ـ I ـ
الذات المليئة تكتفي بامتلائها الذي لا يتسع لإضافة، أو لاستزادة، أو لاختلاف. الذات المليئة تفيض على نفسها، على قدر ما تفيض خارجها، بحكم أنها تختصر وجودها وخريطتها المحكمة، المحددة، والثابتة، والنهائية. فكل ما هو ثابت يحافظ على ثباته. والمحدد يرسم حدوده. والنهائي لا يقبل ما يتحرّك إلى تخوم غير معروفة. فالحاضر الأبدي هو الماضي الأبدي أيضاً. الذات المليئة هي ماضٍ أبدي بقدر ما هي حاضر أبدي. أي أنها تكرر دخولها، وتؤبده، إلى عناصرها ومكوناتها "الأصلية" أو التي تعترف بها. حالة دخول يشبه في ترداده الطقوس، في إعاداته، واستعاداته. فهذه الذات الداخلة بلا انقطاع إلى جغرافيتها المرسومة سلفاً، لا تنفي الزمن فحسب، بل تنفي المكان كبؤرة تتفاعل، أو تتجادل، أو تتحاور مع هذا الزمن بما يحمل من حيويات، أو تحوّلات، أو مشاريع. الذات المليئة خارج كل مشروع. مشروعها الوحيد أن تعبر من النقطة عينها إلى النقطة عينها.
هي حالة "الدخول". وفيها ترتسم القسمات المحفرة، والتخوم المسيّجة، والهُوية الثابتة، المتجمدة في ثباتها. حالة الدخول هذه، ومن قوة تكرارها، تنتفي عنها سمة "الحركة". تتوقف في مراوحتها. وتسكن في حراكها. في هذه النقطة "اللازمنية"، و"اللامكانية"، تستريح الذات إلى "نظامها" الدائري، وتحافظ على ملامح هويتها. فهي لا تحتاج إلا إلى ألوانها وأشكالها ودروبها المحفرة، ومعارفها المحفوظة. ومآسيها المستذكرة. وأسطورتها اللامعة بشبيهها وتماثلاتها. فالآخر إما أن يكون مثلها، أو نموذجها أو لا يكون. فالآخر غير موجود. والأنا الفردية والجماعية، ناجزة، حتى النرجسية، والاكتمال والكمال.
هي حالة الدخول المتراكم والمتكدس على نفسه. لا يبتغي منفذاً. أو مخرجاً، أو مجهولاً. أو مختلفاً، لاكتفائه بينابيعه الأولى. ومصباته الأولى. ومساحاته الأولى.
على هذا الأساس لا يمكن أن تنتظر هذه الذات المنغلقة أي شيء. لا تريد أن تمشي. أو تتحرّك. أو حتى أن تغيّر مساحيقها وأقنعتها. إنها على خشبة واحدة، بديكور واحد، وبممثل واحد. وبنص واحد. وبجمهور واحد. وبموت واحد.
هذه الذات تتناسل في واحديتها لأنها لا تعرف ولا تريد الخروج. ولأنها تخاف من الخروج. ولأنها تنفي، تالياً، كل ما هو على مساحة ذلك الخروج. وتوهمها بأنها تحفظ وجودها في نفي الخروج هذا الذي، قد يؤدي إلى اندثارها. هذا ما يُسمى بالانحطاط. ذلك أن الذات لا يمكن أن تكتشف نفسها، إلا بحركة الخروج من الذات. الخروج نحو الآخر، الذي هو، مهما تعدد، ليس سوى وجه من احتمالاتها. أو من انتظاراتها. أو الأحرى ليس هو سوى الذات نفسها تبحث عن وجوهها، ومعارفها، وإمكانياتها، وخرائطها في عبورها اللامتناهي إلى الآخر. وعندها يصبح هذا الآخر جزءاً من تكوينها. يُصبح أكثر من عنصر تفاعل ليكون فعلاً ثقافياً عميقاً. أكثر: ليكون عنصراً تكوينياً من مكوّنات الأنا الفردية أو الجماعية. فالتفاعل، وهو مستوى من مستويات الحوار مع المختلف، لا يمكن أن يتم لا معرفياً، ولا انسانياً، ولا سياحياً، ولا حضارياً، ولا ثقافياً، إذا اقتصر على أن ينفعل بذاته، أو يحاورها، أو يتحد بها، أو يجعلها المثال الأعلى والوحيد.
