8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في بلاد الله الواسعة...

تَمَّتْ بحمده تعالى الانتخابات الأوروبية بسلام وأمان، وتجاوزت "شعوبها" هذا القطوع "الاستحقاقي" الخطير. فقرابة 150 مليون ناخب من 25 بلداً أوروبياً غادروا منازلهم، ومحالهم، بلا خوف ولا تردد، واختاروا 732 نائباً في البرلمان الأوروبي من بين 14.669 مرشحاً، ثم عادوا (وبحمده تعالى) آمنين بلا خوف إلى منازلهم ومحالهم. اختاروا ممثليهم لـ"أكبر برلمان ديموقراطي في العالم".
والنتائج جاءت مطابقة لإرادة هؤلاء بلا زيادة أو نقصان. بلا صناديق مضافة ولا صناديق ناقصة، كما توقعها معظم الاستطلاعات التي سبقت عملية الاقتراع: انتخابات ـ عقاب لبعض الأحزاب الحاكمة في أوروبا (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا وإيطاليا). وهذا العقاب ـ الاحتجاجي جاء في طريقتين: الأولى ضعف الإقبال على التصويت (40 بالمائة)، والثانية السقوط المدوي لبعض الأحزاب الحاكمة.
إذاً عكست نتائج الانتخابات إرادة الناس، ويعني أن الشعب هو الذي "استنكف"، وهو الذي اختار. وأحزاب السلطة وصلتها الرسالة بوضوح وشفافية تامين: الموالون خسروا. والمعارضون ربحوا. ويعني أن الذين "فوق" حاسبهم وحاكمهم مَنْ هم "تحت" أو مَنْ يسمون عندنا الجماهير أو القواعد الشعبية. بمعنى من المعاني ثمة حرية مورست، وديموقراطية تجسّدت، واختيارات اتخذت. وبمعنى من المعاني ثمة مجتمع حي، غير مدعوس، وغير مخنوق، مارس حقه في الانتخابات، بلا تهديد ولا خوف، ولا ترهيب، ولا قمع ولا مصادرة.
هذا ما حدث ويحدث في بلاد الله الواسعة البعيدة المتنائية عنّا ألوف القارات والسنوات الضوئية.
ذلك أن الانتخابات في بلاد الله الواسعة عند أهل أوروبا وغير أوروبا... مناسبة لوقفة ضمير. أو الأحرى مناسبة لتجديد الاحساس بالوجود، كفرد، وكمجتمع، وكدولة. والمسألة بسيطة جداً، وواضحة جداً. المواطن يشعر بأنه (وكمواطن) هو الذي يقرر مصيره، ومصير التمثيل البرلماني والبلدي... وحتى الاختياري. هناك ناس حكموا. وناس عارضوا. والمواطن بكل بساطة يحاسب الجميع. الحكومة وطريقة حكمها، والمعارضة وطريقة معارضتها، استناداً إلى برامج العمل والوعود والأفكار والانجازات والأخطاء، وإلى ما يحدده هذا المواطن المنتمي إلى المواطنية من مصلحته ومصلحة بلده.
هذا يحدث في بلاد الله الواسعة، حيث يتجدد مفهوم الدولة والسلطة والموالاة والمعارضة والمؤسسات والدستور والقوانين، انطلاقاً من وعي الناس وإرادتهم. إذاً الناس هم الذين يختارون برلماناتهم، ورؤساءَهم، وقياداتهم وأحزابهم. وهذا بسيط وواضح لأن الأمور كلها مرتبطة بمواقعها. الجميع تحت القانون. الجميع تحت الدستور. الجميع تحت النقد. الجميع تحت المحاسبة. ليس هناك حاكم أو أنفار فوق الجميع. لا فوق الناس ولا فوق القوانين. ولا فوق الدولة. وليس هناك من يعبث ببنية الدولة بحسب أمزجته أو مصالحه أو كرمى لحزبه أو لقبيلته أو لعائلته أو لإبنه أو لخاله أو خالته. فالدولة ليست ملكه. وليست ملك ذريته. ولا هي مساحة عقارية يبيع منها ما يشاء، ويشتري منها ما يشاء. ذلك أن الدولة ملكية عمومية (ملك الشعب) وليست ملكية خاصة. والناس ينتمون إلى هذه الدولة، ولا ينتمون إلى القيادات والقبعات والخوذ والأزرار والنياشين... والحناجر والزلاعيم.
