8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كم كان صدّام وحيداً

عندما سَلَّم الأميركيون صدام حسين للحكومة العراقية الموقتة (رئيسها عميل سابق وحالي للمخابرات الأميركية وصرَّح أنه يفتخر بذلك)، كأنما كانوا يسلمونها "السيادة" متمثلة بالرئيس العراقي المخلوع. وعندما ظهر صدام على التلفزيون بمظهره الجديد مزيحاً إلى حد كبير الصورة الأخيرة التي أطل فيها بعد استسلامه وخروجه من القبو أو النفق الأرضي، بدا وكأنه، فعلاً، هو "السيادة" المسجونة، والخاضعة للمحاكمة وراء القضبان.
بل بدا أن بين القاضي الذي لم نرَ غالباً سوى ظهره ومؤخرة رأسه، وبين صدام المواجه للكاميرا، وكأن السيادة تقف في العراق بين منعطفين فعلاً، أو بين زمنين. زمن القاضي الذي يحاكم ولا يظهر له وجه، وكأن "السيادة" التي يمثلها، بلا وجه، أو فلنقل في مكان خلفي، وزمن "الدكتاتور" الذي ملأت الشاشة الصغيرة قسماته الطاغية، القوية، وإن على وهن وتعب. إنها "سيادة" الدكتاتور السافرة، المكشوفة، بل وتراءى لنا، ان هذه السيادة التي تمر عبر تحافير جبينه، وفي صوته الهجوم، وكأنها سيادة واقفة على أطلال. سيادة الماضي، بكل ما تحمل من تواريخ وطغيان وشراسة. إذ تتذكر هنا أن سيادة الدكتاتوريين لا تعني دائماً سيادة البلاد. ولا سيادة القانون. ولا سيادة العدالة. ولا المجتمع. وحدها تقف سيادة الدكتاتور في الدكتاتور نفسه. في مونولوجه السيادي الذي يجب ألا يشاركه فيه أحد من العباد. وكم شعرت بذلك عندما تفرَّست في ملامح صدام وهو يتكلم بثقة هنا، وبعنف هناك، بمنطق، وبلا منطق، بصخب وهدوء، كأنه لم يكن في محكمة ولا في محاكمة ولا أمام القاضي. هذا الأخير بدا (كالسيادة التي يمثلها) مجرّد كرسي في كرسي. وملابس في ملابس. وصوت بلا صوت. وحضور بلا حضور. ظل انسان مقابل ظل ماضي. ولهذا ـ عندما راح صدام يحكي، تهيأ لي، أنه لم يعد يرى القاضي ولم يعد يسمعه. اختفى من أمامه. وامتد فراغ متسع أمامه. عدم خاوٍ. مسرح بممثل واحد: فصدام هو صدام. هذا ما قلته. اختفى القاضي وارتجل هو مونولوغاً طويلاً. مونودراما على خشبة متقشفة. فالدكتاتور هو الدكتاتور. يتكلم وحده. ويمحو مَنْ أمامه. وكما كان صدام وحده يحكي. وحده يفكر. وحده يهذي وحده يتسلطن، على مدى ثلاثين عاماً من الحكم، فقد أكمل هذا المونولوغ (السيادي) لكن من خلف القضبان هذه المرة. عزلة الدكتاتور في الماضي، أيام السلطة والتسلط، كانت عزلة السيد المتسيّد، الآمر، الناهي: وهي لا تختلف عن عزلته الحالية وهو يحكي ويحكي. ولهذا لم يبدُ لي أن صدام كان يدافع عن نفسه. (وأمام مَنْ؟ وهو لا يعترف حتى بسجّانيه)، بقدر ما كان يمارس سلطة الكلام المتبقية لديه. الآخر أي القاضي، أيضاً، ما كان يسائل صدام. وربما ما كان يُحس بأنه يحاكمه. فقط كان يحمي امحاءه في سلطة منحت له، وهو، لا يعرف ماذا يفعل بها. فقط كان ربما يجرّب صوته لكي يُحس بوجوده. الاثنان عالمان مختلفان لم "يلتقيا". عالم السيادة التي يحترفها الدكتاتور ولو وحده. ويبرع في استخدامها، وعالم الاختفاء الذي يتمظهر بسيادة مجهولة. أي أن السيادة التي كانت في الزمان المنقضي جزءاً من ضمير المجتمع، والحاكم، والنخبة، بمعانيها الاستقلالية والتحريرية، لم تعد اليوم، من هذه التوابع والمجازات. صارت ظلاً للسلطة. أو للتسلط. هكذا جعلها الاستبداديون في العالم العربي وفي كثير من بلدان العالم الثالث. لكنها كانت على الأقل تعني السيادة. أي الاستقلال الناجز، وإن كانت الصورة المقلوبة للبطش. هذا ما كنت أراه في ملامح صدام. وفي