ما يجري في العراق اليوم، لم يعُد يشكل صدمة لدى الناس. ولم يعد من المفارقات. ولا من الظواهر المستحدثة أو المستجدة أو المفاجئة. بل كأنّ ما يرتكبه الأميركيون من مجازر وانتهاكات بات جزءاً من "قناعاتنا" بأنفسنا، وبواقع أحوالنا، وكذلك بحقيقة رُسُل الحضارة، والديموقراطية، الآتين بِسُحَنِ البربرية إلينا وعلينا. فكل المواقع مكشوفة حتى عري العظام. حتى السلخ. ولم يعد يهز وعينا أن تصل أمور ما، في فظائعها، الى هذه المبالغ والمستويات. ذلك أننا، وبفعل "تراكم" المآسي، والتراجيديات، علينا وأشكال الاستباحة من الأعداء، ومن الأنظمة، على امتداد نصف قرن، كأنما صارت الهزائم ومكبوتاتها، والخسائر وأثمانها من عاداتنا وتقاليدنا، وجزءاً من تفكيرنا وسلوكنا. كل شيء صار عادياً حتى الرتابة. كل شيء منتظراً كتعاقب الأيام والفصول.
حتى كتابة هذه السطور كان العدو الأميركي يجترح "المعجزات" في العراق. يكتسح المدن، ويمارس جرائم الحرب، ويقصف المنازل والمعابد والطرقات... فيوقع مئات الشهداء والجرحى في النجف والكوت والبصرة...
يمارس لعبة الاحتقار ممارسته لعبة الإبادة.
بل كأن هذا العدو (الدائم)، ومن فرط إيمانه بما يفعل، كشرط من شروط حضارته وتفوقه "العرقي" وغير العرقي، الحضاري وغير الحضاري، بَلَغَ لحظاتِ القتل الصافي. القتل اللامع ببريقه العالي. القتل الذي يعي هذا العدو، بأنه، ربما وحده يصنع مجده الحضاري، ويصوغ ديموقراطيته، ويملأ صناديقه بأصوات الناخبين.
وأمام هذا الوحش "الفرانكشتايني"، شعب كامل، تُرك بين براثنه. بين كيميائياته السامة وإنجازاته وأسلحته الفتاكة "آخر ما حققه علماؤه في مختبرات القتل". شعب كامل يُحتلّ كله. 26 مليون عراقي في قبضة احتلال جاء من آخر الدنيا ليحقق مآثر الحرية... بما تخفي من مطامع وأهداف. لكن المسألة لم تعُد في أن امبراطورية ما تحتل بلداً آخر. لكن المسألة، عندنا، اننا قبلنا هذا الاحتلال، "مقبّلين الأيدي التي تقتلنا". بل كأن هذا الاحتلال وجد عندنا مَنْ يشرعنه كحل موضوعي لأزمة سياسية في بلاد الرافدين، تماماً كما تعوّدنا أن نقبل الاحتلال الإسرائيلي التدريجي لفلسطين... تماماً كما تعوّدنا أن ترتكب مذبحة في دارفور ونتواطأ معها... بحس "عنصري" عروبي رهيف. لم تعد مسألة "احتلال"، واستقلال. بل صارت الى أي مدى نتعوّد أن نُحتلّ ونسمّي المحتل منقذاً، أو على الأقل حلاً لأزماتنا.
