8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كلام مٍن ذَهَب

شهدنا أول من أمس الخميس حركتين متعاكستين: الأولى استمرار كسر طوق الصمت بالكلام على "الاستحقاق"، وتعديل الدستور أو عدمه، والثانية كسر طوق الصمت عن الكلام من خلال مقاطعة استخدام الخلوي. في الأولى يبدو الكلام من "ذَهَب"، وفي الثانية يبدو "الصمت" من "ذَهَب". في الأولى محاولة ممارسة ما تبقى من الديموقراطية بالكلام، وفي الثانية ممارسة ما تبقى من الديموقراطية بالصمت.
إنها لمفارقة! لكنها المفارقة التي تصنع حيوية كل مجتمع، قرر الخروج على ثقافة الإكراه المتمثلة بالصمت حيث يجب الكلام. وبالكلام حيث يجب الصمت. وإنها لمفارقة غير اعتيادية، لأننا، وبفعل الخوف والتردد والتواطؤ كنا نخلط على امتداد العقود الثلاثة الماضية، بين الكلام المُجدي والصمت غير المُجدي، أو بين الكلام غير المُجدي والصمت المُجدي، الى درجة لم نكن لنميّز فيها، أو بالأحرى لم يكن مسموحاً لنا أن نميّز، بين كلام اخترنا أن نقوله، وبين صمت لم نختر أن نلتزمه. يعني، لا الكلام، إذا قلناه، كان كلامنا، ولا الصمت كان صمتنا. ذلك أنه ضعف الديموقراطية، وتنامي ظواهر الاستبداد، يردمان الفجوة بين الصوت والصدى، وبين الوجه والقناع، وبين "العيش" والحياة. أكثر: يمحوان الحدود بين الكلام وعدمه. وتالياً بين الموقف وعدمه، بحيث تتساوى الدلالة بينهما في ما يمكن أن نسميه "اللاجدوى"، والذي يعكس اللامبالاة، والى حد كبير اليأس والإحباط. "لا شيء يغير شيئاً". "ما نفع أن نكتب" أو نصرخ. أو نتخذ موقفاً. أو نتظاهر. أو نقول "لا". أو "نعم". كلها متساوية ليس كالأسنان فقط وإنما كفرشاة الأسنان. هي ثقافة "موت الداخل" تتفشى. وكذلك "موت الخارج". وموت القضايا... والهواجس والشغف.
هذه الثقافة، تعمد السلطة (أي سلطة) الى تعميمها، لتشل كل احتمال للتعبير عن أي تململ تجاهها، أو أي مواجهة لممارساتها، أو حتى كل صرخة في وجهها. من هذه الثقافة بالذات، خرج مختلف أنواع الاستسلام للأمر الواقع: السياسي. الأمني. الاقتصادي. الاجتماعي... منعكساً على الأفراد انعكاسه على الجماعات المنظمة عبر الأحزاب والحركات، أو غير المنظمة. فلنقل إنها ثقافة القبول، والخضوع وطأطأة الهامات و"حفترة" الرُّكب. هذا ما حدث في الحرب التي يسمونها "أهلية"، عندما تحول الناس، وبفعل عوامل كثيرة، الى مجرد آنية تحمل ما يُرمى بها، وتنضح بما تُملأ به... هذه الثقافة التي تُشَيّئ البشر تعطل كل إمكانية للتفكير الخاص، وللإحساس الخاص، ولردة الفعل الخاصة... وللفعل الخاص: آلات معطلة تجوب مصيرها، بلا بصيرة، ولا عقلانية، ولا وعي لشروطها ومصالحها: فلتنتصر الغرائز وعماء الحواس.
إنها ثقافة، اللااختيار: نقبل ما يُختار لنا وعنا ونتوهم أننا اخترناه. أو على الأقل نقبل ما يختار لنا وعنا وكأنه هدية أو عطية... أو راحة بال أو "القناعة كنز لا يفنى".