صوته. وفي كلامه. خطابه الخلفي خطاب السيادة ـ السلطة، السيادة ـ المحكم المطلق، فكأن السيادة لا يحققها سوى الأقوياء. سوى المستبدين. ولا يضمن سلامتها سوى سلاح الرأس الواحد. أو الحزب الواحد. أو العائلة الواحدة. فمسألة السيادة هنا مسألة شخصية أو عائلية بقدر ما هي وطنية أو شعبية أو حزبية. ذلك أنها كانت وبرغم صعود الدكتاتوريات مسألة جوهرية في الضمير والحكم. السلطة تعني السيادة، والتحرر من الخارج؛ أوليس هذا ما فعله عبد الناصر والسادات ومختلف القيادات العربية الاستقلالية؟
اليوم كأنما صار هناك فارق بين السلطة والسيادة. هنا سيادة بلا سلطة، وسلطة بلا سيادة.
القاضي الجالس قبالة صدام حسين سُلِّم "سيادة" وهمية. لكنه "يمثل" سلطة. والسلطة الممنوحة للحكومة التي عينته سلطة آتية من احتلال. والاحتلال ما زال موجوداً. ويعني أن السيادة غير موجودة. ومع هذا فرئيسا العراق يمارسان الآن سلطة بلا سيادة، عرفات في فلسطين يمارس ما يمارس من سلطة على أمكنة بلا سيادة. أمكنة تهيمن عليها اسرائيل. ومع هذا فحكومته تعمل وتمارس وتفاوض. إذاً سلطة بلا سيادة. بعض البلدان العربية محتل جزء من أراضيها. إذاً سيادتها على أرضها غير كاملة. ومع هذا فسلطتها قوية. النظام العربي ككل يفتقد السيادة على بعض قراراته وحكمه، بفعل عوامل كثيرة: التبعية للولايات المتحدة أو لسواها، والخضوع للعبة السوق والشركات والهيئات الاقتصادية العالمية. مع هذا تمارس أنظمته سلطاتها وتسلطها بشكل جيّد ومرضي إلى درجة تحويلها الحكم إلى إرثٍ عائلي أو عشائري... القاضي كما بدا من الخلف، وبجلسته القلقة، وكأنه رسم مُصغَّر لهذا النظام العربي الآتي. صدام بنبرته، وصولته، وهيئته، وحتى ملابسه، وشعره "الأسود" ولحيته البيضاء وبنظراته الحادة، المتشبثة بها تقول، وبما تفكر وبما تعلن، كأنه رسم مصغر أيضاً لنظام عربي يترحل، أو ينقرض. عالم اختزله الدكتاتوريون نصاً وروحاً. عالم تداخلت فيه الأحلام والشعارات والهزائم والمقاومة والبطولة والنزعات السيادية والميلودراما والقتل والنرجسية والتفرّد والشعبية والحكمة والجنون، والضبط والانفلات، والتعقل والمغامرة... عالم الأمس، فلنقل ـ العالم الاستقلالي. وصدام جاء من كل هذه الخلطة: من الشغف حتى القتل، ومن القتل حتى الاستبداد، ومن الجنون حتى "الألوهة"، ومن "الألوهة" حتى الجبن. من شخصيات "الملك أوبو" لجاري، أو من فتات شخصيات بيكيت في "نهاية اللعبة" أو حتى في ملامح "الملك لير"، ممزوجة بـ"هملت"، و"مكبث"، و"فاوست" ومفيستو... لعبة كاملة، في مرحلة كاملة ها هي أمامنا على الشاشة الصغيرة، ولهذا عندما تقرر أن تبقى أمامها وتُكمل "المحاكمة" (أو ما قدّم منها)، وتستمر في الاصخاء والتفرُّس، لتبيان ما يدور في نفس "الزعيم"، و"القائد"، و"البطل"، و"الاله"، و"النبي". وما يهجسه في دخيلائه، تمتزج فيك مشاعر وأفكار وأحاسيس متناقضة متباينة. بين أن تشفق على هذا "العملاق" الآتي من "الماضي"، وبين أن تحن حتى إلى هذا الماضي، إذ تنبعث منه، وعلى امتداد العالم العربي، عبق التضادات والمفارقات والمفترقات، وبين أن تحقد على هؤلاء الذين حكموا بالنار وبالحديد، وقتلوا ونهبوا وملأوا السجون وارتكبوا المجازر... والهزائم وفتكوا بالعباد، من أجل بقائهم في سلطة ربطوها بالسيادة، وبسيادة ربطوها بمصير شعب، وبشعب ربطوه بأهوائهم. هذا العالم "الخلفي" ليس كله من الماضي وهذا طبيعي. فكثير من الماضي عاد وترسخ في الحاضر، على أن يعزز رسوخه في المستقبل، ليكرر التاريخ نفسه، لكن هذه المرة، على شكل مهزلة.
