريات تتراكب في مراتب متفاوتة، تقوم كلها على فكرة التزكية... (أو التعيين) أو إعدام كل ما من شأنه أن يُفسد أو يقاوم هذا "التوحيد" الارادي (أو غير الارادي) في مستويات السلطة والمشيئة الخارجية والناس، أو على مستويات النظام في علاقته بأهله وبالرعية؛ إذ كيف تفسّر مثلاً هذه الظواهر اللازبة المتمثلة بمبايعة الشعوب العربية لقادتها في استفتاءات (أو انتخابات) تصل إلى حدود 99 بالمئة (وصلت مع صدام إلى 100 بالمئة بفارق واحد بالمئة فقط عن زملائه وأشباهه)؟ بل كيف نفسر اختزال عبارات "اختيار" أو "تصويت" أو انتخاب بـ"مبايعة"؟ شيء رهيب أن تأخذ "التزكية" (المفروضة) مواصفات دينية وتقديسية في قوالب مدنية وسياسية وحتى فكرية.
وما نلحظه على صعيد القادة "الكبار" والتاريخيين نلحظه أيضاً على صعيد المؤسسات المنبثقة أو المتأثرة بهذه الأنظمة: فالمجالس الشعبية عندنا تفوز عملياً بالتزكية. والنقابات تفوز بالتزكية. والأحزاب تفوز بالتزكية... وحتى الهيئات البلدية والعشائرية والقبلية والطائفية تفوز بالتزكية. كل شيء اكتسب "التزكية" كثقافة قدرية، مما أدى إلى طغيان فكرة الواحدية حتى على المجتمع المدني، الذي يفترض أنه يقوم على التعدد والتنافس والصراع الفكري والنقابي والسياسي لا على منطق المبايعة.
وعندنا، في لبنان، في "وطن النجوم أنا هنا"، لا يشذ الأمر ربما إلا في التفاصيل. فالمبايعة، تاريخياً، وحتى قبل الاستقلال، وبعده، تأتي من الخارج. من المندوبين السامين. (وهم عادة غير سامين بل تحت حضيض الفساد). والمبايعة تقفز، لعلوها وارتفاعها وتحليقها، فوق إرادة الناس، ومن دون علمهم، وعلى طريقة غوبلزية برع فيها مَنْ وفد إلى عندنا... ورحل أو لم يرحل. وليست "المبايعة"، بمعناها السياسي (والانتدابي) سوى اتباع "التزكية" القافزة الطائرة فوق فكرة الديموقراطية، لتحط على بطل أو أبطال أو أقلية مختارة، من خلال مواصفات لا علاقة له بها، لا الفرد ولا الجماعات، لا الموتى ولا الأحياء، لا الرافضون ولا القابلون. ومن هذه التزكية بالذات يستخلص "اكسير" الاجماع الهابط من عملية جماعية خصبة جاهزة... تبذر مواليدها في الوقت المحدد، وفي الموسم المحدد. بل تبدو مواليدها وكأنها من مواليدنا... ومن صلبنا ومن تعشيقنا. أو لا تحبل "القدريات" على أنواعها وفصائلها الشتى بالمفاجآت! لكنها مفاجآت تختبئ، كالأرقام الرابحة في اللوتو أو في اليانصيب حتى اللحظة الأخيرة: تزكية اللحظة الأخيرة. قدرية اللحظة الأخيرة. الرقم الرابح في السحب الأخير... وها هو الانتصار المدوي. فرحة الانتصار عميمة عند المنتصرين وعند الذين "صنعوا" النصر. وعندها عليك أن تهلل لهذا الاستحقاق أو ذاك، لتلك التزكية "الزكية" الفائحة بالارادات الوطنية، والجماهير الشعبية، والمخلصين للقضايا (العظمى)، وللوطن (الحبيب)، وللبنان "الملبنن" حتى آخر منقوشة زعتر، أو سندويش لبنة "ملبنن" و"مُعَلبن" وموضب للاستهلاك، أسرع وأخف من تساقط قيم قام عليها وطن بكامله.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.