كانت الحرب مرحلة اللااختيار بامتياز. وتالياً مرحلة "اندثار" المجتمع المدني. ففي المراحل التي يتعذر فيها الاختيار، يتعذر فيها قطعاً التعدّد، وتعمّ سياسة القطعان، والأحادية. والقطع. والتقسيم. والتعصب. والانغلاق. انه زمن الصوت الواحد. وزمن الصوت الواحد هو زمن اللااختيار. واللاحرية. واللاتفكير. واللاموقف. واللاموقع. واللامجتمع. واللامدنية. وعندما نتكلم على غياب المجتمع المدني، أو عن ضعفه، فلأن هذا المجتمع لم يعد قادراً، عبر أدواته ووسائله، على اختيار صورته، وتناقضاته، وسلطته، ونظامه.
والمجتمع المدني اللبناني عانى أزمنة عسيرة، كادت تجهض مكوّناته الأساسية: في الزمن الميلشيوي أيام الحرب، والزمن المؤمنن بعد الحرب. في زمن الطائفية المنظمة بالقمع، وفي الزمن المعسكر بالأمن. والمَلْيَشة والعسكرة وجهان لعملة واحدة، رصاصهما يصيب المجتمع بحيويته ومدنيته. لكن، وحتى في أوج طغيان "الوجهين" (أو القناعين) كانت الهوامش وإن ضيقة تعلن ذاتها، ورفضها، ووجودها: سافرة، حية، عارية إلاّ من قوة إيمانها، وأسئلتها، وقدرتها على الاختيار. بل كأن هذه الهوامش اخترقت بصمودها وشفافياتها المجموعات الواسعة، بناسها وقياداتها وظواهرها المعممة، لتشكل طليعية ما، باقتراحاتها الديموقراطية، ووضوح اختياراتها، وصمودها، وإراداتها المشحوذة. وقد تمازجت في فترات عديدة هذه الطليعيات الديموقراطية الحرة والمجموعات البشرية المنتسبة (بفعل ظروفها الاجتماعية والتاريخية) الى فضاءات القبول، في الانتخابات النيابية الأخيرة، عندما هزمت مشروع العسكرة، وها هي تجتمع اليوم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لصد محاولات تجديد طرح العسكرة والأمننة... وتحطيم مكونات المجتمع وتطلعاته وتفتحاته.
لذا نرى أن ارتفاع الأصوات من كل الجهات، اليوم، (وبلا ردع ولا رادع)، هو تعبير عن ثقافة احتجاجية بدأت تستعيد ملامحها وسطوتها وحضورها. ونظن أن فحوى هذه الاحتجاجات التي تنطلق بمواقفها الرافضة تعديل الدستور، من مراجع نيابية وسياسية وثقافية، تكمن في رفض تجديد السيناريو "الرمزي" لتفتيت عناصر المجتمع، وصلاته، وتماسكه، وطاقته، وآلياته، خوفاً من تجديد "شبح" النظام العربي من ناحية، وشبح "الحرب" المعسكرة على الهوامش الحرة، واستحضار "مآثر" السلطة "المؤمننة" قديمها وحديثها، والعودة بكل شيء الى الوراء: الرقابة (الغبية)، التنصت، الاعتقالات التعسفية، مطاردة المثقفين والصحافيين، السيطرة على الإدارات، التغلغل داخل المؤسسات، حماية الفساد والفاسدين، فتح الملفات لترهيب الناس، العبث بالدولة باسم الدولة، وبالقانون باسم القانون، وبالحرية باسم الحرية، والديموقراطية باسم الديموقراطية. بالنقابات باسم النقابات. والأحزاب باسم الأحزاب. واستخدام القضاء لخدمة السياسة... .أي تجديد مشروع انتهاك كل شيء في المجتمع سعياً الى مصادرته أو استيعابه. أي فصل عناصر هذا المجتمع عن مكوناته ومعادلاته واحتمالاته المدنية، التي تتأسس عليها مكونات الدولة نفسها.
