عندما كان العالم العربي في مرحلة انتقاله "المظفرة" من عهود "الرجعية" و"التبعية"، إلى "الثورية" بضروبها وصنوفها وتنويعاتها الانقلابية والعنفية وصولاً إلى الاستبدادية، والحكم الفردي المطلق (المُمَوَّه بجبهة عريضة مزعومة)، وعندما كانت العسكرة المتخفية أو السافرة عبر ذوي الخوذ والقبعات والدبابات تزحف على المجتمعات العربية لتقتلع من نسيجها، السمات المدنية والديموقراطية، بقوة الأجهزة الأمنية وطغيانها وتخلفها (الثوري) كان لبنان، في ذلك الزمن في المنقلب الآخر: في منطقة سيادة تنويعات المجتمع المدني، بآلياته وأدواته ودوائره وأحزابه، والضاج بالاحتمالات والتحوّلات.
عندها، قيل إن لبنان هو أضعف الحلقات العربية، قياساً إلى أن الحالة فيه كانت تعبِّر عن صراعات فكرية وحزبية وسياسية تتضمن طاقات التطوّر الديموقراطي، وتحوَّل المجتمع من مرحلة الإقطاع الطائفي والديني إلى مرحلة النهضة العمومية (المدنية).
كان لبنان "الضعيف" بحريته "المحدودة" وديموقراطيته "الناشئة" (بعد الفترة الاستقلالية)، أشبه بالاستثناء، لا لأنه "وطن النجوم أنا هنا"، ولا لأنه لعب الدور البارز في النهضة العربية، ولا لأنه كان مصنعاً من مصانع الأفكار والثورات والتقدّم، على امتداد أكثر من قرن فقط، وإنما لأنه، وبكل بساطة لم يكن يشبه محيطه "غير الاستثنائي". بمعنى آخر، كان ثمة صراع مكشوف بين لبنان الاستثنائي ومحيطه غير "الاستثنائي". بين "الشذوذ" وبين "القاعدة". وتالياً بين العسكرة كأداة لإلغاء العقل المدني أو تعطيله، وبين "التَمَديُن" كمناخ متعدد لمقاومة العسكرة الأحادية. ولهذا، بدا وكأن كثيراً من المثقفين والسياسيين والشعراء والمنظّرين "التغييريين" (بحمده تعالى) رأى في هذا الاستثناء "ضعفاً ذاتياً عضوياً"، وقصوراً عن مواكبة الانتفاضات الكبرى المسلحة والأنظمة "القوية". بجيوشها وعسسها وأجهزتها وسجونها الفائضة، ومقاصلها المشحوذة. فمقياس قوة الشعوب بالنسبة لهؤلاء يكمن في قدرتها على الخضوع لمركزية الاستبداد المدجج وليس لتنوّع أشكال الصراع السياسي السلمي. عظمتها بالنسبة إلى هؤلاء "المنظرين" تكمن أيضاً في قبولها "القومي" و"الديموقراطي" و"الوطني" و"النضالي" بفكرة الحزب الواحد، والمستبد الواحد، والمجتمع الواحد، والهوية الواحدة، والرأي الواحد، والطغيان الواحد. أي قبولها إلغاء الشعب المتعدد الانتماء والهوية كمصدر للسلطة ولصورة النظام وبنية الدولة. وهذا يعني فصل المجتمع بطبقاته وتناقضاته وآلياته عن الطبقة الحاكمة التي يجب أن تستمد شرعيتها من نفسها، ومن أجهزتها وهيمنتها الفوقية.
وقد عزز هذه التوجهات الاحادية، استزراع اسرائيل في قلب فلسطين، ومن ثم احتلالها أراضي عربية وصولاً إلى غزوها بيروت... وبدلاً من أن يكون النضال من أجل تحرير الأراضي العربية المحتلة، سبباً من أسباب إرساء الديموقراطية وتنشيط أدوات المجتمع، وتحريك مكوناته وتفعيلها، لتقوية العلاقة بين هذه البنى التحتية والسلطة، فقد فعلت الأنظمة عكس ذلك كله. اتخذت من الصراع العربي ـ الاسرائيلي ذريعة لمزيد من تأصيل العسكرة، وإسكات الإرادات المختلفة ومصادرة الحريات، وإفلات الأجهزة بغرائزها وساديتها وجهلها على الناس والصحافة والنقابات والجامعات والكتّاب والمفكرين، تحت شعارات عديدة منها "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وهذا يعني إخراس كل صوت من خارج الجوقة الرسمية يواجه أو ينتقد سياسات السلطة الفوقانية. ومن هذه الشعارات "توحيد البندقية"، و"توحيد النضال"، و"توحيد الخندق"، وهذا يعني أيضاً اختزال كل الاحتمالات والاعتمالات الشعبية في سلاح واحد أحد هو سلاح النظام، وقبضة واحدة هي قبضة الأمن.
