8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مفارقات ومفترقات

يبدو أننا ما زلنا نفكِّر أو نحدس أو نتمثل ما تطفح به أشكال المتغيّرات (أو ما يتبدى أنها متغيّرات) في العالم، من دون أن نحاول دائماً تبيان أهلية هذه المتغيّرات، وطبيعتها وصلاحيتها في عمق ضمائرنا الفردية والجماعية... كأن كل شيء يتكدّس على كل شيء. كل شيء يطفو على كل شيء، لتبقى الطبقات السفلى غارقة في ثباتها وسكونها وغيابها.
فلنتأمل: في القرن الماضي لامسنا تقريباً كل الأفكار والايديولوجيات والحساسيات، والاتجاهات والمدارس الأساسية الغربية (والشرقية)، والتيارات المسرحية والشعرية والسينمائية والتشكيلية والروائية وصولاً إلى القومية والاشتراكية والثورية والماركسية والليبرالية واليمينية... والديموقراطية. كلها انفلشت أمامنا. وامتدت أصابعنا وعقولنا بانفتاح شره إلى كل مفرداتها وكتلها وتفاصيلها، حتى بات كل واحد منا محصّلة معظمها أو جميعها معاً. بل كأنَّ القرن العشرين العربي كان ترجمة القرن العشرين الأوروبي. بل كأن صراع الايديولوجيات والعقائد الفكرية والمذاهب الأدبية، كان صراع ترجمات (أو ما يقال تناصات) في ما بيننا. وكان ذلك الزمن زمن الخروج من الذات إلى ما يُسمى الآخر أو المختلف أو الذات الأخرى المتفجّرة من كل حدب وصوب علينا. عال! إنها سيرورة المتحوّلات التي تتدخل في رحلة "الهجرة" من الأنا المنتظرة المتراكمة، ومنطق التفاعل أو الحوار أو حتى الجدلية إلى الفعل الثقافي (أو الحضاري) بتشعباته وتعرجاته وامتداداته. رائع! وكان علينا أن ننخرط في صناعة العصر، أن نستشف منجزاته. ان نتمثل مناراته. أن نتسرَّب إلى تمايزاته، لنجعل منها تمايزاتنا، وإلى مياهه الجوفية لنغتسل بها مرة ومرتين وألف مرة، أو لنسابقها إلى مصباتها (كما علَّمنا هيراقليط وأهل سلاسته هيغل وماركس وصولاً إلى لينين والأخ الأكبر ستالين). كل هذا صنعنا من عجائنه خبزنا الحداثي، وأرغفتنا الثقافية وعماراتنا الفكرية. فكل العِدَّة كانت في متناولنا: إذا شئنا أن نكون يساريين فالمادة موجودة بغزارة. فعندنا ماركس وأنجلز والتجربة السوفياتية "المقدّسة". وإذا أردنا أن نكون يمينيين أو ليبراليين فعندنا أرون أو العالم الحر برمته. وإذا أردنا أن نكون وجوديين فعندنا سارتر وكامو وبووار... وإذا أردنا أن نكون يساريين جذريين فعندنا ماو وكيم إيل سونغ وغيفارا ولِمَ لا كاسترو. (أو لم يصمد مدعماً من خروشوف في وجه الامبريالية). وإذا أردنا أن نكون حداثيين ومتطرفين حتى الأصولية فعندنا الدادائيون والسورياليون نحتسي من كؤوسهم، وننطق برفضهم، ونحطم البنى اللغوية والتاريخية والثقافية بشواكيشهم ومطارقهم... وإذا أردنا أن نكون رمزيين فعندنا مالرمه وسامان واليري والأب بريمون. وإذا كنا نريد أن نبقى على عهد الرومانطيقيين فعندنا موسيه وهيغو وكيتس وبايرون ونوفاليس وصولاً إلى غوته...
هكذا سرنا في ذواتنا وإليها عبر الآخرين. وهذا رائع! فكل خروج من الذات لا يمكن أن يتم إلا عبر التفاعل مع الغير، باعتبار أن محاورة الذات (كمعطى كامل مقدّس يقدّس نفسه) لا تفضي إلا الى العقم والموات والتخثر والتحجر وصولاً إلى شيء من الأصولية لكي لا نقول النرجسية التاريخية أو الجماعية أو حتى الفردية.