أوليس هذا ما تمّ فعلاً في الزمن الميليشيوي أثناء حروب الآخرين علينا؟ أو ما حدث أيام الشهابية والمكتب الثاني والدكتيلو؟ أوليس هذا ما حدث منذ سنوات وأجهض، ونراه اليوم مشروعاً يتجدد واضحاً عبر تسليع الدستور، واسترجاع مناخات العسكرة، وأشباحها، للتمكن من كل ما ينبض حُراً أو حياً في المجتمع؟
على هذا الأساس، تتجاوز المسألة القائمة الأشخاص والمرجعيات، وحتى بعض المناورات والتكتيكات، الى ما هو أعم: تغيير النظام القائم السيئ الى ما أسوأ. أو بالأحرى استغلال نقاط ضعف النظام وهي كثيرة، لتبنى عليه استبدادية من نوع جديد. أو فلنقل صيغة استبدادية تجمع بين مخلفات الأنظمة البوليسية العربية والعالم الثالثية، وبين مخلفات الظواهر الميليشيوية. أي خلط ما هو مكرس من أساليب القمع الرسمية مع مناحي التفلّت والخروج على القانون التي تعززت في ممارسات قوى الأمر الواقع أثناء الحرب: أي عقل ميليشيو ـ بوليسي يسعى الى تحديث وتزييت الأسلحة الاستبدادية وكل وسائلها وتقنياتها وخبراتها. وقد يحل القانون هنا (ليكون سبباً للاستبداد) محل الطائفية في الحرب، ويحل شعار دولة المؤسسات، محل ذهنية الإدارات المدنية، أو الحس الكانتوني، الذي يحمل مشاريع التقسيم، والتقسيم في هذه الخطة الميليشيو ـ بوليسية، يقوم أولاً على تهميش الأسس التي تربط القوى الاجتماعية ببعضها، وثانياً على تفكيك الأدوات المدنية المشتركة، ليصبح المجتمع من دون أي حماية، أعزل بين أنياب وبراثن الآلة المعسكرة، مما يؤدي الى إلغاء الحياة السياسية ليحل محلها "القائد" الأوحد. و"المنقذ" الأوحد، والمؤسسة الأحادية، و"المجتمع" الواحد المحكوم بالذراع الواحدة.
ونظن أن محاولة إضعاف المجتمع المدني الذي من شأنه إن تطور استيعاب مختلف الظواهر الدينية والطائفية المتطرفة، وإحلال طغيانية غير مدنية محله، سيقوي هذه الظواهر التي أشرنا إليها، وسيساعد على مضاعفة عوامل التقسيم، وتعزيز المناحي، والنوازع اللاعقلانية وتعميق الميول المتعصبة، وعودة الناس الى بؤرهم المذهبية والعشيرية، احتماء من تلك الطغيانية غير المدنية؟ أوليس هذا ما حدث أثناء الحرب، عندما هيمنت على البلاد المجموعات المسلحة باسم حماية مصلحة الطائفة أو المذهب أو العشيرة؟ أوليس هذا ما يحدث أمامنا اليوم في العراق: الطغيانية الصدامية التي قضت على مقومات المجتمع المدني والحريات والنقابات، هي التي استولدت مجتمعات سفلية طائفية وعشيرية ومناطقية، تهدد وحدة البلاد وتاريخها وثقافتها ومصيرها؟ أوليس هذا ما يحدث أيضاً في العديد من الدول العربية التي، وبفعل الاستبدادية الفوقية، تطفو على براكين من النزعات الدينية والطائفية المتطرفة؟ أوليس هذا ما جعل الكثير من الأنظمة العربية بلا بديل سوى ظواهر العنف والجهل والماضوية والسلفية المغلقة؟
ومسألة البديل نعني بها تداول السلطة (لا فرضها ولا افتراضها ولا امتلاكها كعقار خاص أو ككرسي هزاز)، أي ما يفرزه تعدد المجتمع الديموقراطي عبر التنافس والصراع من ضمن المؤسسات الحزبية والنقابية...
هذا ما نخشى أن يحصل في لبنان إذا مُدّد أو جُدّد للتوجهات الأمنية، (التي رأينا علامات كثيرة من علاماتها على امتداد السنوات الأخيرة). وعلى هذا الأساس لا يقض مضاجعنا شخص ما أو مادة في قانون أو دستور، بقدر ما يقضنا التسلل من استحقاق ما، عبر مادة قانونية ما، وتواطؤات ما، الى تكريس ما يُدمّر المجتمع المدني... ويفتح المجال لعسكرة من فوق، ولتشرذمات طائفية تقسيمية من تحت، ولتبعية من كل الجهات.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00