غداً اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة. والاجتماع بحسب المواصفات الموضوعة والموصوفة هو، من دون شك، ولا أدنى التباس، اجتماع طارئ. ويعني أن أموراً جللاً قاهرة ملحاحة "طرأت" على أفكار نظام "الطوارئ" العربي (منذ نصف قرن. أبشرْ!)، فاستدعته من شجونه وهمومه، لكي يبحث في "طارئه". الوافد، ما آلت إليه الأوضاع "الكارثية" في إقليم دارفور، ولبلورة موقف عربي (لم يتبلور بعد!) "موحد داعم للحكومة السودانية من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن ورفع المعاناة عن أهالي دارفور".
ويأتي "الطارئ" في وزراء الطوارئ، بعدما اتخذ مجلس الأمن قراراته، وبعدما حددت الولايات المتحدة وبريطانيا مواقفهما. وبعدما ارتأى الاتحاد الأفريقي ما ارتأى... وبعدما أُمهلت الحكومة السودانية 30 يوماً مرشحة للتمديد (كل شيء مرشح للتمديد!) 90 يوماً ليتسنى لها، إكمال خططها "الديموقراطية" مع متمردي الاقليم، والتي أسفرت حتى الآن عن سقوط أكثر من 50 ألف قتيل وتشريد مليون ونصف مليون "دارفوري" ونهب منازلهم، وإحراق محاصيلهم...
ولأن الحلول الراهنة، كما عرفناها، على امتداد ستة أشهر، كانت حلولاً أمنية، أولاً وأخيراً، فمن الطبيعي، أن تُعَبَّأ فترة التسعين يوماً العتيدة والمطلوبة، وتستنفر لإكمال "تصفية" المسألة لا حلها، لتستمر بعدها، إما في هذا الاقليم مع متمرديه الأفارقة، أو في أماكن أخرى، مع متمردين غير أفارقة.
فالنظام العربي، (الطارئ) هو نظام واحد في طوارئه. دائماً على طارئ. ودائماً إلى طارئ. نحو مواجهة الأمور "الطارئة" مواجهة طغيانية وعنيفة، تتجاوز الأسباب والعوامل الانسانية والاقتصادية والاجتماعية. فالمتمردون هم المتمردون: خارجون على القانون. والقانون هو القانون لا يعلو عليه سوى أهل الايمان والسلطة والتسلط.
وهكذا ننتهي من "متمردين" هنا، إلى متمردين هناك. ومن حروب أهلية هنا، إلى حروب أهلية هناك. ومن انتفاضات هنا إلى انتفاضات هناك، والمطلوب واحد: سحق هذه الظواهر المرتبطة "بالخارج"، والتي تهدد "أمن الوطن" وحدوده ومصيره ووحدته وازدهاره وبحبوحته... ولِمَ لا: حريته وديموقراطيته أيضاً!
هذه الحال ليست جديدة، ولا "طارئة" (في نظام الطوارئ العربي)، بل باتت جزءاً من تفكيره، وايديولوجيته (على تعددها الجمهوري وغير الجمهوري)، وعواطفه... وانتماءاته. جزءاً من ثقافة تراكمت على امتداد عقود طويلة لم ينتصر فيه شيء سوى الاستبدادية، التي إن هُزمتْ هنا، فلتحلّ محلها استبدادية أسوأ وأخطر وأشرس.
واللافت، أنه على امتداد العهود "الاستقلالية"، كانت "عناصر" النظام العربي، على اختلافاتها وخلافاتها حتى تخوين بعضها وتبادل التآمر على بعضها، تتآزر وتتواطأ وتتضامن في مناحيها الاستبدادية وفي قمع شعوبها، واضطهادهم، وتقتيلهم، واستخدام وسائل الابادة الجماعية عليهم أحياناً كثيرة. ولا كلمة. ولا استنكار. ولا شجب. ولا دمعة. ولا مواساة. فقط اجتماعات "قُمّة" (لا قِمّة)، ووزراء داخلية وخارجية... لتبرير وحشية الأنظمة إزاء شعوبها. ومَنْ منا لا يتذكر المجازر والمذابح التي اقترفها هذا النظام أو ذاك بخصومه السياسيين؟ ومَنْ منا لا يتذكر كيف كان يساق أهل المعارضة إلى القتل والسجون والتعذيب والتنكيل والاعدام والنفي... مقابل صمت النظام العربي، ككل، وقمع كل محاولة استنكار أو احتجاج من قبل الناس على تلك الجرائم.
