قدمت هذه الورقة في "الندوة الدولية الثانية للترجمة": "في القاهرة، التي عقدت مابين 29 أيار والأول من حزيران الجاري. نشرنا أمس الحلقة الأولى، وننشر اليوم الحلقة الثانية والأخيرة.
***
ـ II ـ
كل عصور الانحطاط متشابهة: تتلخص بالتخلي عن رغبة الخروج، والاكتفاء بالدوران حول الذات وتقديسها والنزوع عن كل ما يؤدي إلى التهجين عبر التفاعل. هذا ما شهدناه في عصور الانحطاط العربية التي بعد هزيمة الدولة العربية على أيدي المغول، استقرت في حاضرها التردادي للماضي من جهة، والمقفل على نفسه من جهة أخرى، بسبب الاحباط والتفكك والخضوع. قد لا نسميها انحطاطاً إلا للاصطلاح. ذلك أنه في هذه الفترة التي امتدت أكثر من ستة قرون، التمعت ظواهر هي من موروث العصر الذهبي العباسي، تتمثل بالاشتغال على علوم اللغة والفقه والمعاجم... لكن هذا النوع من الاشتغال يبدو ناقصاً إذا لم ترفده ابداعات تطوّر باجتراحاتها معطيات اللغويات وعلومها. لكن هذا الدأب، وسواه من الأعمال، لا يمكن أن يصم هذه الفترة بالظلامية، كما هي الأحوال في القرون الوسطى الأوروبية، على أنه ومن خلال هذا التجمد الجليدي، والثبات في عناصر الثقافة، وتراجع عمليات النقل والترجمة، يمكن أن نسمي هذه الفترة بالمتحفية تحفظ ما تحفظ من الارث، من دون أن تلهبه، لأن الشعلة التي أضيئت في الماضي، قد انطفأت: شعلة الشغف المعرفية اللامحدودة، شعلة تجاوز ما هو موجود، شعلة الدليل إلى الآخر، الذي غلب وتمثل في البربرية وحاصر نمو تلك الحضارة الكبيرة. إذ تحول الآخر هنا إلى سبب خوف ونفور ورفض.
هذه المتحفية كأنما كانت نوعاً من الأمانة والاخلاص لذلك الارث، لكن الأمانة لا تكفي عبر تثبيت الارث أو تجميده أو حتى المحافظة عليه. فالذات "الجديدة" الطالعة من أنقاض الدولة العربية، تبحث عن ذاتها في ذاتها المتراكمة على نفسها. في ذاتها المتوقفة عن التحرّك. ولهذا بدا ما تركه العصرالعربي الذهبي من إنجازات خاصة وتراجم (تحوّلت عنصراً داخلياً ونسيجاً في الثقافة العربية)، ينتظر مَنْ يقرأه قراءة حيّة، قراءة إيجابية، تفكك مواده ونصوصه، من منظور اكتشافي لا منظور تردادي أو آني فحسب، أو ماضوي. والمتحفية هنا تعني "التقديس" من وجهة التجميد وحمله كتلة واحدة، أو نصية باتت تحمل مفاتيحها وأسرارها القائمة فيها. فالآخر هنا لم يعد مصدر إغناء، بل صار مصدر إلغاء. ولم يعد عامل إضافة، بل عامل إفناء، ولم يعد وسيلة عودة إلى القسمات الخاصة لإنمائها بل وسيلة تدمير. إنه الخوف من الآخر الذي لا يملك سوى الخوف من المغلوب، أو اعتباره خطراً عليه. ولهذا انغلق كل شيء على كل شيء. ولم تعد المقاربات للابداعات المهجنة السابقة سوى نوع من تطييب الجثث، أو تبخير الموتى. ولهذا بدت العلاقة بين العربي الذي خسر دولته ومجده وازدهاره وبين ذاته نفسها علاقة ملتبسة. علاقة سالبة بحكم الانكباب على ما يعتبر جزءاً من الماضي، لا جزءاً من الحاضر والمستقبل. كل هذا لأنه تعطلت العلاقة على مستويين: الارث الذاتي من جهة، والخروج نحو الآخر من جهة أخرى. بمعنى آخر لم يبت "الانجاز" الأساسي في محاولة صوغ الذات صوغاً جديداً، وإنما في إعادة إنتاجها. وهذه الاعادة، وبسبب الظروف القاهرة. تسجّل تراجعاً نوعياً حتى في مستوى الاتقان، أي في الارتفاع إلى مستوى النموذج الأصلي. ولعل هذا بالذات ما جعل أنواع الأدب تتقهقر وكذلك تعابيرها، لتتقدم نسبياً الأعمال على اللغة والمعاجم والتأريخ، وإن على النص، النموذج الموروث. ويمكن ربط ذلك بمعادلة أن تعامل العصر الانحطاطي الابداعي الضعيف ربطاً بالعصور الذهبية، لا ينفصل عن إغلاق النوافذ على المعارف الأخرى عبر الترجمة. فعندما تضعف العلاقة النوعية بالماضي وتتحوّل مجرّد مهارات بلاغية أو بيانية، أي التعويض عن الابداع باختزال بعض وسائله، تضعف الرغبة في مغادرة "الأنا" المعزولة بين التاريخ والجغرافيا والفكر. وقد يفسَّر ذلك بأن ثقافة القوي من المغول إلى العثمانيين، باتت إلى حد كبير دون أي شغف عند المجتمع نفسه. بل ونظن أن حركة المجتمع نحو الآخر تتجزأ في حيثياتها وشموليتها، بحيث يبدو الانتقاد، إذا تم، ضرباً من ضروب مزيد من الانكفاء، حتى ولو انخرط المجتمع، قسرياً، في آليات واقع مفروض، بل حتى ولو برزت ظواهر فردية مميّزة ومنعزلة مما يدل، في النهاية، على أن المجتمع الذي ينتج نفسه قد ينتج استثناءات لا تعبر عنه، ولا تشكل روحاً عمومية. كأنها لعبة المرآة والنافذة. فالعصر الانحطاطي وجد نفسه أمام مرآته ولو مشوّهة، من دون أن يكتشف نوافذ إلى الغير للخروج منها.