وهكذا نتابع وقائع الاحتلال ومجازره، وكأن لم يعد مطلوباً منا سوى المتابعة. مجرد المتابعة. حتى بلا موقف أحياناً، لكي ندرج في خانة الحكماء والموضوعيين... أو في سجلات العالم الجديد. وإذا كان علينا، وربما استثناء، أن نتابع بشيء من الانحياز الى الضحية، فعلينا، قبل كل شيء، أن نقتنع بأن متابعتنا هذه، على ما فيها من تضامن وتعاطف ولوعة وغضب، لا تخرج على نطاق الإيمان بالعجز. فأنت يمكن أن تبكي وتصرخ وتنادي بالويل والثبور للأعداء، لكن عليك في الوقت ذاته أن تعي جيداً أن ما تفعله يجب ألاّ يَنْفَذَ سوى الى العجز. فأنت يُسمح لك بالتعبير عن تفكيرك ومشاعرك إزاء ما يجري هنا في فلسطين. وهناك في العراق، شرط أن تلزم حدوداً معيّنة، حدودَ أن تعترف بانتصار عدوك الأبدي... ومن ثم أن تعترف بحقه في "الدفاع عن نفسه". ويمكن في هذه الأحوال أن تجتر ما تريد اجتراره من نقمة على هذا الفريق أو ذاك، بصمت أو بضوضاء، وأنت على يقين بأن ما تفعله هو الحد الأقصى مما يمكن أن تفعله لا أكثر ولا أقل. وهذا اليقين الذاتي لم يعد يأتي نتيجة ضغط مباشر من قبل البنى القائمة فحسب، وإنما من دراية عميقة بالأمور والشجون والمسائل. فأنت تعرف أن هذه الأنظمة العربية، لم تترك لنا ما قد يشعرنا بأنها موجودة إلاّ عندما تمارس علينا، نحن المواطنين، رعاياها وعبيدها، ما يُخضعنا، ويذلنا، ويؤدي الى نهبنا وقمعنا. وخارج علاقتها بنا، على امتداد الوطن العربي، لا شيء. موجودة بالرمز. وبالإشارة. وباللاشيء. تعوّدت هي ما عوّدتنا إياه. فنحن تعتبرنا "صنيعتها" ونحن نعتبرها (وهي تعتبر نفسها) صنيعة الخارج. إذ ماذا يمكن أن تفعل هاتان "الصنيعتان" سوى أن تعمد الأقوى الى اضطهاد الأضعف. إنها اللعبة المنطقية. وكما عليها، هي، أن تعلن عجزها إزاء القوى الكبرى، وتبعيتها لها، واسترقاقها لها، فعلينا أن نقبل عجزنا أولاً إزاءها، وعجزها هي إزاءَنا. فحضورها منّا رمزي. وحضورها من "الغير" أيضاً رمزي. وهكذا يتساوى في العجز كل من الرعية والراعي.
وهذا ما يحدث الآن في العراق. النظام العراقي يعلن بالإيماء أو بالصمت أو بالكلام أنه عاجز عن فعل أي شيء، سوى التواطؤ مع المحتل، وشرعنته، وإيثار التعقل، والعقلانية، والحكمة، لأننا عاجزون عن فعل أي شيء. هذه هي الحقيقة. وعلينا نحن أن نحذو حذوه، ونلتزم التعقل والاستعقال والعقلانية لأنه عوّدنا أن يكون هو على صورة الآخر الخارجي القوي، وأن نكون نحن على صورته بالتمام والكمال.
فعليه إذاً أن يقبل بأن ما يفعله الأميركيون هو دفاع عن ديموقراطيتنا، وأن ما تفعله المقاومة "مغامرة" غير محسوبة النتائج. وعليه أن يعتبر أن الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الأميركي هي نتيجة طبيعية للمعارك، وأن ما تفعله المقاومة يؤدي الى مزيد من سفك الدماء؛ وعليه أن يعتبر أيضاً أن الديموقراطية الآتية على الدبابات الأميركية هي ديموقراطية "خلنج"، وأن ما تقوم به المقاومة "خروج على القانون"، وتهديد للأمن، وللاقتصاد...
لكن ماذا يعني كل ذلك فعلاً سوى أن على الشعوب، بكل ما تحمل من مخاوف وهواجس، أن تضع نصب عيونها، بأنها باتت متروكة وحدها لأقدارها. وأن أرضها وتاريخها وسماءَها، بلا غطاء يحميها، ولا حدود تحرسها، ولا جيوش تدافع عنها، ولا قوى حيّة تمارس حقها في الاعتراض. فهذه كلها ملك الأنظمة. لا ملكها. ومن ممتلكاتها. وهي لم "تُصنع" لمحاربة العدو الخارجي، وإنما لحراسة الحكام، ومحاربة العدو الداخلي... هذا مفهوم! إذاً، على الشعب العربي أن يكتنه هذه الحقيقة بلا أوهام. فلا يطلبنّ أحد من هذه الأنظمة المستحيل. ولا يُحرجنّها أحد. فهي لها حساباتها الدقيقة في التعاطي مع المسائل الكبيرة بتؤدة، وبذهنية صافية. وعلى كل من يُفكر بكسر هذه الحسابات أن يعتبر أن تفكيره موجه ضد هذه الأنظمة. بل ضد مصلحة الوطن العليا. فالزمن لم يعد زمن مجازفة. ولا حتى زمن حروب (إلاّ ما تقرره القوة العظمى وإسرائيل).