على هذا الأساس كان ثمة شبه متكامل (أو شمولية) في حركتي الانفتاح والمتغيّرات، إلى درجة الاكتظاظ، والفيض، والترف. تداخل كل شيء في كل شيء. واختلطت المتناقضات. وتمازجت المفارقات، بحيث بات كل واحد منا، بفعل هذا "الهجوم" على ما يتدفق من الغرب، جوقة كاملة، لغة من كل هذه المفردات. بل كثُرت أبواب الخروج والدخول كأنما واحدنا أمام بوابة دوّارة يصطدم فيها أحياناً الداخلون بالخارجين. عجقة حداثة! عرس تجاوز. أبهة تجديد. كل فرد فينا صار كورساً من الأصوات والألوان والنبرات. وهذا لعمري المرتجى والمأمول. فمن أين هذا الثراء. وهذه الغزارة، والخزائن المليئة بالكنوز والجواهر؟ صارت منازلنا عتبات. أو فلنقل بدايات لا تنتهي. كأنما حمل كل منا فجراً. وينابيع، بيديه وعقله وقلبه. أهذا هو الشغف؟ ربما! وقبل آنئذ، (في الخمسينات حتى السبعينات) إنها الفترة الذهب للنهضة. بل "زبدة الحقب": المسرح في كل المسرح. التشكيل في كل التشكيل. الايديولوجيا مظفرة. الحداثة في عز "مغامرتها". الفكر القومي في عز "قوميته" (وقومياته). المجتمع على عتبة مغادرة بنياته القديمة. الله! كل شيء مرنان في عالمنا العربي المرنان. كل الأصوات صَدَّاحة... كل موائدنا عامرة والحمدُ للحداثة وللمحدثين. بل ان الاختيارات الفردية والجماعية كانت مشرعة وبلا حساب ولا حتى مقابل. ولأن كل الاتجاهات والمذاهب الأدبية والفكرية انحصرت في فترة قصيرة لا تتعدى نصف القرن (عملياً)، فقد بات سهلاً أن نتعلم مهنة الانتقال بسلاسة من صنف إلى صنف. ومن مدرسة إلى مدرسة. ومن انتماء إلى انتماء. ويمكن، على هذا الأساس، أن نقفز بظرف أشهر من البرشتية إلى العدمية ومن الوجودية إلى القومية، ومن الماركسية الرسمية إلى الماركسيات الأخرى، ومن السوريالية إلى الرمزية، من دون ـ أي تبرير أو سابق إنذار، أو حتى إنضاج لهذه التجربة أو تلك. فكان يمكن أن يكون الواحد في الوقت ذاته سوريالياً ومحافظاً وثورياً وملتزماً وعبثياً وايديولوجياً ونقيض الايديولوجيا. هويات تتصادم بقدر ما تتلاقى وتتناكر: إذاً عشنا القرن العشرين كقرن الهويات الكبرى. الهويات الزاخرة بالقسمات والمفترقات. إذاً عشنا عصر المتغيّرات إلى أقصى احتمالاته، والسير إلى الأمام إلى أقصى تدافعاته. سباق محموم تبارى فيه الجميع. ومواقع محصّنة حارب من خلفها الجميع.
لكن بدا أنه كلما تكاثرت ضروب "الصراع" وصنوفه وطيّباته، ضاقت سبله، وقُنِّنتْ رحابه. ومن فرط ما قامت احتفالات صاخبة بالتغيير والتكسير والنفي والنسف ودعاوى القطيعة والقفز فوق الحبال، والذهاب بالثورات الشتى إلى أبعد مجازفاتها وسكراتها، تراكم الوعي على الوعي والكلام على الكلام. والفكرة على الفكرة. والاختيار على الاختيار. والمذهب على المذهب. والتجربة على التجربة. تجمعت على بعضها، حتى بات صعباً تبيانها، أو تظهير مفارقاتها. بدا، في لحظة من اللحظات أن الهشاشة يصنعها تصادم اليقينيات والحقائق المغلقة. بل بدا وكأن "صراع" هذه الهويات وكأنه الالتئام في هوية واحدة مستنسخة الايقاعات والأقنعة والتلاوين.