نرجسية تاريخية تتمتع بخراب الوجه أكثر مما تعمد على فتح الأبواب والنوافذ للضوء. وعندما نرى العصر بهذا المنظار، فإننا نرى أن المجتمع الذي ساهم في صنع الثقافة العربية (بمعناها الواسع)، هو الذي عجز عن النهوض بالثقافة، لإصابته بالهزيمة وبالاحباط، وتالياً بالانطواء وصولاً إلى الطريق المسدود.
وعلينا أن ننتظر اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع بالتململ، وتخطي أزمته الذاتية، وكسر الحواجز النفسية والتاريخية، والشروع بالخروج. الخروج من مرآته المشوشة إلى الشبابيك الكامنة فيه، إلى الآخر. إنها لحظة النهوض التي بدأت تباشيرها تبزغ منذ بدايات القرن التاسع عشر. ولكن المفارقة البارزة أن العرب حملوا ثورة، ثورة الاسلام، وغلبة، وقوة، عندما شقوا طريقهم إلى الآخر وصنعوا ثقافتهم الجديدة، أو حداثتهم الجديدة. بينما نجدهم في نهضتهم الثانية الحديثة آتين من عصور الفراغ، والانحطاط، وأشكال الهزيمة، وضياع بوصلة الذات وكذلك بوصلة أي مرجعية برانية. وعلى هذا الأساس كان عليهم أن يكتشفوا ذواتهم أولاً. أن يعودوا إلى موروثهم الغني، المتسع، المتعدد، المهجَّن، المتمازج، الذي تجمّد في لحظة تاريخية طالت قرابة ستة قرون. فهذه الفجوة السحيقة كان لا بد من ردمها، لكي لا يواجهوا الغير المتفوّق، صفر الأيدي والنفوس والعقول. هي الأسس يجب أن تبنى من جديد. وهو النص القائم تحت الركام والحجارة والشواهد والغبار، يجب نفضه، وغسله، حتى ولو تم ذلك، في البداية، عبر إعادة انتاج تلك الذات التاريخية. حتى ولو، مرحلياً وآنياً، اعتبر هذا الموروث "نموذجاً" يجب أن يُحتذى ويُقلد، ويشكل المثال الأعلى. هنا يبدو الخروج حركة من الذات إلى الذات، أو نوعاً من المساحة الانتقالية الموقتة. ذلك أن المجتمع، الذي بدأ يستفيق ولو ببطء، بدأ أيضاً أنه يكتشف نفسه من جهة، ويتهيأ لمرحلة أخرى، أو لمصير آخر مجهول السبل والقسمات. وهذا الجانب ليس جديداً. فالمسرح الفرنسي في القرن السابع عشر، بنى ولادته على النموذج الاغريقي أو الأرسطي، بحيث جاء لدى بعض كباره ككورنيل وراسين تقليداً للنموذج الذي ساد في اليونان وبعدها عند الرومان. مرحلة تقليد استمرت نحو مئة سنة (ولو اختار موليير النموذج الايطالي والكوميديا دي لارتي ليخرج ولو جزئياً من ربقة الخضوع لمتطلبات المسرح الكلاسيكي). هذا طبيعي، وإن قصرت الفترة الانتقالية عند العرب للخروج من عصر الانحطاط من جهة، وبداية الخروج أيضاً من النموذج الثقافي القديم سواء في الشعر أو في النقد، وعندما تطلع العرب حولهم، أي عندما أدركوا عتبات الخروج من مرآتهم المزدوجة: الانحطاط والمثال القديم، وجدوا أن العالم القديم الذي استقوا منه، وتفاعلوا به قد تداعى. فلا الفرس ولا الهنود ولا الروم باتوا الأمكنة التي يوجهون إليها، لأنها باتت تنتمي إلى العالم القديم، أي إلى عالمهم بالذات. أو على الأقل إلى العالم الذي تجووز ويعيش مثل عالمهم حالات الانهيار والتجمد والاندثار. ولهذا شعروا بالحاجة إلى أفق جديد، يمكن إذا ما سلكوه أو عبروه، أن يكون جسراً إلى العبور الجديد من الذات. وهذا العالم لم يكن سوى أوروبا، وبشكل خاص فرنسا التي كانت تختزل بعد ثورتها، أفكار التغيير والدولة والادارة والأدب والصحافة والفكر والمسرح والسينما... والنقد.