والشعب العراقي، اليوم، بنظر الأنظمة، لا يشذّ عن هذه القواعد الذهبية. عنده احتلال. وهذا الاحتلال يطمع في خيراته. ويريد أن يحرمه من كل آليات الدفاع عن نفسه وأدواتها، وحتى النيات. ومنطق الأنظمة العربية أن على هذا الشعب الذي ذاق الأمرّين من الدكتاتور المخلوع، أن يتبع الطريق، التي اتبعها إزاء الدكتاتور. الصمت. الخنوع. القبول... التواطؤ. وأن المقاومة، أي مقاومة للأميركيين، لن تؤدي سوى الى الخراب، والحؤول دون نيل العراق استقلاله، وانسحاب الأميركيين، من تلقائهم، من أراضيه. ويعني ذلك أن الشعب العراقي متروك لمصيره. متروك لقدره. وحده في الساحة. لا سند عربياً. ولا سند خارجياً. ولا تأييد له أو تضامن معه إلاّ من باب رفع العتب، بلغة توازن بين الجلاّد والضحية. ويزيد الأمور "تعقيداً" أن السلطة الموقتة التي عيّنتها قوى الاحتلال، تتبنى منطق الأنظمة العربية. وتزايد عليها، في اعتبار أن المقاومين ليسوا سوى "إرهابيين" تماماً كما هي الحال مع المقاومة الفلسطينية. وكما تركت هذه الأخيرة لمصيرها، أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، فإن الشعب العراقي ومقاومته تركا أيضاً، وحدهما، ينتزعان أشواكهما بأيديهما، ويواجهان أعتى جيش في العالم باللحم الحي، وبالأظافر، وبأسلحة بدائية...
فالمطلوب إذاً أن يرفع الشعب العراقي الرايات البيض. وأن يتسلّح بالعقلانية بدل أن يرفع السلاح. وعندها يترسّخ الاحتلال. عبر ترسيخه كواجهة، السلطة العراقية المعيّنة من قبله. وعندها ينزاح كابوس بل كوابيس عن كواهل هذه الأنظمة، فتعود الى سياسة أمورها، والى تقديم مزيد من التنازلات للقوة العظمى ولإسرائيل، فتستقر على كراسيها استقراراً أبدياً.
ذلك أن كل ما نشهده، اليوم، وعلى امتداد العقود الأخيرة، يظهر، وبشكل جليّ، أننا نعيش عصر النهايات بامتياز. نهايات الأنظمة. نهايات الاستقلال. نهايات الانتماءات القومية والوطنية. نهايات السعي الى الحرية. نهايات الأحزاب والنقابات والمجتمعات المدنية، نهايات البحبوحة الاقتصادية. نهايات الأسئلة. نهايات الرفض. نهايات المواجهة. نعيش على شفير نهايات ولا بدايات. وما يجري في العراق، وفي فلسطين، وفي دارفور، وفي معظم العواصم العربية، ومن خلال مستويات متقاربة، ليس سوى من أعراض هذه النهايات. فكأننا نعيش عدميات متعددة! عدمية فكرية. عدمية سياسية. عدمية ثقافية. عدمية دينية. عدمية طائفية. وإذا جمعنا هذه العدميات فلن نحصل سوى على عدميات متجددة. ولهذا، كأنه بات شبه مستحيل البقاء على هذه الأحوال. وبات أيضاً شبه مستحيل تغييرها. وشبه مستحيل تنظيم واقع يمكن أن يصوغ خطاباً عمومياً (لا فردياً ولا ذاتياً) قابلاً للحياة، أو للتأثير في هذه العدميات المتراكمة منذ أكثر من نصف قرن.
هذا ما تعلّمناه أخيراً من التجربة العراقية، ومن مختلف التجارب العربية. ولهذا نحس بأننا نعيش فترة لم يسبق أن عشناها لا في زمن الدويلات العربية، ولا في زمن المغول والانحطاط، ولا في المراحل الاستعمارية.
نعيش زمناً إذا سقط خفنا أن نسقط معه. وإذا بقي خفنا أن يسقطنا. وإذا تغيّر خفنا من المجهول (البديل)، وإن راوح خفنا أن يسحقنا بمراوحته.
زمن بلا بشائر (بشائره وراءه). وبلا نذائر (نذائره أمامه). نخاف أن ننتظر، ونخاف ألا ننتظر. نخاف أن نحلم ونخاف ألا نحلم. نخاف أن نفكر ونخاف ألا نفكر...
كأنه الزمن بين عدمين. أو بين يأسين. إنه زمن النظام العربي المائل على نهاياته المفجعة والقاتلة... ولكن أيضاً هو زمن الشعب العربي الذي بات ومن شدة ما عانى وكابد يتأرجح بين القنوط والتشاؤم... والإيمان.
لكن أي إيمان؟
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.