منذ أكثر من ستة أشهر والميلشيات الرسمية (تلعب دور الحرس الوطني ذي الانجازات الوطنية المماثلة)، تقوم بعمليات إبادة جماعية في حق سكان إقليم دارفور. تنهب بيوتهم. تحرق مزارعهم. تهجّرهم. تروعهم. والنظام العربي يغطي كل هذه الجرائم. ونكاد نقول ان جريمة أهل "دارفور" ربما في كونهم أفارقة لا عرباً. ونكاد نقول ان المسألة عنصرية بين العرب (المسلمين)، والأفارقة المسلمين أيضاً. لكن هذا الافتراض قد لا يأتي في مكانه. لأن الحروب السودانية منذ اندلاعها، توزعت بشكل "عادل" بين حروب بين الشمال والجنوب، ثم حروب داخل الصف المؤمن ـ المعسكر الواحد (حسن الترابي وشركاؤه). ونكاد نقول ان العنف والوحشية والقوة المفرطة من قبل "بتوع" الجنجويد (كان عندنا عيّنات رائعة منها في لبنان أثناء الحروب. وكان بعض النظام العربي عابراً إلينا ومقيماً عبرها وبها. من دون أن ننسى اسرائيل!). قد تكون خاصة، لكن يبدو أن هذه الميلشيات المصنوعة صناعة رسمية جاهزة لا تختلف عما هو موجود في بلادها وفي بلاد الله الواسعة كروانده وصربيا (الكبرى الميلوسوفتشية)، واسرائيل... وقد ورثت ما ورثته من الانجازات الكبيرة على صعيد انتهاك حقوق الانسان والابادة الجماعية وعمليات الاغتصاب والتهجير...
إذاً، يطل النظام العربي، بعد الاتحاد الافريقي، وبعد مجلس الأمن وأوروبا وأميركا إطلالة طارئة ملهوفة، عجلى، في مؤتمر وزراء خارجيته في القاهرة، يطل وكأن الأحداث في دارفور قد بدأت من توها. وعليه أن يمنع استفحالها. يطل كما أطل عشرات المرات قبل إطلالات مؤتمرات القمة أو بعدها... لبلورة موقف ما من قضية ما... ووضع استراتيجية مشتركة...
يطل وكأن ما عنده غير مسبوق، وكأنه المبادر لا لإنقاذ هؤلاء الناس المشردين في دارفور، وإنما لتسجيل موقف "رسمي" تضامني، ربما مع الجنجويد... ومن وراء الجنجويد، وفقاً لحسابات "عربية" رسمية خالصة.
وليس السؤال ما سيفعل غداً، النظام العربي المختزل في القاهرة... ولكن ما لن يفعل. فكل شيء وراءه من زمان: من شباط الماضي، 50 ألف قتيل وراءه، مليون ونصف مهجر وراءه، الدمار شبه الشامل وراءه. فما الذي يتبقى "أمامه" ليفعله. لا شيء! ربما! لكن ربما شرعنة الجرائم التي ارتكبت بحق هؤلاء المسلمين ـ الأفارقة. أو الأحرى بحق هؤلاء السودانيين الأصليين، وتمديد (عدنا للتمديد!) المهلة التي حددت للجهات الرسمية... لاستكمال التصفية وإطلاق يدها لإنجاز العمليات العسكرية الميلشيوية للوصول إلى أهدافها الأمنية، الطغيانية في الوقت الضائع للمفاوضات بين المتمردين، والنظام وما بينهما من "كامخ" ميلشيوي.
ونظن أن للنظام العربي الرسمي ما يوازيه أحياناً وما يبرره وربما ما يؤازره في المجموعات الشعبية والثقافية والسياسية السائدة. فعندما نكون نحن العرب، في أزمة، أم في حالة تظلم، أم في وضع نتعرّض فيه لاعتداء أو لتجاوز، من قبل هذه الدولة أم تلك الفئة الأجنبية، نتهم العالم بأنه يقف مكتوف اليدين إزاء قضايانا ونطالبه بانصافنا. أكثر. نؤيد التظاهرات والمواقف التي تنطلق من أجلنا (في قضيتي العراق وفلسطين). أما نحن، نظاماً رسمياً، ومجتمعاً مدنياً، فنبقى وكأن على رؤوسنا وأفواهنا وظهورنا... الطير. وهنا نتساءل بمرارة: لماذا لم تنزل مظاهرة واحدة من 50 شخصاً فقط أو حتى أقل تعبّر عن استنكارها الانساني (لا السياسي) لما جرى في دارفور وما تعرّض له هؤلاء السودانيون من كوارث وما عانوه؟ لا صوت! ولا مظاهرة! ولا بيان! ولا موقف من هذا الحزب أو تلك المنظمة... لا شيء. صمتُ مُتبلّدي العقول، ومبرري الظلم وسكوت المتواطئين.
هذه المواقف السلبية من قبل المجتمعات العربية، هي الموجه الآخر لمواقف النظام العربي، الذي يجتمع غداً في القاهرة، محولاً عجزه إلى تبرير، وضعفه إلى تأييد، وغيابه الموصول إلى تواطؤ... وتعمية، وانحياز غير عادل باقتراحات ليست اقتراحاته. وبحلول ليست من عندياته.
هل هي مشكلة في "مخيخ" النظام العربي، وفي عقله؟ أم هي مشكلة عندنا جميعاً في مخيخاتنا وعقولنا، حتى نأتي دائماً عندما تنتهي الأمور... أو نأتي دائماً ونتخذ الموقف الخطأ... أو غير المجدي... أو لا نأتي وكأننا أتينا... أو نأتي وكأننا لم نأتِ...
دارفور ليست مشكلة افريقية فقط. ولا عربية فقط. ولا اسلامية فقط. إنها مسألة انسانية ارتُكب بحقها ما يرتكبه "الظُّلام" وعديمو الضمائر... والمتواطئون على انسانيتهم.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.