ـ III ـ
أوروبا هي الذات الأخرى. وعلى العرب أن يشدوا الرحال إليها. أن يكتشفوا ما فاتهم في عصرهم المتحفي. ساعدهم على ذلك تهيؤ المجتمع لمثل هذه المغامرة. لكن كان عليهم في الوقت ذاته أن يمسحوا الغبار عن مراياهم القديمة، ويطلوا من كل النوافذ التي يمكن أن يشرّعوها. مرآة ونافذة: الذات والآخر. بهذه الثنائية تحرك النهضويون في كل الاتجاهات، بتوازن هنا، وبعدم توازن هناك. بتفاوت هنا وبعدم تفاوت هناك. لكن عليهم أيضاً أن يحاولوا إلغاء هذه الثنائية بينهم وبين "الغرب". تماماً كما فعلوا في عصورهم التنويرية الماضية. أي أن يتوصلوا عبر التفاعل إلى الفعل الثقافي الحي. أي إلى إبداع ذات مفتوحة ولا نهائية، وهوية متعددة مهجنة، كتلك التي صاغوها في الأيام الخوالي. وكان الاطلاع، سواء بانبهار أو بتحفظ، أو بانتقاد، أو بنقد، أو باقتباس، الطريقة التي توصلهم إلى حيث يريدون أن يصلوا. هذا الاطلاع كان لا بد أن يزدوج بنقل المعارف والظواهر والأفكار إلى العربية. ولِمَ لا. فهذه اللغة لم تستوعب فقط العلوم والفلسفة والفنون في السابق، وإنما استوعبتها وحوّلتها مخزوناً خاصاً. صحيح أن العالم الجديد يختلف عن العالم القديم، لكن اللغة العربية التي تمكنت، بطاقاتها وعبقريتها ومرونتها من التعبير عن العقل العربي، بكل تجلياته، قادرة على التعبير أيضاً عن ذلك التنوّع الكبير في الثقافة الأوروبية. وإذا كانت الترجمات في السابق لم تلحظ الشعر مثلاً، ولا المسرح، ولا الملاحم، مركزة على العلوم والفلسفة بشكل خاص، فإن المدى الجديد طرح تحديات أخرى، لدخول هذه العناصر المفتقدة في صُلب الابداع الغربي. وهكذا بات على المثقف العربي الذي يريدأن يدشن العالم الجديد، أن ينظر إلى هذه الثقافة ككل. وأن يحاول الاطلاع عليها أو نقلها ككل. أن يتفاعل معها ككل. ومن ثم أن يحاول صوغ ذاته صوغاً كلياً. إنه طموح كبير واجهه المثقف العربي. لكن المغامرة خلابة: مغامرة تنفس هواء جديد، وارتياد أماكن مختلفة. فالذات لا يمكن اكتمالها إلا عند هذا الآخر القوي عسكرياً وسياسياً وثقافياً. هل تنقل حضارة الغالب بقضها وقضيضها إلى المغلوب. وهل علينا رفض هذا الآخر ذي المطامع الاستعمارية ككل. أي بثقافته وإبداعاته واختراعاته وابتكاراته ونماذجه. تماماً كما فعلنا في فترة الانحطاط؟
من "عبقرية" النهضويين انهم اختاروا التماهي بكثير من أعمال أوروبا لا سيما فرنسا، وتبنوا الكثير منها، وهم يعرفون أن بعضها قد لا يكون "صالحاً" للدمج في "أناهم" المنقسمة، والمشتتة. وعلى هذا الأساس قامت حركة ترجمات واسعة ابتداء من القرن التاسع عشر: من أفكار التنوير (أو الرنسانس)، ونماذج تأسيس الدولة، والتوصيات، والدين، والتغيير، والاشتراكية، وصولاً إلى المسرح والملحمة، والشعر، والنقد والايديولوجيات المتعددة. كانت حركة ترجمة تكاد تكون شاملة في مختلف هذه القطاعات. من هنا برزت شمولية الظواهر النهضوية. ومن هنا أيضاً يمكن القول ان الأسس التي قامت عليها النهضة، والحداثة، والتجديد، كانت في معظمها ناتجة عن هذا التفاعل بين شمولية هذه الترجمات وشمولية القطاعات والعناصر والنصوص التي كونت جزءاً من ثقافة القرن التاسع عشر، ومساحة طاغية من ثقافة القرن العشرين.