على هذا الأساس لا يحدث أي تطوّر أو تقدّم أو تجاوز عند الأشخاص والشعوب، إلا عندما يكسر النموذج التاريخي أو الديني أو أي بنية مغلقة، أو نظام نهائي، بحثاً عن سيرورة تتحرّك في هذا اللقاء الحي مع الآخر. ولو عدنا إلى تواريخ النهضات العالمية على مرّ التاريخ لوجدنا، أن من شروطها الأولى كنهضة أن تعبر من تاريخها الخاص، ومن فعلها الخاص، إلى ما هو "خارجي"، إلى ما هو أبعد منها: يتماهى بها على قدر ما يصادمها، ويصادمها على قدر ما يتلقفها، ويحوّلها من مواد وكتل مغلقة إلى مفردات وأجزاء وعناصر ذاتية. ونظن أن من بين العوامل الأساسية التي تساعد على هذا الانتقال ـ الحركة، هو الترجمة.
فالترجمة قد تكون أحد المعابر الأولى من حالة الثبات إلى حالة الحركة، من حالة الاخلاص للنموذج الذاتي، إلى خيانة هذا النموذج، من حالة الفغوة إلى حالة الصحوة، من حالة الركون، والانحطاط والسكون إلى حالة النهوض. من حالة التكرار إلى حالة التجاوز. ذلك أنها فعل خروج. ذلك أنها إدراك عميق بلا جدوى لاكتفاء الذاتي، من الأحادية إلى التعددية.
على هذ الأساس لم تقم نهضة كبيرة في أمة أو عند شعب (أو عند فرد) إلا ضمن شروط إرادة البحث عما هو عند الآخر أو المجهول. ضمن شروط معرفته، لمصدر لا يشبهنا، كمصدر قد يشكل بمعارفه وإبداعاته وإنجازاته صدمة ما، (والصدمة من أعراض القبول). ولهذا لا تبحث الذات الطالحة حتى إلى معرفة كنوزها وأسرارها، عن قرينها أو شبيهها. والذات التي تنفي هذه المعرفة الغيرية، وتتمسك بسماتها الخالدة، وأعرافها، ونصوصها المغلقة، هي ذات لا بد من أن تسقط في موتها الداخلي.
ماذا لو حطّم الرومان الحضارة الاغريقية، بفلسفتها وعلومها ومسرحها وملاحمها وقوانينها وديموقراطيتها وأنظمتها؟ لما قامت حضارة الامبراطورية الرومانية. وماذا لو لم تترجم هذه الانجازات الاغريقية وتشيع على مستويات النخب والأفراد والمجموعات؟ لربما انقرضت أو انحطت الحضارة الرومانية؟
وماذا لو لم يترجم العرب الفلسفة الاغريقية والعلوم الهندية والفارسية لما كانت الحضارة العربية على هذا الغنى والتعدد والابداع. وماذا لو لم تترجم أعمال التنوير الأوروبية إلى العربية من مسرح، وقوانين ودساتير، وشعر، ورواية، وعلوم فلسفية ونقدية وسياسية... فهل كان ثمة نهضة أو تنوير عندنا؟
ذلك أن العرب لم يخصبوا حضارتهم الجاهلية والاسلامية إلا بفعل خروجهم من جغرافيا الجزيرة إلى العالم، وإلا بفعل ترجماتهم الثقافية الصحيحة، سواء في نهضتهم الأولى في العصر العباسي وتحديداً الأول، أو في نهضتهم الثانية منذ قرابة قرنين. وهذا الخروج تمثل، في ما تمثل، بإكبابهم الجدي على ترجمة الآخر. بحيث تحوّلت مفردات تلك الحضارات إلى عناصر تكوينية داخل المجتمعات العربية. بمعنى أن الترجمة لم تكن مجرّد تفاعل بالآخر فحسب أي مجرّد تلقٍّ له، وإنما أيضاً فعل تغيير في مستوى الذات وفي مستوى الآخر نفسه. وهذا ما يسمى بتطوّر العلوم عند العرب، وتطوّر الفلسفة. والشعر... إلخ. وإذا كان النموذج الذاتي يتفكك بسبب التفاعل مع الخارج، فإن هذا النموذج الخارجي يتفكك أيضاً عندما ينتقل من بيئة إلى بيئة، ومن فكر إلى فكر، ومن معطى إلى معطى. هذه هي مواصفات الفعل الثقافي الناتج عن الترجمة في ألا يقتصر على تحوّل المتلقي فحسب، بل تحوّل النص موضوع التلقي. إنما التبادلية الخصبة. بل كأنها، في بعض المقاربات، عودة الذات (عبر الآخر) إلى مكامن الذات، لكن محملة بأدوات جديدة، إذا اعتبرنا (أو اعتبر سوانا) أن هناك "ذاتاً كونية" (أو نصاً كونياً) يتراكم ويتشارك في صنعه، عبر العصور، مختلف الشعوب والأمم. (نظرية موت المؤلف). بهذا المعنى تترجم الذات نفسها عبر الآخر. ويكتشف الآخر مزيداً من ذاته عبر نصه المترجم. وفي المقابل يكون الانكفاء عن ترجمة الآخر انكفاءً عن الذات نفسها، بقدر ما هو انكفاء عن الآخر.