وهذا ما أحسسته من خلف كلام صدام ونبراته: ميلودراما تفوح من كل وجهه: من شقوق قسماته، وتحافير جبينه، (والتنافر بين لون شعره ولحيته)، إلى لجلجة صوته، إلى صرامته، إلى تماسكه، وهزاله. كل ذلك كأنه من ماء. من مادة تسيل نحو السقوط من أحجام تتهاوى بين البكاء المخفي، والحسرة المضمرة، وبين الصراخ الذي تكاد لا تميّزه عن الاحتضار. لكن هذه الصورة التي ظهر فيها صدام، أي هذه الميلودرامية، أو (التراجيكوميدية)، كأنها أيضاً صورة الحاضر الذي يمثله أهل النظام العربي. صدام مرآتهم الأولى الكاشفة. (نذيرهم). مثالهم المكابر. فكأنك ترى في هذا الوجه الصدامي "المحفور" على ضعف وعجز، وجوه الصداميين العرب كلهم، الذين (كالقاضي الذي يحاكمه) في لبوس آخر. في لبوس، مَنْ زلزلت تحته الأرض، وها هو، يترنح، وفي ترنحه، يحاول الاستمرار في الوقوف ولو على فراغ. ولو على كرسي مُصَادَر. ولو على سلطة متقاسمة مع أهل الخارج وفي طليعتهم أميركا. ولهذا تُحس وكأن هذا القاضي "الظل" هو فزاعة المرحلة المقبلة. وكأنه، وهو يستجوب صدام، كأنه يستجوب كل زعيم عربي وربما ثالثي. ولهذا فمن الطبيعي أن ترى، من خلال زوغان نظرات صدام، زوغان القادة العرب كلهم. قلقهم. خوفهم. هروبهم إلى الأمام. استدراكهم. كأن صورتهم المقبلة أمامهم على الشاشة الصغيرة، في صدام وفي القاضي (جلادهم الآتي من بلاد العم سام).
فصدام طالع من نسيجهم. ومن مكوناتهم. وهو قرينهم. والقاضي الجالس بلا ملامح. بلا وجه. هو كل هؤلاء الذين "جلبوا" ليحرروا العراق، ويؤرخوا لتاريخ جديد يشبههم. إنهم الساعون إلى سلطة بلا سيادة. وربما إلى سيادة بلا سلطة. كأنه الوقت الذي بدأ فيه (أو بدأ يتكرّس) ما يمكن أن نسميه زوال "الأوطان"، وتبدد "الحدود"، وموت الأفكار... وقت التفكك. ووقت التفكك هو زمن القبول بلا شروط. قبول تداعي السيادة والاستقلال والمؤسسات مقابل البقاء حارساً للآخر. حارساً لمصالح الآخر. حارساً لمطامع الآخر. واستباحاته وتبريراته ووحشيته أيضاً.
صدام حسين كان خطابه أمس قديماً متقادماً، بلا جذور. ولا مآل. ولا فضاء. مونولغ يحاول صاحبه إثبات أنه عاد من عالم الغيب فقط عاد من هناك... وسيعود إلى هناك. فكم كان الدكتاتور وحيداً أمام الكاميرا. وكم كان وحيداً وحيداً أمام القاضي حامل علامات "المستقبل" الآخر ونذائره السود.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00