فالقرن الماضي كان قرن البحث عن الآخر، وصولاً إلى الذات. بل كان تماهياً بهذا الآخر. وصولاً إلى الذات. بل كان تماهياً بهذا الآخر، وتفاعلاً بنصوصه. ولهذا كان القرن الماضي قرن الترجمة بامتياز. كل الغرب (لا سيما الأوروبي) صار في كل الشرق، حتى وصل التعاطي في بعض لحظاته مرآة له، وصل إلى درجة تبني الترجمات والقراءات تبنياً اتباعياً، تعبيراً عن حاجة أكيدة بعد خروج العرب من عصور خاوية ساكنة. ولهذا، وإذا ما تتبعنا حركة الترجمة الشاملة (التي تفاعلت بها النخبة وكذلك المجتمع)، نجدها متوازنة مع حركة الابداع. والاتجاهات التي تمخضت عنها الثقافة الغربية من أفكار وسياسة وشعر وايديولوجيا ومسرح وسينما (وسيناريوات سينمائية مترجمة)، وفنون تشكيلية ورواية وأقصوصة ومدارس نقدية ونفسية وفلسفية وسوسيولوجية انبسطت أمامنا في حركة نقل فردية ومؤسسية وحتى جماعية. فالذات لم تعد سلبية منطوية مكسورة، مهزومة، بقدر ما استمدت قوتها من عنف خروجها، والتحامها بالذوات الأخرى. فكأنها عوضت ثقافياً عما اعتورها من تراجع وتقهقر واحتلال وسطوة. بل ان الثقافة العربية كأنما اتبعت في مساراتها وقفزاتها وتواصلاتها وتعابيرها ومضامينها المسارات الزمنية والتداعيات المرحلية والتحوّلات المتعاقبة التي خضعت لها ثقافة الغرب. وقد تتابعت عندنا مثلاً الكلاسيكية فالرومانطيقية فالرمزية فالدادائية فالسوريالية في الشعر. فعندنا أحمد شوقي الكلاسيكي، ومطران وأبو شبكة وعلي محمود طه والشابي وجبران الرومانطيقيون. حتى بات خلف كل شاعر عربي شاعر غربي: فأبو شبكة هو بودليرنا. وسعيد عقل هو اليرينا. والسيّاب ويونس الخال وخليل حاوي وإلى حد عبد الصبور إليويّونا، وأدونيس سان جون برسنا، وأنسي الحاج وجورج حنين وجويس منصور بروتوننا... وهذا ينطبق على المسرح أيضاً: فمن كلاسيكية أحمد شوقي وجورج أبيض وعزيز عيد، متأثرين بالمسرح الفرنسي، إلى البرشتية عند محمد دياب وسعد الله ونوس وجلال خوري، والطيب الصديقي وروجيه عساف... فإلى الفروتوفسكية عند منير أبو دبس ومسرح الصواري البحريني، فإلى التسجيلية (بيتر فايس) فإلى مسرح اللامعقول البيكيني واليونسكوي عند شكيب خوري، ويوسف ادريس وريمون جبارة، فإلى مسرح الواقعية الاشتراكية التي طغى عند كثيرين من أهل المسرح عندنا.