هذا الشعور بالحاجة إلى الانتقال أو إلى الحركة لا بد من أن تتوفر له تراكمات خاصة، تجعل منه ضرورة وشرطاً من شروط إثبات الذات من جهة، وإثبات أن الآخر جزء من الذات من جهة أخرى. أي أنها في النهاية مسألة حاجة اجتماعية إلى نفض الحدود أو إثارة المعطيات، أو تحريك الحقائق المهيمنة أو الطاغية على العلاقات والتواريخ والبيئات الحضارية والجغرافية معاً. فالمجتمعات عندما تصيبها هواجس الجمود، أو تهزها "أعراض" الوعي الفردية والعمومية، تكتشف أولاً مدى إلزاماتها بضرورة معرفة أن الذات التاريخية (دينية أو قبلية سياسية) هي ذات جزئية وناقصة. وأن اكتمالها إنما هو فعل سيرورة وصيرورة نحو الخارج. إذ لم يعد الشعور بالامتلاء سوى شعور بالثبات، وتالياً بالحصار. ونظن أن الترجمة في هذا الاطار، تبدو جزءاً من هذه الحاجة وشرطاً من شروطها وكذلك طريقاً وأداة.
المجتمعات الجاهلية (على ما وصل إلينا وهو غير واف) لم تتملكها هذه الهواجس بتجاوز معطياتها. لأنها كانت مكوّنات قبلية ناجزة. مكتفية. ومغلقة. وحتى العنصر الديني (المسيحية واليهودية والدهرية وعبادة الأصنام) كان مختزلاً في العصبية القبلية. بحيث ينتفي عنه أي "ضرورة" بالتحرّك نحو آفاقه. كان، وكجزء من العصبية القبلية، أداة اكتفاء ذاتية في الآلة القبلية الكبرى. كان مجتمع سكون إذاً. كان مجتمع تناحر الذاتيات والهويات الموحدة. كانت المجتمعات إذاً مجتمعات متناثرة من جهة ومنفردة ككليات موجهة إلى داخلها. إذاً كان من الصعب بل من المستحيل أن تنظر هذه المجتمعات إلى الآخر المختلف، لأن الآخر لم يكن مختلفاً. بل لم يكن موجوداً إلا كعنصر تهديد مشابه ومتجانس. فالقبيلة ضد القبيلة. والقبيلة المتشابهة قبيلة "عدوة". ولهذا تصبح القبلية نوعاً من القدرية المنحوتة في عقول الناس. فالدخول إلى الذات هنا دخول متكرر، والخروج منها نوع من فقدان الذات نفسها.