هذا يحدث في بلاد الله الواسعة. وليس عندنا في بلاد الله الضيّقة. فهناك تجرى انتخابات. تعلن أسماء. لوائح. برامج. استطلاعات. أفكار. تنافس. صراع. موالاة. معارضة. يمين. يسار. وسط. ليبرالية. تطرّف. اعتدال. كل ذلك موجود في بلاد الله الواسعة. والانتخابات عادة يقررها القانون وتجري بحسب القانون. اللوائح والترشيحات يعلنها أصحابها. ولا تعلن بالنيابة عنهم. والمعارك الانتخابية تشتعل بين فئات متنافسة معروفة، حدد كل منها طبيعة معركته. من دون أن يحدث أن ثمة مَنْ يحدد سلفاً لهذه الفئات، سواء من طرف السلطة أو من الأبعد من السلطة، لا خصومها، ولا حلفاءها، ولا شكل تنافسها، ولا شعاراتها، ولا لوائحها. فلا الأجهزة. ولا المخابرات. ولا عسس العتمة، ولا ذوو القبعات السرية، هم الذين يفرضون التحالفات والخصومات، والتآلفات والتنافرات.
وفي بلاد الله الواسعة لا تغيّر القوانين الانتخابية بحسب ما يريده أنفار السلطة من هذا الزعيم أو من تلك الفئة. ولا يضغطن أحد من بتوع "الحل والربط" لتعديل المواقع، ونقل المرشحين، من لائحة إلى لائحة، ومن منطقة إلى منطقة.
ذلك أن في بلاد الله الواسعة الأمور واضحة وبسيطة: الذين "تحت" يقررون مصير الذين "فوق"، عبر الممارسة الديموقراطية. وفي بلاد الله الواسعة ينتخب الشعب الحاكم. أما عندنا في بلاد الله الضيّقة، فالحاكم هو الذي ينتخب الشعب. وفي بلاد الله الواسعة ينتخب الشعبُ، عبر البرلمان، الحكومات. أما عندنا في بلاد الله الضيّقة (وطن النجوم أنا هنا...) فالحاكم هو الذي ينتخب الحكومات. وفي بلاد الله الواسعة هناك معارضة معروفة لها أفكارها، وتصوّراتها وتحالفاتها، وعادة ما تكون خارج السلطة. وخارج الحكم. وتسعى عبر اللعبة الديموقراطية أن تصل إلى السلطة. أما عندنا، في بلاد الله الضيّقة، فيمكن أن تكون المعارضة في صلب السلطة، أو تكون أحياناً هي السلطة نفسها، ومع هذا فهي تصنّف نفسها أو تصنَّف معارضة. تعارض نفسها. وتوالي نفسها. وتنتقد نفسها، باعتبار أنها مسؤولة وغير مسؤولة. وعلى هذا الأساس تخوض هذه المعارضة الانتخابات كمعارضة وتستخدم أدوات السلطة وسطوتها وأجهزتها... ومع هذا فهي معارضة تنازل الموالين، الذين بدورهم، لا بد أن يلعبوا أيضاً دور المعارضة، لكن لا أحد يعرف لا مَنْ "يعارض" المعارضين ولا مَنْ يوالي الموالين. وهذا لعمري من أصول الديموقراطية الشفافة عندنا.
وفي بلاد الله الواسعة، هناك مَنْ ينتخب فيكون في السلطة، ومَنْ لا ينتخب فيكون في المعارضة. أما عندنا في بلاد الله الضيّقة، فيمكن أن تكافأ على سقوطك في الانتخابات فَتُعيَّن وزيراً، ويمكن أن تعاقب على نجاحك، فتبعد أو تفتح ملفاتك... وتكال لك الاتهامات من العيار الثقيل. فالملفات في أدراج أهل التحكم جاهزة. وإذا لم تكن جاهزة، فتجهز تحت الطلب وبناء على "الضرورة" والحاجة.