كل هذه المدارس والاتجاهات الغربية برزت عندنا، عبر الترجمات، وعبر الاطلاع المباشر، وكوّنت ما يمكن أن تسميه "العقل الابداعي" العربي، في شتى الفنون والتعابير، وعندما نقول العقل الابداعي نقصد أحياناً مختلف الظواهر الابداعية والفكرية التي، من خلال جدليتها مع الغرب، وقوة تعاطيها وعمقه، تمكنت عبر الجدلية إلى محصلة خاصة ويتجلى ذلك تجلياً أوضح في هذه "التبادلية" (التعادلية الحكيمية) على صعيد الفكر السياسي والنقدي. فالمساحة السياسية والايديولوجية.، عندنا كانت على تماس، وخصوصاً عبر الترجمة، مع ما يماثلها أو تريد أن تماثله في الغرب، من الاشتراكية إلى القومية أفكار العدالة والمساواة والأخوة، والقانون والدساتير، والماركسية والليبرالية، واليمينية واليسارية (وحتى الهامشية) ومفاهيم السلطة وأدواتها، والاستراتيجيات الحزبية وتكاوينها ووسائلها، وتأويلها... كلها، عرفناها مترجمة أو موضوعة أو متأثرة في كتابات كبارنا من محمد عبده إلى الأفغاني والطهطاوي والكواكبي وفرح أنطون وشبلي الشميل وأمين الريحاني وعلي ومصطفى عبد الرازق. وارتباطاً بهذا لا يشذ نقدنا عن هذه المعادلات والتشابكات والامتزاجات والجدليات والتفاعلات: فالنقد الأدبي بجمالياته ومدارسه نحا بدوره المناحي التي اتبعها الغرب: من الانطباعية إلى الطبيعية والواقعية والديكتاتورية والماركسية والظاهرية والبنيوية والانتروبولوجية والسيمائية وصولاً إلى التفكيكية... فعندنا الانطباعيون، والديكارتيون والبنيويون والتفكيكيون. نقاد كبار تمكنوا عبر الترجمات والاطلاعات المباشرة على استشفاف هذه المدارس، وإن على تفاوت في الابداع والتأصيل والمقاربة والجدية والمعرفية العميقة. فمن العقاد إلى طه حسين إلى رئيف خوري ومارون عبود وسلامة موسى وغالي شكري ومحمد مندور وجابر عصفور ومحمد المسدي وسامي سويدان ويمنى العيد... من دون أن ننسى المفكرين الذين ينضوون تحت التيارات الفكرية كمحمد أركون والجابري وعلي حرب وناصيف نصار والغذامي... ولأننا لا نبغي وضع بانوراما شاملة عن قرن عربي ساهمت في صنع "عقله" ورهافاته الترجمة (والمجال ضيق هنا) فإننا سنحاول رصد بعض التوجهات التي حركت آليات الترجمة ومساراتها :
أولاً ـ القرن العشرون بالنسبة إلى العرب هو قرن الخروج من الأنا التاريخية بحثاً عما يساعد على اكتشاف هذه "الأنا"، وإخصابها وتفعيلها. وكانت الترجمة إحدى السبل لتحقيق هذه الرغبة التي تحوّلت من رغبة معرفية إلى رغبة انطولوجية (وجودية). إذ أن الكائن في محاولة مغالاته حدوده، إنما كان (وما زال) يدفعه هذا القلق نحو المجهول. نحو اللانهائي. ولهذا لم تعد الترجمة مجرد وسيلة للالتحاق بركب الآخر فقط، وإنما أيضاً بهاجس اختراق ما هو كائن في عمق النفس الانسانية، من أسئلة وشغف، وإدراكات بلا حدود. وهذا يفسّر وإلى حد كبير، المنحى المغامر، واللامحسوب، في مقاربة النصوص الوافدة إلينا باعتبارها نصوصاً تعبّر، أو لا ما تعبّر، عن نوع من "الافتتاح" أو الكشف، إذاً كانت الترجمة حاجة إلى التفاعل مع الغير، لتشريع فضاءات مفتوحة لاعتمادات هذه التماسات. وهنا يمكننا القول ان مسألة التفاعل تصبح درجة في سلم الصعود في اتجاه صوغ مسارات غير مأهولة للخلق والاجتراح أي إلى الفعل الثقافي الصافي.