زمن التغيير بامتياز؟ ربما! أن تنفي التغيير بالتغيير؟ ربما. ان تجافي المتحوّلات المليئة بالمتحوّلات الهشة؟ ربما! وبعد هذه الزحمة من الهويات المفتوحة. صَمَتَ كل شيء. والممثلون الذين تبرجوا للفصل الأخير أزالوا مساحيقهم. انه اللحم الحي. المتشابه يلمع بكل ترهله وشيخوخته المبكرة. رصاصة واحدة من حرب طويلة كانت كافية لتُرجع كل الأفكار المندفعة إلى ظلالها وسكوتها. لتبدأ معها رحلة العودة إلى "الذوات" القاتلة. إلى الهوية الواحدة المتعددة السحن. انتهت الثورات. لا ماركسية. لا شيوعية. لا قومية. لا وجودية. لا سوريالية. لا أنهار. فقط برك مستديرة ومغلقة راحت تأسن. فالحرب افترست أبناءَها وأعداءَها وجنودها ورموزها.
اليوم يبدو الزمن الفكري والسياسي ككتابات طبشورية على جدران متداعية. نشتغل على الماضي لنصنع الحاضر. ونؤبد الحاضر لنصنع المستقبل. نتنفس الغبار. وننتظر بالغبار. ونتأمل بالغبار. ونغسل عيوننا بالغبار. ومَنْ تابع وقائع ما يجري على الساحة العربية، منذ أكثر من ربع قرن، يكتشف كم تكاتفت طبقات الغبار. وكم ارتفعت وسمكت. إنها الدائرة المغلقة. نتحرّك فيها تحرّك السجين في زنزانته.
وعندما يطرح بعضهم ضرورة التغيير، نتساءل: بمَ؟ ومن أين؟ المواد التي يمكن أن نبني بها، مفقودة أو على الأقل فاسدة: اليسار في معظمه فاسد، وصار عقبة في وجه أي تغيير. اليمين غير موجود لأن اليسار غيرموجود. الوسط لا يتوسط لأنه لم يتبقَ ما يتوسطه. الماضي فيصل، والطائفية بوصلة. المثقفون رموا كل ما صنع أحلامهم وإبداعهم. أفكارهم وراءَهم. ولا شيء أمامهم. والحاجة والضيق والخيبة والأنانية تقرض ضمائرهم.
إذاً ما العمل؟ انتهت مرحلة اليافطات الكبرى (الشمولية) فينا، وكأنها لم تكن، حتى على مستوى الرواسب والبقايا. وما استعدناه من الغرب وصنعنا به نهضتنا أعدناه إلى عناوين مجهولة. فهل نعيد الكرة؟ هل علينا أن نلجأ من جديد إلى "الآخر" لنصوغ ذواتنا الجديدة إزاء مرحلة تنذر بالانحطاط؟ هذا مطروح. وواجب. لكن الفارق بين الحاضر والماضي، أننا بتنا اليوم نخاف الآخر في حين كان يخلبنا في مطالع النهضة. فما بعد الحداثة يخيفنا. والعولمة تخيفنا. والديموقراطيات تخيفنا. والتجارب الابداعية (الغربية) تخيفنا. والاصلاح والترميم والتغيير والتحديث تخيفنا لأننا "اكتشفنا" أنها تشوّه "الهوية"، وتفسد الخصوصية، و"تخون" تقاليدنا وواقعنا. هكذا اكتشفنا أن الخلل آتٍ من غيرنا.
