على امتداد العقود الماضية كان علينا ان نعتاد حالات جديدة من التفكير والعيش والسلوك، أو ننخرط، شئنا أم ابينا في ثقافة راحت تنبني لَبِنة لبنة وحجراً حجراً. هذه الثقافة المعمرة في اذهاننا وحتى لاوعينا، هي ثقافة "معاداة" الحرية، والاستقلال والاختيار الارادي، بحيث بات الكلام عن الخروج على هذا السائد ضرباً من العبث، أو وقفاً على الهوامش ومن تبقى منها على قارعة الحروب والاستبداد والقمع والظواهر الغيبية والطائفية والمذهبية وسطوة النظام العربي روحاً وقالباً.
ثقافة معاداة الحرية هذه احدثت في تفكيرنا ومشاعرنا كثيراً من الخوف. الخوف من الحرية نفسها. الرعب من مجرد محاولة الكلام على هذه الحاجة الوجودية والسياسية والثقافية كلاماً محدداً أو مباشراً، ذلك أن مثل هذا الكلام كان يعني أن تضع نفسك خارج الالزامات المفروضة وخارج "الاجماع" الموزع بين الجماعات المدموغة والموشومة والمصنفة.
وكأنني بهذه الثقافة المتراكمة باتت القاعدة ومن يشذ عنها تصيبه علامات خيانة الواقع، والأمر الواقع، ومآلات الأمور. بل كأني بهذه الثقافة الني انبنت بالخشية والقتل والدم والبندقية والتقسيم والتهجير والارتهان، صارت من تقاليدنا الاجتماعية والسياسية ومن عاداتنا العائلية ومن خلاصة ايديولوجيتنا الوطنية والقومية، وايقاعاً من ايقاعات نشيدنا الوطني وفولكلورنا الشعبي.
على ان ثقافة الخوف من الحرية، وإن واجهتها الهوامشُ، وقاومتها جماعات، من خلال مناسبات وظروف كأنها لمح المنام، او "طارقة" الحلم، باتت تتأهل وتتجذر في تربة اليأس والاحباط وحتى الخوف من التغيير أو محو ما وشمنا به.
صارت مغامرة ان تطالب بحريتك. مغامرة على تخوم أن توصم بالجنون او بالهلوسة او حتى بالخيانة فتفرد "افراد البعير المُعبد". ذلك أن من شروط المجتمع القابل والخانع والخاضع أن يتخلى عن كونه مجتمعاً أولاً، ومجتمعاً متعدداً ثانياً، ومجتمعاَ مدركاً ثالثاً، ومجتمعاً يختار شروطه رابعاً.
انها مواصفات المجتمع ـ اللامجتمع الذي تأسست عليه، ثقافة الخوف من الحرية.
بل انها مواصفات المجتمع الغائب غياباً نباتياً، او غياباً رملياً، تحت قرع الأحذية، والترهيب والترعيب والتضريب والتغريب والتشطيب...
ولو القينا نظرة على ما يدور حولنا في ما يُسمى "معركة الاستحقاق" لتأكد لنا ان هذه الثقافة المبنية على "الرعب" من الحرية، ما زال يعتبرها بعضهم، الملاذ الأول والأخير. كأن هذا "البعض" الذي يرفض الحرية لنفسه، يرفضها أيضاً للآخر. بل كأن هذا البعض "الكثير" والمتمثل برموز ثقافية وسياسية وفكرية وطائفية واجتماعية، بات يؤمن بأن من ركائز اثبات وجوده غياب الحرية أو تغييبها، بل ويمضي أبعد من ذلك لنستشف من سلوكه بأن من ركائز الوطن الحر أن تغيب عنه الحرية. شرط الحرية ان لا تكون حرية. وتالياً شرط الديموقراطية نفي الديموقراطية. أي نفي الحياة بالحياة والوجود بالوجود. شيء قد يستدعي الغرابة والدهشة، لكن في الوقت ذاته يؤكد حقائق ميدانية دامغة: بعض اللبنانيين يرفضون الحرية ويخافونها، ولو نَظّروا لها، واشادوا بها، وامتدحوها... انها مجازات الموتى، او استعارات المخاتلة، او الانفصام، او تمزق الكائن.
