في الولايات المتحدة الأميركية "أعراس" انتخابية على مدّ العين والنظر والأذن. الناس هناك، وبرغم كل ما يشوب تلك العمليات الانتخابية من شعارات، وكذلك من تمويلات من شركات ومؤسسات، فإن الناس هناك، وكما شاهدنا وسمعنا على الشاشات، أثناء تزكية الحزب الديموقراطي الترشيحين للرئاسة ولنيابة الرئاسة تحتفل بحريتها في الاختيار أولاً، وبحريتها في الانتماء الى هذا الحزب أو ذلك، وبقرارها الأول والأخير إنجاح أحد المرشحين. كأنهم في عُرس أو في استعراض للفرح، ولمتعة المناسبة، ولسلطة الشعب. الجماهير هناك، وبرغم بروز ظهواهر أشكال التطرف العنصري وحتى الديني الخادم إسرائيل، تعلن حضورها ومرجعيتها الأولى والأخيرة في هذا الاستحقاق الرئاسي.
فهي تريد أن تنتخب رئيساً لبلادها. وليس لبلاد "الواق واق". وتريد أن يكون رئيسها طالعاً من إرادتها، لا من إرادات الأجهزة والمخابرات و"المصادر" الموثوق بها، أو تجمع "بلديات" الولايات المتحدة. هناك حقيقة واحدة لا حقيقتان: الصوت الذي يصوّت يصل الى الصندوق، ويوصل صاحبه الى قيادة البلاد. والصوت الذي يصوّت إنما يصوّت لمرشحين أعلنوا ترشيحهم، وليس لمرشحين يترشحون أمام الجميع إلاّ أمام الناس: يترشحون أمام القوى الخارجية المتعددة. أمام المرجعيات المتنوعة في الكواليس، في الكوابيس. في الغرف المعتمة. في الاتصالات السرية. في الخفاء (كأنما على استحياء)، بين الأشباح، يترشحون. وكأنّ الذي لا يعلن ترشيحه لشعبه تزداد حظوظ انتخابه. أو حظوظ "تمديده" على جسد ولاية ثانية. أو تجديد قديمه على جديد سنوات غير تجديدية. ذلك أن الذي ترشحه "الأشباح" أقل من شبح. والذي ترشحه المفاتيح التي تخشخش في السر أقل من ثقب ومزلاج. كأنّ ثقافة "التسلل" التي عرفنا كثيراً من مظاهرها وظواهرها، لا بد من أن تنتصر على سياسة الشفافية. وكأنّ الدخول الى البيت من النافذة، أضمن من الدخول إليه من الباب. إذاً تترشح بالتسلل. وتنجح بالتسلل. وهكذا دواليك: تيمناً بثقافة عريقة تخاف الجلاء، والجرأة، مخافتها الإعلان. والطريف أن الناس (المرجع الأول المفترض) تنتظر أن يأتي الرئيس (أو يتسلل) من خارج الذين أعلنوا ترشيحهم هكذا كمعجزة فهذه ليست "الطريقة" المثلى في التعاطي مع الشأن الرئاسي. وإذا كان على المرشحين في بلاد الله الديموقراطية الواسعة واجب الترشح للرئاسة لكي يصلوا أو لا يصلوا، فإن على المرشحين "الحقيقيين" عندنا واجب عدم الترشح للرئاسة لكي يصلوا. ولهذا قيل إن الذين أعلنوا ترشيحهم على شاشات التلفزيون أو من على المنابر، ارتكبوا "الكبائر" والصغائر. ارتكبوا الخطيئة المميتة. والعرضية، بخرقهم قواعد الالتزام بثقافة التسلل الى الرئاسة خفية. وبعض هؤلاء، وعقاباً، لا بد أن يتعرض لفتح ملفاته الشخصية والمهنية والطائفية والقانونية والقضائية. من دون سؤاله لا عن سياسته ولا عن استراتيجيته، ولا حتى لمفهومه عن السلطة والاستقلال والحرية والديموقراطية. فهذه أمور لا تشكل منطلقات أساسية لأي مرشح يعلن ذاته. إذاً جازف الذين جهروا بمعارضة تعديل الدستور، والتمديد