عندما ظهر الاسلام، كان خروجاً كبيراً من تلك الذات القبلية بقيمها السائدة، مما أوجد حالات من التحرّك الجماعية نحو أمكنة أخرى من الايمان والحضارة والعقل والانتماء. هذا المنحى التجاوزي السائد، أوجد في الوقت ذاته حاجات للتجاوز إلى الآخر البعيد، المجهول، المغيّب. وهكذا كان خروج الاسلام من الجزيرة بداية وعي الشروط الذاتية وجغرافيتها الحضارية والثقافية والدينية. ومسألة الخروج باتت بفعل قوة الدعوة إلى ظواهر جماعية واجتماعية، بات هناك وعي حاد يلائم بين الحاجة إلى الذات الجديدة، والحاجة إلى الذوات الأخرى. نقطتا اللقاء هذا، كانتا الوجهتين الكبيرتين، ليس فقط لاكتشاف الذات لنفسها وتأكيدها، وإنما لاكتشافها وتأكيدها وإخصابها بها عبر الحضارات الأخرى المتواجدة، والتي وصلت إلى الصين. وكان على المجتمعات الاسلامية والعربية آنئذ أن تحوِّل التفاعل فعلاً حضارياً شاملاً، يتصل بتكوين الدولة وثقافتها وعقلها وامتدادها على الجغرافيا المتسعة. بمعنى آخر لم تعد من هوية أحادية للدين الموحد، وللناس المنتمين، بقدر ما باتت الهوية نفسها مشروعاً مفتوحاً على إنجازات العقل البشري من الاغريق إلى الهنود والفرس وسواهم من الأمم والشعوب. أي أن الهوية الذاتية لم تعد معطىً مغلقاً، خائفاً، مهووساً باحتمال الانكسار والتشتت، بقدر ما صارت أفقاً يتسع، لكل احتمالات التهجين. إنها الهوية المهجّنة بامتياز. ومن يعد إلى العصور العباسية، قمة التفتح هذا، يرَ أن المجتمعات العربية والاسلامية، وبفعل التراكم، نضجت لترى في الآخر موضوع تفاعل، تصوغ عبره أناها التاريخية والاجتماعية والفلسفية والسياسية.
هنا كانت الترجمة العنصر الأساسي في العبور من الخصوصية التي تأسست على الاسلام، إلى الخصوصية المتداخلة في الآخر. وكلنا يعرف أن الترجمة في العصور العباسية لا سيما الأول والثاني، لم تكن حاجة فردية، أو حالة منعزلة، بقدر ما كانت ظاهرة اجتماعية. مجتمع كله، بتنوّعاته العرقية والدينية وحتى القبلية تحرّك في خروجه، في مشروع لا متناهٍ من المعرفة والاكتشاف، والابداع والحرية أيضاً. إن تهجين أي بيئة أو أي حضارة، يحمل في طياته نوعاً من الحرية، تتجاوز ما يُسمى "التسامح" أو قبول (الآخر)، إلى صوغ تاريخ مشترك، ومشروع مشترك.
وعندما ازدهرت الترجمات من علوم وطب وفلسفة ورياضيات وكيمياء... وأدب وحكايات، كان يجمع كل هذا الازدهار حركة اجتماعية خصبة ومتكاملة. ولهذا لم يكن تأثير الترجمات مقتصراً على أفراد معينين أو نخب محدودة، بقدر ما كان تأثيرها جماعياً. والتعبير الأول عن ذلك كان قبول المجتمع بهذا الافلات من الحدود الضيقة. صحيح أن الدولة الاسلامية شجعت الترجمة، ولكن الصحيح أيضاً أن المجتمع العربي ساهم بنوازعه الكبيرة، وبمتطلباته، على نموها، وتفعيلها في العقول، والرهانات، وطرق العيش، وحتى طرق التفكير. فالانفتاح على الآخر لم يكن مجرّد "حاجة" محددة، بقدر ما تحوّل أسلوب حياة، وطريقة تفكير، وكيفية إحساس. أي اقتناعاً بنفي أشكال الثبات والتجمد والتشبث بالمعطيات وحتى "الجواهر" والمسلمات. مجتمع يدفع ذاته المفتوحة إلى تخوم أخرى، أكثر مما يُعيد انتاجها، كما كان يحصل في الجاهلية. اختراع الذات وليس إعادة انتاجها، لم يأتِ بفعل الأسئلة الكبيرة