ثانياً: إن ما سبق يتطلب، في ما يتطلب، نزوعاً إلى المختلف. إلى المغترب عنا. إلى ما لا يشبهنا. لكي لا نقع في ما وقع فيه كثيرون من إعادة انتاج هذه الذات. فالذات لا تتفاعل مع الذات ولا تلتبس بها. بل ولا يمكن الخطو من الذات إلى الآخر، عبر اختيار ما عند هذا الآخر ما هو على صورتنا أو واقعنا. وهذا ما فعله النهضويون بامتياز. على أن هذا النزوع إلى المختلف لا بد من أن يستند أولاً وأخيراً إلى مخزون ذاتي وتاريخي راسخ، لكي لا يتم أي تفاعل عبر فراغ. والنهضويون وصولاً إلى الحداثيين عرفوا لعبة التوازن هذه، بل لعبة الارتباط بهذا الموروث (أي الذات) ليتمكنوا من إحداث تغيير "موضوعي" في نص الآخر أيضاً. وهنا علينا أن نشير إلى أنه بقدر ما يحدث الاحتكاك بالآخر عبر الترجمة من تغيير في تكاوين الذات، فإنه وبالقدر ذاته يتم إحداث تغيير في نص الآخر. فالبنيوية لا تعود مجرّد بنيوية ذات أثر غربي فحسب، بقدر ما تصير بنيوية عربية (بشروط الابداع والمعالجة بالطبع). والماركسية الأوروبية تصير عبر الماركسيين العرب ماركسية عربية. وهذا ينطبق على الرومانطيقية والسوريالية والوجودية والعبثية. فالنص الآخر يفقد ملكيته وهويته عندما يترجم ويتم التفاعل به. أي ينتقل من "سلطة إلى سلطة"، ومن معطى إلى معطى آخر، ومن جغرافية إلى جغرافية، ومن مجتمع إلى مجتمع، ومن أفراد إلى أفراد، ومن أنساق إلى أنساق. وهذا هو المهم. وعندها لا يعود المختلف مختلفاً. يتحوّل فعلاً ذاتياً بامتياز، تزول غربته، ليكتسب ألفة وحميمية، هما ألفة الابداع وإعادة الصوغ، وإعادة التكوين. فعندما تقرأ كعربي مثلاً بيكيت أو برشت أو شكسبير أو بودلير أو رمبو... مترجمين، لا تنتصر نصوصهم عبر قوتها الخاصة وخلفياتها الخاصة، ومتونها الأصلية، بقدر ما تنتصر قراءة إبداعية أو دينامية، أو مفتوحة تحمل في تضاعيفها حساسيات هذا القارئ العربي، ومستواه الثقافي، ورغبته، وتكاوين شخصيته، وآثار بيئته... وهنا تتحوّل النصوص إلى مآلات القارئ يعيد كتابتها من جديد، أو تأليفها، أو تعديلها، وإذا اعتبرنا أن كل قراءة (غير سلبية) هي تدمير النص، فإن هذه الأعمال المترجمة تخضع لعملية التدمير هذه. أو فلنقل لعملية التفكيك. لأنك لا تقرأ الآخر عبر منطق الآخر فحسب، بل عبر ما تراه وتفهمه بكل كائنه التاريخي. من هنا يبدو التفاعل بالنص نوعاً من ضمه إلى هوية جديدة. لكن، هذا لا يمكن أن يعني أن تحل الترجمة وتالياً قراءتها محل النص الأصلي. أو أن تتم مصادرته. فكل ترجمة مغامرة. وكل قراءة مغامرة نحو الآخر. أو من ثم مغامرة الآخر صوب الآخر، ولهذا يبدو التفاعل في ذروة قوته بين النص المترجم والقارئ، يبدو في ذروة لقاء المغامرتين. وهذا ينطبق على النقد. فهذا الأخير الذي ليس عليه أن يحل نفسه محل النص، من خلال المحمولات الايديولوجية أو النفسية أو الاتجاهات، عليه أيضاً ألا يستسلم للنص نفسه. أي ألا يحل النص محله في قراءة مغلقة أو أحادية أو خاضعة لمجرّد ظروف النص المترجم وأدواته وتقنياته. فالترجمة كما تفعّلت آثارها عند كبارنا، لم تكن صورة الآخر أمامنا فقط، ولكن صورة الآخر كما نراها، وتالياً كما نتلقفها وتالياً أيضاً كما تتحوّل إلى عنصر من عناصر النسيج الخاص، هذا ما لمسناه عند أحمد شوقي في مسرحياته وبعضاً من شعره، وهذا ما لمسناه عند سعيد عقل في مسرحيته "بنت يفتاح" و"قدموس"، وعند الشابي وجبران وعبد الصبور ونجيب محفوظ ويوسف ادريس ويوسف حبشي الأشقر وسعدالله ونوس وألفرد فرج... وهذا ما عرفناه في بنيان الحضارة العربية في العصور العباسية والأندلسية...
المختلف هنا، صحيح أنه يصير مؤتلفاً، لكن الصحيح أيضاً أن هذا المؤتلف لا يدجن لقراءة أحادية. أو لمصادرة أيديولوجية أو لإسقاط ديني أو مذهبي أو عرقي... فالمهم في القراءة الابداعية تجنّب تحويل آليات النص المترجم وتأويله بما ليس فيه.