والتجديد، ليُنتَخَبوا اتهموا بمعارضة الدستور نفسه. ففي مثل العقول الالكترونية (الديموقراطية) الحديثة "المعسكرة"، يبدو الذي يريد التقيّد بالدستور خارقاً له. والذي يريد تطبيق القانون منتهكاً إياه. والعكس صحيح. فهذا الدستور ليس أكثر من حبر لا يجف على ورق من الورد... يتفتح صباحاً ويذبل مساء. وهو ككل شيء لا يُمانع كثيرون في استباحته، تحت تبريرات وذرائع "كبيرة"، كمحاولة رد الاعتبار الى هذه الطائفة أو انتزاع الامتيازات من طائفة أخرى، ليتم صوغ صورة "البطل" المنتهك، والقديس المنتظر عند هذه الطائفة، وتحطيم صورة "الخصم" الوهمي المتمثل في الطائفة الأخرى. انها عودة الى اللغة التي سادت عشية الحرب: المتمسك بامتيازات (وهمية) لدى هذه الطائفة يقابله انتزاع امتيازات (وهمية) من تلك الطائفة. وهكذا خربت هذه الشعارات كل شيء وساهمت في صنع حرب "وهمية" استغلها الجميع لتدمير هذا البلد. النغمة القديمة تتجدد. والورقة "المحروقة" ذاتها تلعب اليوم استرضاء لمرجعية داخلية، أو استعطافاً لموقع خارجي.
إذاً، صورة البطل ـ الذي يريد أن ينقذ "طائفته" من الحرمان، أو من الضعف، تعود بقسمات عنترة بن شداد، لكن عندما تَظَهَّر تعود بصورة شيبوب. ونظن أن مجمل الأوراق التي تلعب على طاولة هذا الاستحقاق، (بما فيها الشعبية والشعبوية والمذهبية وحتى القومية...) توجه الى عواصم "القرار" الخارجية، باعتبار أن هذا البلد هو مجموعة من المحميات الطائفية، وعلينا في زمن الاستحقاق، أن نتوجه الى كل راع من رعاة هذه المحمية أو تلك، بحسب قوة هذا "القرار" الخارجي أو نفوذه. وهذه أيضاً جزء من ثقافة "التسلل" الى السلطة: عبر منافذ داخلية (أجهزة، مخابرات، عسكر)، وخارجية (أوكار، وشعارات، ومراكز قوى).
وماذا يبقى لكي تكون عملية التسلل هذه من ضمن البرمجة "الالكترونية" الوطنية والشعبية: البحث عن جذور وهمية "تشرعن" سياسة التسلل أو التسرب، (أو الفرض)، وقد "وجدوها! وجدوها" في نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة. وقد توصل بعض ذوي العقول "الالكترونية" الى أن المعركة انجلت، وتأكدت نتائجها، وحُسم أمرها. فالنتائج البلدية هي استفتاء ضد كل الذين يعارضون تعديل الدستور، ومع كل الذين يؤيدونه. رائع! فالناخبون في العواصم والجرود والسهول والبقاع والأطراف والأرياف، صوتوا لذلك المختار... لأنهم يُصوِّتون لتعديل الدستور أو لعدمه. وهذا المختار الذي ربح في أحد الأحياء أو الدساكر إنما ربح لأن ناخبيه صوتوا عبره على تعديل الدستور... وأن مجموع البلديات الذي "انتخب" (بدون تدخلات من الأجهزة!) إنما هو برلمان الجمهورية. إذاً، وبما أن الأمر على هذا الشكل، فلماذا لا ينتخب تجمع بلديات لبنان مباشرة رئيس الجمهورية. وعندها يكون بلدياتي!.. وبلدتي! وبلديتي! يكون فعلاً رئيس جمهورية بلديات لبنان الكبير. وعندها ينتصر برلمان المخاتير ومجلس البلديات... على النواب الذين لم نسمع من هؤلاء الذين يتكلمون عن الأحجام التي حددت عبر البلديات، عن تلك الأحجام التي صنعتها الانتخابات النيابية الأخيرة.