وفي بلاد الله الواسعة، يستمد الحاكم استمراره وبقاءه من إرادة الناس. إما عبر انتخابات مباشرة أو غير مباشرة. إما عن طريق التصويت المباشر أو عن طريق ممثلي الشعب، بناءً على نجاح هذا الحاكم أو فشله أو بناء على قوة شعبيته وضعفها. أما عندنا في بلاد الله الواسعة، فالحاكم هو الذي يريد أن ينتخب نفسه. هو الذي يستفتي نفسه. هو الذي يحل محل البرلمان ومحل الشعب، والدولة، والنظام والسلطة. وبدلاً من أن يستمد قوته من القواعد والناس وقوة الدولة، فإنه يستمد قوته من مجرّد إرادته بالبقاء. والاستمرار. وهو الذي يفترض، (بقوته الذاتية أو غير الذاتية) عندها أن يُجدد للسلطة، وللدولة، وللانتخابات وللشعب، ذلك أن الحاكم في بلاد الله الضيّقة، في بلاد العجائب وأليس، يحل أحياناً محل كل شيء: الوزارات، الرؤساء، البرلمانات، النقابات، الأحزاب، القوانين، الدساتير. "أنا أنطونيو وأنطونيو أنا" (بالاذن من أحمد شوقي).
وعندما يحل الحاكم محل كل شيء، يعني أنه كل شيء. واحد أحد. موحد. أحادي. لا شريك له. ولا صديق. ولا حليف. ولا أنيس ولا مستأنس. إذ أنه، وبقوة عبقريته ومواهبه العظمى وتورم نرجسيته لا يشعر بأنه يحتاج إلى أحد. وإذا احتاج إلى أحد، فليستخدمه ذريعة أو شاهداً "ما شافش حاجة"، أو تابعاً، فإما أن تكون معه أو ضده، ولينقسم العالم قسمين: الأخيار والشرفاء معه، والأشرار والفاسدون ضده. وعلى هذا الأساس، فكل مَنْ ينتقده (وهو المعصوم وذريته أيضاً عن الخطأ) إنما ينتقد عملياً ومبدئياً الخير نفسه، والكمال نفسه، والجمال نفسه، والمقدَّس نفسه. والويل له. أما كل مَنْ يتزلف إليه، فهو يقوم بواجبه الوطني على أكمل وجه. وهذا يعني أن الحاكم عندنا يجب أن يكون فوق المحاسبة وفوق النقد. صحيح أنه يتحمل مسؤولية الحكم، بحكم وجوده وقراراته لكن يلقي على غيره مسؤولية الأخطاء أو ما يراه خاطئاً. إذاً فليبقَ مهفهفاً، نظيفاً، ناصعاً، ولو تلطخت يداه وعيناه بالفضائح والجرائم والفساد، وليبقَ "العدو" والخصم أو الشريك في الخانات السود... يدفع الثمن وحده.
في بلاد الله الواسعة تُحل مسألة الحاكم والحرية والديموقراطية والتسلط وجنون العظمة والأخطاء والأزمات... بالانتخابات الحرة، من ضمن المرجعية "الأبدية" المتمثلة بالناس. وهذا ما حدث في إسبانيا مثلاً عندما عاقب الإسبان أزنار على كذبه. وهذا ما حدث في الانتخابات البلدية الفرنسية عندما عاقب الفرنسيون حكومتهم على سياستها... وهذا ما حدث في بريطانيا عندما عاقب البريطانيون رئيسهم في الانتخابات البلدية أيضاً... وهذا ما حدث. وكما أسلفنا في الانتخابات الأوروبية.
أما عندنا فالانتخابات شيء آخر. وليس على أحد أن يحاسب أحداً. ونتائجها قد تعدّل "سلفاً"، أو بعد الاقتراع... أو تختزل عبر مجيء أناس من فوق إلى تحت، لا يعكسون لا هذه النتائج ولا المذاق ولا المزاج الشعبيين. وهذا يعني أن كل انتخاب عندنا انتخابان: سري وعلني. من تحت الطاولة ومن وراء الكواليس وبإرادات مجهولة وغير مجهولة، ومن فوق الكلام العمومي "المراقب"، رقابة ذاتية أو موضوعية، بحيث لا تعرف، لا ما هي الانتخابات الفعلية ولا هي الانتخابات النظرية... ولهذا لا نعرف مثلاً مَنْ ينتخب مَنْ، الحاكم هو الذي سينتخب الشعب والبرلمان، أم البرلمان هو الذي سينتخب مسيو إكس. ولهذا ربما، على الأسماء المطروحة أو المحفوظة في الطوايا أن تبقى "مجهلة" و"مجهولة" حتى آخر لحظة. وفي آخر لحظة يعرف، الناس عندنا أن مَنْ انتخب، إنما انتخب نفسه... ومَنْ صوَّتَ إنما صوت لنفسه، وأنهم في وادٍ وما يجري في وادٍ آخر.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00