ثالثاً ـ ما شرحناه يقودنا إلى جانب مهم من جوانب أشكال التفاعل (أو الانفعال) بالترجمة: فإذا كان علينا أن نبحث عما هو مختف (أو على الأقل أن نقرأ مادة مختلفة)، فالخطورة التي لمسناها على امتداد القرن الماضي، تتمثل في محاولة الكثيرين من نقل الشبيه عند الآخر. وتقنينه. وهنا نعود إلى مسألة إعادة إنتاج الذات حتى عبر الآخر. وإذا اعتبرنا ككثيرين أن القرن العشرين هو قرن الايديولوجيات والمدارس الفنية والأدبية والمذاهب الفلسفية والسياسية، وأن العرب حملوا كل هذه الظواهر إلى لغتهم وبيئتهم، فإن صراع هذه المذاهب في الغرب انتقل عبر الترجمة (والاطلاع) إلى صراع عندنا. كأن "القرن" العشرين العربي كان قرن صراع الترجمات. وقد انخرطت في هذه اللعبة مختلف المؤسسات والنظم والأحزاب والتنظيمات وحتى بعض دور النشر بحيث صارت ممارسة الترجمة نوعاً من السلطة تفرض نفسها على المناخات الثقافية وسواها. ويمكن ضمن هذا الاطار التوقف عند بعض المرجعيات:
1 ـ الأنظمة العربية، وفي استراتيجياتها السياسية وجهت الترجمات إلى الأماكن والأفكار التي تشكل رديفاً لها، أو شبيهاً بها. فالأنظمة الاشتراكية والقومية مثلاً بحثت عن "ذاتها" في ذوات متطابقة أي أنها وضعت في صلب توجهها نقل النصوص التي تخدم تعزيز ثقافتها وسلطتها. فراجت منذ الخمسينات (وما قبل) حتى الطوفان ترجمات الكتب التي تروج للاشتراكية أو للقومية... وفي هذا الاختيار رفض ضمني لما هو مختلف أو مخالف في الثقافات الأخرى. وهذه الانتقائية السياسية ليست إلغاء للآخر فقط بل تجزئة لبنيته. وهذا اندرج في سلم تقويم وفي معيارية رافضاً هذه الانتقائية كوجه من وجوه الصراع. فالآخر الذي لا ينسجم مع هذه الأنظمة كالنصوص الليبرالية والرأسمالية والديموقراطية (بمفهومها الآخر)، هو "الشر"، و"البؤس"، والرجعية، والارتداد، من دون أن يُترك للقارئ حرية الاختيار عبر نقل "الرأي المختلف". فالكتب التي تروّج للاشتراكية والتأميم والشمولية ونظام الحزب الواحد، السلطة الممركزة، شاعت عندنا من بلاد المنظومة الاشتراكية من بلغاريا، ورومانيا، ويوغسلافيا، وكوبا... بمناضليها وشعرائها وروائييها نقلت نقلاً رسمياً إلى العربية وملأت المكتبات والأرصفة... والعقول والنفوس. إنها ظاهرة الترجمة الرسمية الموجهة.
2 ـ الأحزاب السياسية (الايديولوجية) لم تشذ عن القاعدة، إذ جعلت الثقافة في خدمتها، والمثقفين في مرماها، لتعمل أيضاً على جعل الترجمة جزءاً من الدعاية لأفكارها وسياساتها وممارساتها، بل ولتجزئ أحياناً النص الواحد، والشاعر الواحد، والروائي الواحد، فتقدمهم مبشرين، أو مشوّهين، أو مصادرين. وسياسة هذه الأحزاب (كالأنظمة) تقوم على قسمة العالم إلى نصفين، والثقافة إلى شطرين والمثقفين إلى معسكرين: قسم مرفوض لا يترجم، وقسم مقبول يترجم. الأول يخدم "عدو الأمة" و"الأممية" و"الشعب" و"الامبريالية" و"العدمية". وقسم يخدم الصيرورة والتقدّم والطبقات الكادحة، وحركة التاريخ والمزارعين والفلاحين ونضال الشعوب "العادلة"، والالتزام، وجعل كل شيء في خدمة الحزب الواحد، أو حركة التاريخ الواحدة، وهنا تصبح السياسة المعيار الذي يحدد الاختيار. نأخذ مثلاً بعض الشعراء الأيديولوجيين كنيرودا أو الويار أو أراغون أو البرتي (وحتى لوركا) فنجد أن الأحزاب اليسارية العربية لم تركز في تقديمهم إلينا سوى على الجانب السياسي، سوى على القصائد السياسية المباشرة، وهي أضعف نتاجهم، بحيث يتم تصنيفهم لا كشعراء ذوي تجارب شعرية رائدة، وريادات طليعية، بل كمجرّد ملتزمين. وهكذا يُجعل منهم ومن شعرهم وسيلة من وسائل الترويج الحزبي الضيق.
والأطراف الايديولوجية الأخرى (اليمينية) لم تقصر أيضاً، عندما ركزت على الكتاب والمفكرين ذوي التوجهات المضادة للشيوعية (وللاتحاد السوفياتي) فنقلت إلينا من تجارب هؤلاء ما يلتقي أهدافها الاعلامية المباشرة، من ضمن الحرب الباردة آنئذ، أو من ضمن امتداداتها، لتتوقف عليها ترجمات كتاب "منشقين" أو مناهضين كارثر كوستر ودوس باسوس في مرحلته الثانية بعد انقلابه على احتجاجيته (الطليعية)، وسولجنستين وباسرناك... على أهمية هؤلاء.
3 ـ كل هذا جعل من الترجمة سلاحاً دعائياً بين المعسكرين: الشيوعي والرأسمالي، ووظيفة سياسية مقننة، أثرت على نوعية الترجمة وعلى دقتها وجودتها، لا سيما وأن الترجمات لم توكل دائماً لاختصاصيين أو لمحترفين، بقدر ما أوكلت لحزبيين أو لمناصرين، شوهوا النصوص واختزلوا بما يخدم "الفن في خدمة الحزب"، والحزب في خدمة الايديولوجيا أو السياسة.