بيروت آنئذ، وكأنها كانت تعيش حالتها الاستثنائية الخاصة وسط تنامي الظواهر الاستبدادية العربية: المجتمع المدني يحاول صوغ أفكاره وأدواته الحزبية والنقابية والطالبية والسياسية والاجتماعية في نزعة عارمة نحو الخروج إلى ديموقراطية تجمع بين الحرية كوسيلة تفكير وحياة وتعبير، وبين الحرية كمضامين اقتصادية وسياسية.
وكان المعسكر العربي الطغياني يمعن آنئذ في تعزيز سلطته "تعزيزه" هزائمه الداخلية والخارجية، وتطوير أساليب القمع والفساد والهيمنة، لإلغاء كل ما من شأنه أن يتململ أو يتحرّك أو يحتج في وجه السيطرات المتشابهة والمستنسخة.
لكن المفارقة الكبرى بدأت تتمثل في كيفية أن ينجو لبنان من وباء محيطه وتحديداً الدكتاتورية. إلى متى يستمر هذا البلد "فضيحة" لهذا النظام العربي، من خلال تكريس وجود المجتمع المدني. بمعنى آخر إلى متى يصمد لبنان عبر ازدياد الضغط حوله، بوجوب الخروج من هذا "الضعف" الاستثنائي إزاء القوة العمومية الأمنية الزاحفة بزخم وانتهاكها للدولة وللقانون وللهيئات والأطر الأهلية.
وكيف يمكن إقناع بعض النخبة الثقافية والسياسية والايديولوجية بأن قوة هذا البلد (لبنان) من قوة مجتمعه الحر، لا من قوة عسكره "الضعيف". كان ذلك بمثابة اجتراح معجزة. حتى بدأت "تباشير" النظام العربي الموبوء تلوح في نهاية الخمسينات بوصول جنرال اسمه فؤاد شهاب إلى السلطة. هذا الجنرال كان شخصاً "آدمياً" (كما يقال) حاول أن يبني دولة حديثة يجمع فيها بين الانماء والأمن. لكن ماذا يمكن أن نفعل بأجهزته ومخابراته التي اجتاحت المجتمع، وعاثت فساداً وقمعاً. فتدخلت في أمور الناس الشخصية، وفي الانتخابات ونكلت بالأحزاب أي حاولت بطريقة أو أخرى مصادرة المجتمع المدني. على أن هذا المجتمع أفشل هذه التجربة، وارثة النظام العربي المتخلف، محاولاً حماية أدواته وآلياته. لكن الحرب كانت أسبق. وعندها تعسكر المجتمع، وتَمَلْيَشَ، ليتم القضاء على تلك التجربة الاستثنائية التي مثلها لبنان ما بعد الاستقلال، بكل عيوبها ونواقصها وهناتها، ومن ثم ليتم القضاء أيضاً على مجمل البنى الحزبية والسياسية (العلمانية منها والاقطاعية والمذهبية)، التي خرجت من الحرب مصادرة، ومنهكة، بلا أفق فكري واضح، أو ايديولوجي محدد، أو حتى طائفي متبلور. خرجت بلا ملامح. ولا انتصارات. ليكون لها أن تُستوعَب في معادلات جديدة معممة داخلية وغير داخلية. على أن الاعتمالات المكبوتة داخل المجتمع، على مدى سنوات الحرب وبعدها، كانت تتنفس وإن ببطء، وتطل وإن بخفر، لتعبر عن نفسها في تجمعات أو هوامش مستقلة، أو ضمن مناسبات مشتركة. أي لتقول إن قوى الأمر الواقع، القديمة أو الجديدة، والصيغ المرتهنة، لم تطمس حيويات هذا المجتمع. وهذا ما برز بعد انتهاء الحرب، وبعد "التسوية"، ومحاولة تطبيق الطائف، عندما، وبرغم تعرّض المجتمع لإصابات بالغة في كيانه ونسيجه وتاريخه، بدأ يستجمع آلياته، ويرتب أدواته، ويطرح على نفسه الأسئلة الأساسية عن الحرية، والديموقراطية، والطائفية والاستقلال.