لماذا لم يعترف أصحاب العقول الالكترونية بالاحجام التي صنعتها الانتخابات البرلمانية التي هزمت محاولات العسكرة... والتسلل الى الأجهزة عبر القوة والإرهاب والترهيب والقمع!
واللجوء الى "ورقة" البلديات البائسة التي لا تدل إلاّ على أن الذين يتبنونها يخلطون بين الجمهورية وبين البلدية، بين المجالس الاختيارية والبرلمان. باعتبار أن عقولهم، لا تتسع لأكثر من اعتبار أن الوطن ليس أكثر من بلدية، والعالم ليس أكثر من مجلس اختياري... مخاتير! وبلديات! إذاً نفهم الجمهورية بأنها البلدية (قروية أو مدينية)، ونفهم البلدية بأنها الجمهورية! فلماذا، إذاً لا يترشح العديد من أصحاب هذه "الرؤيا" المجددة للحياة الحزبية والقومية والوطنية وحتى العالمية... للبلدية ما دام الفارق ممحواً بينها وبين الجمهورية! أو لماذا لا يتمّ التناوب بين رئيس اتحاد البلديات ورئيس الجمهورية، بحيث تتعادل فرص التمثيل وتتنوع مصادر السلطة، وتتعدد إرادة الشعب؟
ولقد أفحمنا وزير الداخلية (ابن وزير الداخلية السابق وربما اللاحق) عندما قرر من تلقائه أنه كان يرى في الانتخابات البلدية قبل النتائج "معركة إنمائية" لكنه عاد وقرر أن يغيّر رأيه ويرى أنها معركة تعديل الدستور أي سياسية بعد النتائج المظفرة التي حُققت والتي رسم بها "المنتصرون" أحجام الذين هزموهم في الانتخابات النيابية حتى في عقر دارهم! انها "عبقرية" الانقلاب على الذات، والتي عرفناها على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة.
وعندها عليك ألا تميّز إطلاقاً بين مختار ونائب، وبين عضو بلدي ووزير، وبين مفتاح "انتخابي" في أعلى الجرود وبين "مفتاح" عربي أو دولي. الأمور تتشابك، لأن العقول متشابكة. ولأنه، وبحسب ما نشاهد ونقرأ ونسمع، من المستحيل ألا نكون قد وصلنا الى أن "الذهنية" البلدية بحساباتها المحدودة، هي التي تدير أمور الجمهورية، الى درجة يُصبح طبيعياً ومعقولاً أن نطالب بتحويل "جمهورية لبنان الكبير" الى "بلدية لبنان الكبير"، وهكذا نرتاح من كل ما يقلقنا من أمور المجتمع المدني، والدساتير، والقوانين، والدولة. ويبدو أن هذا المنطق أعاد اللبنانيين الى اعتبار أن كل قرية ينتمون إليها هي جمهورية. وكل بلدة هي جمهورية. وكل مدينة هي جمهورية. وهكذا يكون أجدى أن يكون عندنا "اتحاد جمهوريات البلديات" أو "جمهورية اتحاد البلديات" من أن يكون عندنا جمهورية واحدة، وهكذا نرتاح، وترتاح ضمائرنا... وتحل مشاكلنا كما نشقّ طريقاً، أو كما نفتح أوتوستراداً. وهكذا "نتخلص" من ثقافة التسلل... البعيدة المدى، الى سياسة الديموقراطية المباشرة جداً... عبر بلدتي بلديتي وبلدياتي وجمهوريتي... جمهورياتي.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.