4 ـ لكن هذا لم يخف حركة الترجمة الواسعة التي صارت جزءاً من استراتيجيات دور النشر والمجلات وقضية (إبداعية) عند الكثير من الأدباء والباحثين وحتى الفنانين. بمعنى آخر، لم يعد اختيار النص بحثاً عن الشبيه، ولا عن المختلف بقدر ما صار بحثاً عن القيم الفنية والعلمية والمعرفية المميزة. وهذا حدا كثيراً من الشعراء مثلاً إلى ترجمة الشعر، كجزء من الكتابة الشعرية نفسها، أي كجزء من الابداع، خارج اي هدف ايديولوجي، أو خارجي. ولا نبالغ إذا قلنا ان معظم شعرائنا الكبار مارسوا الترجمة، كخليل مطران (ترجمة شكسبير) والسياب ونقولا فياض وانسي الحاج وشوقي ابي شقرا وفؤاد رفقة وأدونيس والياس أبو شبكة.. اضافة إلى كتاب وبحاثة آخرين كحسن عثمان الذي ترجم تحفة دانتي "الكوميديا الالهية" من دون أن ننسى سليمان البستاني وترجمة "الالياذة" وابراهيم اليازجي وترجمة التوراة وصولاً إلى الرواية والمسرحية..
هذا النوع من الترجمة شده الشغف الخاص إلى الترجمة دون أي سبب آخر. وعلى امتداد القرن الماضي انخرطت الترجمة في الضمير الجماعي، وتهافت على قراءتها المجتمع بكل شرائحه وتنوعاته وضروبه. كانت من ناحية توقاً إلى الخروج من حدود الذات، وأخرى محاولة انتاج لهذه الذات، وايضاً محاولة لمعالجة اشكال القلق الوجودي والانساني والتقني. مع هذا بدت حركة الترجمة، عموماً عشوائية، لم تخضع لحظة واضحة تتبناها جهات أو مؤسسات أو حتى أفراد. فمن ناحية تقدمت بشكل من أشكال الالتزام، وأخرى تشكل من أشكال الفردية، وقليلاً ما تقدمت كتعبير شامل عن حاجات المجتمع الكلية وجزءاً من استراتيجية تنموية عامة.
رابعاً، اليوم ومنذ نكسة حزيران 1967، وتداعياتها وتراجع مشروع الحداثة، والحكم القومي، وتتالي الهزائم، وخسوف الايديولوجيات وخيبة الآمال بأفكار التقدم والتجاوز، كأننا نعيش بوادر مرحلة تذكر بالمرحلة التي سبقت الانحطاط: التقوقع في الذات، العودة الماضوية كبنيان متحفي لا كحقل تفاعل، رفض الآخر بما يحمله ويمثله اي كأننا عدنا إلى التاريخ الذي يصنع نفسه، والذات التي تتفاعل بنفسها، والهوية الموحدة دون الغير، مما يجعلنا نخشى من أن نكون مقبلين على اصوليات احادية، ترسم الحاضر والمستقبل من لحظات تاريخية مؤبدة.
وفي هذه المراحل يصبح الآخر "عدواً"، "محور شر" ضمن "صراع حضارات" تتنافى، وتتأثر بالطبع محاولات الانفتاح، وتتأثر تالياً حركة الترجمة التي هي جسر من جسور تفاعل الذات بالآخر. والخطورة، كما سبق أن أشرنا، أن هذا الرفض يتحوّل ظاهرة اجتماعية معممة، ليصيب المجتمع نفسه بالموت والانسحاب والاكتفاء "بهويات قاتلة"، خائفة، تجعل عالمنا مجموعة من الكانتونات الطائفية والدينية والسياسية والقبلية والعشيرية والاتنية. وهنا بالذات تبدو الترجمة كما كانت في النهضتين: العربية الاسلامية، والحديثة، السبيل الرئيسي لمعاودة الخروج من الذات إلى الآخر لتتفاعل به، وتتبلور، وتتكشف، وتبدع. ونظن أن إطلاق سياسة الترجمة مهم، لكنه غير كاف إذا لم ينخرط في بنية المجتمع، بمعنى آخر، على الشرائح الثقافية والسياسية والعلمية، أن تعمل، وبوسائل جديدة، على أن تساهم في محاصرة أشكال الارتداد، بجعل المجتمع ككل، يعود إلى رغبة الخروج من دوائره الضيّقة، والموروث الميت، إلى ما هو بلا حدود.
فإذا لم يقبل المجتمع هذا الخروج، فكل محاولات الترجمة، والاقتباس، والقراءات تذهب أدراج الرياح، وكل رغبات التفاعل تتساقط قبل نضوجها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.