أي أن هذا المجتمع الذي "عُسكِرَ" بظواهر العنف والتعصب والانغلاق، حاول بكل بساطة أن يستعيد ملامحه وقسماته المدنية. كأنما هزه الحنين إلى الحياة الطبيعية أولاً، وإلى زمن الحرية والديموقراطية، وإلى استرجاع دوره المعهود في الاقتصاد والاعمار والثقافة والسياسة. فكأنما كانت تلوح، وراء كل المظاهر الطائفية المصنّعة يومياً، تباشير أفق جديد تختلف عن تلك التي سادت أثناء الحرب والتي جعلت لبنان "نظاماً" توتاليتارياً لا يختلف عن الأنظمة العربية التي ساهم العديد منها في صناعة الحرب على امتداد عقدين. أي أن مشاعر كثيرة أدركت فداحة أن يطمس "الاستثناء" اللبناني، ليحل محله نموذج التوتاليتاريات العربية وغير العربية، أو حتى التعميمات الطائفية (كسلاح للسلطة) التي تسود مختلف الأنظمة العربية لا سيما تلك التي تتحدث عن "طائفية" لبنان وكينونته الطائفية في الوقت الذي تعوم فيه على بركان من الطائفية والمذهبية.
ولكن يبدو أن الحنين إلى الديموقراطية "المدنية" عند الناس، وبرغم الظواهر الطائفية المعلبة والمصنّعة، واجهه في المقابل حنين آخر إلى مناخات العسكرة التي برزت في نهاية الخمسينات وحتى منتصف السبعينات. هذا الحنين حركه هاجسان: مركزية سلطة ورثت من النظام العربي الاستبدادي ما ورثته من تغليب "الأمننة" على "التَمَديُنْ"، والسياسة وتسريب النَفَس المخابراتي ببشاعته إلى مختلف الميادين (الرقابية، منع التظاهرات، تفتيت الحركات النقابية لاستيعاب بقاياها). والهاجس الثاني وراثة ذهنية الميليشيات في تدمير مفهوم الدولة من ضمن ما نص عليه الدستور (الطائف) على علاته، واستباحة الشرعية القانونية والدستورية باعتبار أن السلطة المُهَجَّنة بإنجازات النظام العربي وبممارسات الميليشيات وذهنياتها التقسيمية واستغلاليتها الطائفية والمذهبية، مؤهلة لأن تحل محل الدولة والقوانين والتمثيل النيابي والحركات النقابية. نظام "مطلق"، بأشخاص أو شخصانيات تسعى إلى تجسيده بالقوة، لكن تحت شعارات نظافة الكف (أي كف)، والضمير (أي ضمير)، والانتماء إلى دولة المؤسسات (أي مؤسسات)، وسيادة "الأمن" (وأي أمن تصنعه الأجهزة!).
على أن هذا المشروع القائل (ضمنياً) بأن "العسكرة" هي الحل، كرد على "الفساد" المدني، أجهض بقوة الاعتراض، (الانتخابات النيابية الماضية)، أي بقوة رفض المجتمع التماهي بالنظام العربي المخابراتي الذي سقط وأسقط معه الأمة العربية وجرّها إلى هزائم من كل الأنواع والضروب والفنون (وبقي منتصراً يحتفل بهزائمه المظفرة في المناسبات التاريخية). إذاً بدا أن المجتمع اللبناني، وبرغم ظواهره الطائفية، هزم توجهات بعض النظام نحو العسكرة (بغطاء بعض الأحزاب اليمينية والقومية البائدة) ونحو تحويل الواقع، من واقع يحاول الخروج إلى الديموقراطية، إلى واقع "يحلم" بالاستبداد. ولهذا بدا، وللمرة الأولى أن الصراع لم يعد صراعاً طائفياً بين الطوائف، ولا مذهبياً بين المذاهب، وإنما بين مجتمع تشوبه الطائفية لكن يسعى إلى التحرر المدني، وبين سلطة تريد امتصاص حيوياته وأدواته وإلغاء إرادته واجتزاءها أو اختصارها بمشيئات قائمة على القوة والابتزاز يساعدها على ذلك قضاء مستوعب وبعض مرجعيات تغلب الحسابات الذاتية على المسارات الديموقراطية المفترضة.