فالحرية بالنسبة إلى هؤلاء شرط يمكن الاستغناء عنه. ذلك لأنها ترتب وعياً حاداً او عفوية صادقة، وفي الحالين تتطلب مسؤولية، أي حماية لها وتبريراً ومسوغات. فلماذا، كما يقول ذلك البعض، نتجشم هذه المسؤولية التي علينا تحملها اذا اخترنا ان نكون أحراراً ويكون علينا عندها ان ندافع عن المجتمع المدني حاضن هذه الحرية وحاضنته، وعلينا حماية دولة القانون والمؤسسات القائمة على هذه الحرية؛ وعلينا أن نعزز القيم الفردية. ونؤمن بالديموقراطية، وبالانتخابات النزيهة، وتداول السلطة، وفصل القضاء عن السياسة، والتصدي للظواهر الطائفية والدفاع عن تكافؤ الفرص...
كل هذه مستتبعات للحرية لا حول لنا فيها ولا قوة. اذاً، فلنؤجر هذه الحرية لمن يريد استئجارها. ولنعرضها في الأسواق لمن يريد اقتناءها بدلاً منا. فنحن، وفي ظل هذه المسؤوليات، عاجزون عن تبنيها، وعن ممارستها. فليختر اعداء الحرية من الغير حريتنا، ويلونّوها بتلاوينهم، ويزركشوها بأوسمتهم ويحضنوها بأحزمتهم، ويكرموها ببنادقهم.
وحذارِ، يقول هذا البعض، أن تُرمى "كرة" الحرية الى ملاعبنا، فلتبقَ عند القادرين على هذه المهمة الشاقة والمكلفة . فلا الشعب قادر. ولا الأحزاب. ولا النقابات. ولا البرلمانات، كلها أوهام، وترهات وازجال. حقيقة الحرية انها غير حقيقية، بالنسبة الينا. فلتبق في حدود "كلام الليل..." أوليس هذا ما يحدث حالياً، ومنذ أشهر، في الجدل حول الاستحقاق؟ فئة لا تريد أن تصدق انه يمكن أن يختار اللبنانيون رئيسهم. وترفض أن تتمتع ولو بنزر من الحرية لتمارس هذا "الحق" المدني. كأنها تقول "الحرية فخ قاتل". فحذار. وتعلن على الملأ ان الاختيار، اختيار "الاستحقاق" في مكان آخر. في سوريا، أو اوروبا. أو الولايات المتحدة. أي في كل مكان ما عدا هذا المكان. عند كل الآخرين، ما عدا عندنا. شيء رائع! وهذا ما عبر عنه رؤساء أحزاب، ووزراء ومسؤولون ونواب. نحن صرنا من فصيلة الانتظار، هكذا يقولون، والذين يعبرون عن آرائهم (حتى ولو عزفوا في المستقبل عن الاختيار) سيدفعون ثمن اوهامهم: ديموقراطيتنا وهم. حريتنا وهم. ارادتنا وهم. احلامنا وهم.
ومن سيراهن على هذه الأوهام، سيتكبد الثمن. وسيندم. حتى الكلام على حرية القرار بالنسبة إلى هؤلاء، ليس وهماً فقط، وهرطقة فقط، وانما خيانة للشعب وللوطن وللعَلم وللنشيد الوطني ولعيد الاستقلال وعيد الشهداء.
فمثل هذا الكلام عن الحرية، يصب في مصلحة العدو الاسرائيلي. (يقول هذا البعض) ويهدد بحرب أهلية جديدة (يقول هذا البعض). ويفرط بالمقاومة وبالصمود (فالتحرير شيء والحرية شيء آخر) ويهدد الوضع الأمني... فالحرية في مثل هذه الظروف (يقول هذا البعض) تعني تفكيك الأواصر الشعبية، وتهديم الانتماءات، إثارة الفتن الطائفية. فعلى الشاعر أن يكتب قصيدته وهو مقتنع بأن الحرية خطر. وعلى الصحافي ايضاً، ان يضع مقصات الرقابة داخل فمه وبين اصابعه. وعلى السياسي لكي يكون حراً فعلياً، ان يقول ما لا يفكر فيه، ويفكر في ما لا يؤمن به، ويمارس ما لا يقتنع به. وعندها تكون الحرية، بحسب المقاسات التي وضعها سوانا مسؤولة ومنتجة ومجدية.