هذا الخوف لم يكن موجوداً في منتصف القرن التاسع عشر ولا في القرن العشرين برغم أن الآخر كان "مستعمراً"، وقوياً ومحتلاً. وغاصباً. فصلنا بين الهوية الاستعمارية والهوية الثقافية. فالعدو الغريب الوافد ذو حضارة وعلينا أن نستخدمها ما نشاء، لكي نتمكن من اكتشاف ذواتنا واحتمالاتها الابداعية. اليوم، الآخر ذو حضارة ونحن متخلفون ومهزومون. والآخر محتل ومستعمر وغاصب. لكننا نرفضه هذه المرة. لا نريد أن ننهض بعكازاته، ولا أن نرى بعينيه. ولا أن نمشي بقدميه. إذاً فلننطوِ على أحاسيس التوجس والخوف والارتداد نحو "أوهام" الذات وكفايتها. إذاً فلنلفظ ما نُعطاه من الانتاج الذي يصنع الحضارة الأخرى. إذاً فلننخرط، كما يريدنا الآخرون، في صراع الحضارات: حضارتنا (!) و"حضارتهم" (!) هويتنا وهويتهم في لعبة ثنائية لا يلتقي طرفاها كخطين متوازيين. وهكذا نستريح. ونطمئن إلى أننا مكتملون، لا يساورنا أي شعور بالحاجة إلى أحد: نحتاج إلى أنفسنا فقط. إلى متاحفنا. إلى أمجادنا. فهناك الأصالة والينابيع والخصوصية. أولم نجرب الحداثة الآتية من بلاد الفرنج وفشلت (ولا نقول اننا أفشلناها لكي لا نخدش كرامتنا التاريخية)، فلماذا نعيد الكرة بالعولمة وما بعد الحداثة وحتى بالحداثة وإنجازات العصر وأفكاره. كلها تخيفنا. فلنلطأ خلف متاريسنا وأسوارنا. فما يجوز عندهم لا يجوز عندنا. وما يصح في مجتمعاتهم لا يصح في مجتمعاتنا! فلنحصّن خصوصينا النادرة الغالية. لكن ما هي خصوصيتنا؟ فالديموقراطية ليست من خصوصياتنا؟ (اسألوا الأنظمة)، والحرية غريبة عن تقاليدنا: وحقوق المرأة واحترامها تجديف. وإرادة الناس وحماية حريتهم اعتداء على العادات المصونة وتخريب للأمن القومي، وعمالة، ومحاربة الفساد تجنّ على واقعنا. والاصلاح، أي إصلاح، تدخّل في شؤونا. والأفكار الجديدة سموم فتيتة في عروقنا. إذاً، فلنبق على العهد. فلتبقَ العسكريتاريا متحكمة. والعشيرية متمكنة. والأحكام النهائية طريقنا إلى المستقبل... والقمع نبراسنا. كأنما خريطة خراب جديد؟ ربما! لكن إذا كانت هذه المخاوف صحيحة فمن هو المسؤول؟ وإذا كان الشك بكل شيء مشروعاً، فلماذا نوجهه أيضاً إلى أنفسنا؟ وإذا كان الانطواء حماية، فبمَ نحتمي وممن وكيف؟ وإذا كانت هذه المخاوف والشكوك والريبة مرحلة من مراحل التغيير أو الاصلاح، فمن أين نبدأ؟ وبِمَ نستمر؟ وما هي المفردات التي يجب أن نستخدمها للتغيير؟ وهل يمكن أن نغيّر عبر إبقاء كل شيء على ما هو عليه؟ وهل يمكن أن نغيّر عبر رمي كل ما حُقّق في القرنين الماضيين وكأن شيئاً لم يكن.
إنها مرحلة تشوش وتخبّط أكثر مما هي مرحلة تساؤلات. فالكل يخاف. والكل يعرف ولا يعرف. والكل مستكين إلى ـ واقعه، وإلى مكدَّساته ومقدّساته. والكل خارج اللعبة: فاليسار بات يخاف أن يكون يسارياً. واليمين يخاف أن يكون يمينياً. والليبرالي لاطئ خلف أحاديته. والمؤمن منغلق على إيمانه. والديموقراطي يائس من الديموقراطية. والحر مطوَّق بإلزامات المجتمع. والناقد بَرَى زواياه المروسة. والحالم مدفون في حلمه. والسلطة فقدت سلطتها فلجأت إلى التسلط. والشعب مقيم في هواجسه وقناعاته. والمثقف تخلى عن الثقافة. والملتزم بات يلتزم ـ نرجسيته... مرحلة عربية محكومة بالاستسلام والخضوع والانطواء والخشية والاكتفاء والعزلة. مرحلة يمكن أن نبدأ بها إذا شئنا التغيير، من أي نقطة، يمكن ألا نبدأ من أي نقطة. ويمكن ألا نبدأ إطلاقاً.
إنها المرحلة التي يقنع بها الناس بالسيئ خوفاً من الأسوأ، وبالسكون خوفاً من المجهول. لكن المفارقة الكبيرة أنه كلما ساورتنا الخشية من الآخر، لجأنا إليه لكي يحل محلنا في تبديل أحوالنا، كما يريد وكما يحلو له. إنها المفارقة القاتلة!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00