لكن إذا كان المجتمع اللبناني ربح جولة من الجولات على محاولات إعادة إحياء نظام الأمننة وطغيان المخابرات، (كما ربحها في نهاية الستينات مع هزيمة حكم العسكر...)، فإن إصرار بعضهم، على إعادة الكرة والافادة من الأزمات الاقتصادية، لاستعادة مشروع الهيمنة الاستبدادية، أعاد الصراع إلى نقاطه الرئيسية: مجتمع مدني يقاوم، وطبقة غير مدنية تستخدم كل الأساليب والوسائل (القضاء، الانتخابات، الدستور، الأزمة الاقتصادية، القمع، المنع، الابتزاز، الاتهامات، الملفات...)، لتستعيد عصر "النهج" (الشهابي) برموزه وممارساته الجاهزة. (نتذكر هنا "الدكتلو" وارتين الأسمر والدنكورة...).
ونظن أننا نعيش اليوم مرحلة خطرة، قد تشكل منعطفاً يشبه وإلى حد كبير ما شهدناه قبل الحرب في أواخر الستينات، أي مرحلة قد تكون فاصلة: بين قيام نظام توتاليتاري استبدادي متجدد، وبين انتصار القوة الهامشية والديموقراطية في سبيل مجتمع مدني حر. وإذا كانت الحرب، بأدواتها وأساليبها شكلت انقلاباً على تقدّم المجتمع اللبناني نحو مزيد من التحرر والاستقلال في منتصف السبعينات، فإن حرباً متجددة ومن نوع آخر تعلن راهنياً لتشكل انقلاباً آخر على روح المجتمع المتحرّك ببواطنه وظواهره إلى نشدان ديموقراطيته وهوامشه وخصوصيته، أي انقلاباً يذكرنا بما شهدناه على امتداد النصف الثاني من القرن الماضي في العديد من البلدان العربية والعالم الثالث، انقلاباً يستحضر جنرالات الأمس ودكتاتوريات الفظائع والمجازر والقتل والاضطهاد والقمع، من بوكاسا إلى بينوشيه إلى تشاوشسكو واخوانهم في الدم والعقيدة والنزعة عندنا وفي بلاد الله الواسعة.
والمفارقة المضحكة أنه في الوقت الذي يحاول فيه جنرالات الأمس و"مجانينه" في العالم الثالث الذهاب في اتجاه الاصلاحات الديموقراطية (ولو شكلية)، والانخراط في مجتمعات حيّة ومدنية، من ضمن التحوّلات العالمية والعربية القائمة، نجد أن القوى المعسكرة عندنا "رايحة عالحج والناس راجعة"، أي ذاهبة من مجتمع يتمتع بكثير من حيوياته الديموقراطية إلى نظام مستلهم من تلك الأنظمة الدكتاتورية البائدة. إنهم يوجهون الأمور بباطنية مخيفة نحو انقلابية متجددة بطرق ظاهرها "دستوري"، وباطنها انتهاكي.
هذا المنحى الانقلابي المتجدد والمعروفة وجوهه ورموزه ورؤوسه وقبعاته ومرجعياته ومصادره ومآلاته وأهدافه، لا يتصل فقط بمسألة انتقال سلطة أم بعدم انتقالها، بتداولها أم بعدم تداولها، بتعديل مادة دستورية أم بعدم تعديلها، بقدر ما هو انقلاب "جذري" على الاستثناء اللبناني برمته. ذلك الاستثناء الذي جعل بيروت ذات زمن موئلاً للحرية وللاختيار وللطليعية والديموقراطية، وحصناً يقاوم أمراض النظام العربي وأوبئته وآفاته وموبقاته وشروره.
إذاً معركة اليوم هي بين الاستثناء الحي و"القاعدة" الميتة. بين شرائح مجتمع تُدافع عن وجودها وفاعليتها ودورها ومصالحها، وبين محاولات تسعى بكل الأسلحة لتقلب الأمور رأساً على عقب.
هي معركة بين الارادات الشعبية التي تؤمن بالتعدد الخصب، والاختيارات الحرة، وبين استبدادية أحادية بدأت تطل سوداء ومعدنية عبر نعيق طويل من غربانها وأبوامها...
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.