عندما "أُبيح" الكلام عن الاستحقاق (أو أُستبيح)، اي عندما قرر بعضهم (أو سمح لبعضهم ان يقرر) أن يعطوا رأيهم في التمديد أو التجديد... كانت هذه الخطوة لدى بعض الناس مخاطرة، او الدخول في "الممنوع" أو المحظور... ذلك لأنه كان يجدر أن يتماسك الجميع، ويحفظوا السنتهم، ويلجموا ارادتهم، ويقمعوا أنفسهم، أي ان يلتزموا حرية الصمت الملزمة، ويكتفوا بانتظار "كلمة السر" من هنا، أو "الوحي" من هناك، او ارادة الاشباح من هنالك. حتى إن كثيرين من اللبنانيين لم يصدقوا ان يستعمل هذا البعض الكمية المفرطة من حرية القول (على الأقل) هكذا جزافاً ويعلنوا رفضهم لتعديل الدستور والتمديد أو التجديد للرئيس الحالي. شيء فظيع! كيف يتجرأون، ولماذا يبكرون بفتح المعركة؟ ومن وفر لهم التغطية؟ ومن أومأ اليهم؟ واي اشارات هذه تذبذب "حكمة" الصمت، وقناعة الانتظار والصلوات من أجل أن يتولى من له أن يتولى شؤون الاستحقاق! صلوات اذاً. ولا سعي إلى شيء من اختيار "مكتسب" بالود أو بالعقل أو الشفقة أو حتى المصلحة. ذلك أن التكدس فوق غبار ثقافة الخوف من الحرية، بنى "اهراماً" من غبار التمسك بثقافة العبودية. والعبودية اختيار شأنها شأن الحرية. وعندما تكون الطائفية عبودية ما والمذهبية عبودية. والقبلية عبودية فيعني انه من السهل ان يُفضي ذلك الى تأصيل العبودية في الأفراد والجماعات لتتولد مشاعر غزيرة وميلودرامية قائمة على معاداة الحرية. عرفنا أناساً يكرهون الحرية، يرفضونها، يقدسون العبودية. يشغفون بكونهم عبيداً. بكونهم بلا قرار. بلا اختيار. يقبلون الأيدي التي تستعبدهم، يتوسلون كل عابر أو طارق ان يحقق رغباتهم وأحلامهم بالعبودية. عرفناهم منذ مئة عام. وخمسين عاماً. وثلاثين عاماً.. وها هم أمامنا على الشاشة العريضة المفلوشة من اقصى بقاع العقل الى اقصى جبال الحلم...
عرفنا هؤلاء الذين لا يتصورون مواطنية او انسانية او فردية لا تكون موصومة بعبودية ما. تارة باسم قصور الناس وعدم بلوغهم سن الرشد. وهؤلاء يتولى أوصياؤهم تسيير أمورهم وتركيب عقولهم، وتارة باسم طائفية الشعب ومذهبيته. والشعب الطائفي ليس له أن يتمتع بالحرية. فهي خطر عليه، وتارة باسم القانون والمؤسسات والاخلاق الحميدة والتقاليد والأفكار والعلاقات والالتزامات. وهذه كلها أمور جدية تحتاج الى شعب آخر بل الى شعوب لم تلدها امهاتها بعد...
اليوم، واستمرار اً لثقافة الخوف هذه، يستكثر بعض اللبنانيين، على بعض اللبنانيين الكلام في شؤون الاستحقاق. فهذا الكلام "الخطر" "المجازف" قد يؤذي ثقافة العبودية التي تربوا عليها وامتهنوها كطريقة عمل، ورؤيا سياسية، وقد يفتح الكلام الحر أبواب الفوضى على مصراعيها، فينفذ منها "اعداء" الوطن، و"المتربصين به"، وتشرِّع "ارادة" الاختيار... والتعبير شبابيك البلاد وسماواتها وسهولها وسهوبها، للانتهاك...
اذاً، فكل كلام "حر" كل ثقافة حرة، كل مسعى إلى تأكيد الوجود، تؤدي الى الانتهاك.
إذاً، ولكي يبقى الناس في أمان، عليهم أن يخافوا من القول. ولكي يبقوا راضين قانعين مرضياً عنهم، عليهم أن ينتظروا هذا الاستحقاق، وأي استحقاق آخر، كهدية، أو كهبة، أو حتى كلعنه من دون حتى التعليق أو الشكر... أو الكفر.
لكن ثقافة العبودية هذه التي يخترقها غربان السياسة والطائفية عندنا، أي ثقافة الغاء الذات، (والانسان داخلنا) بدأت تتصدع وبالفعل... صار يفضل الناس ان يبنوا ثقافة الخوف من خوف الحرية، ولو كلفتهم ما تكلفهم، بدلاً من أن يبنوا في محاذاة آباء "الهول"، اهراماتٍ من الرعب والصمت والقبول...
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.