التي طرحها الاسلام، فحسب، وإنما أيضاً، بفعل الأسئلة الكبرى التي واجهها المجتمع عند الآخر. أوليس هذا ما يفسّر هذه المناخات الجدالية من فقهية وفلسفية وعلمية ونقدية التي سادت العصور العربية، ونتجت عنها فرق ونحل واتجاهات متعددة حتى التناقض. ولا نظن أن هذه المناخات الجدالية كانت لتتم حتى على الصعيد النخبوي، لو لم يتم الاطلاع على الثقافات الأخرى، والانفتاح عليها، والتماهي بها، ونقدها، عبر الترجمة، كما أنه لو نقلنا هذه المسألة إلى الآداب نفسها لا سيما الشعر لوجدنا أن الشعر العربي القديم (العباسي) بشعرائه الكبار كأبي تمام وبشار وأبي نواس والمتنبي والبحتري وابن الرومي وصولاً إلى أبي العلاء المعري ما كان ليخرج على المنحى الجاهلي والراشدي والأموي، لو لم يتغذَّ بحركة النقل المتنوّعة من علوم وكيمياء وفلسفة وجبر وهندسة. شذرات، بقدر ما تحوّلت فعلاً شعرياً ساعد الشعراء على صوغ قصائدهم كبنى شعرية، وكتأليف داخلي ينسج العلاقات العضوية بين العناصر الشعرية. وإذا اعتبرنا أن مفهوم القصيدة، يعني كبناء متداخل ومصهور، يرتكز بشكل أساسي على وعي هذه العناصر، وإدخال الوعي العقلاني (إلى الحدسي) في صوغ وحدة القصيدة الداخلية، فإن هذا الوعي الحاد اقتبس وإلى حد كبير من الثقافة الفلسفية التي اطلع عليها بالترجمة هؤلاء الشعراء. فالقصيدة عند هؤلاء لم تعد مجموعة مقاطع مستقلة تساق ضمن التقليد الشعري كما كانت الحال في الجاهلية وإلى حد كبير في العصر الأموي، ولم تعد صياغة أبيات تجعل من مجموعها قصيدة ما. صارت جسداً واحداً. لا تصور بين مكوّناته وصوره وقوافيه ودلالاته. يضاف إلى هذه النواحي التقنية، ان التأملية في القصيدة العربية العباسية اكتسبت عمقاً فلسفياً وفكرياً، ونضجاً انسانياً تراكم نفسها على الموروث الديني العميق. هذا ما نقرأه عند المتنبي وأبي نواس والمعري وابن الرومي... ولعل اللافت أيضاً أن الخروج إلى الآخر عبر الترجمة، حفز الشعراء بشكل واعٍ أو غير واعٍ الخروج على التقليد. أي الذات الشعرية التاريخية المتمثلة بنمط الشعر الجاهلي والأفكار والأحاسيس التي رافقته. هكذا نفسر ظاهرتي أبي نواس وبشار. (من صعاليك العصر العباسي الأول)، وهكذا نفسر جرأة المعري. نقول هذا ونعرف أن القصيدة القديمة لم تنفلت بخروجها هذا إلى الأمكنة الخطرة التي ارتادها النثر العربي، لأنها كانت محكومة إلى حد كبير بالذائقة البلاطية والرسمية المعممة.
ونغامر هنا بالقول ان النثر العربي كفن مستقل عن الشعر (عبد الحميد الكاتب، ابن المقفع...)، والنثر الآخر الذي تداخله المشاعر والأحداس والمخيّلات (الخُطب، ألف ليلة وليلة، رسائل العشاق...)، قد تجاوز، وعبر التعليمات التي وضعت ونقلت المناحي العقلانية من جهة، والتخييل الشعبي (ألف ليلة وليلة) والحدسية (الصوفية)، هذا النثر هو الذي أبحر باللغة وقادها إلى مناطق لم تدركها القصيدة الموزونة. و"كليلة ودمنة" مسرحت علاقة السلطة برعيتها، ضمن أفكار العدالة وأصول الحكم على ألسنة الحيوانات. وهذه المسرحة، كأقنعة ومجازات، أخصبت أنواعاً جديدة من الكتابة والتفكير وتناول الأمور، وأضافت رهافة جديدة إلى الذائقة الشعبية والنخبوية، وفتحت آفاقاً رحبة للفصل بين الشعر والنثر. أي بين عالمين منقسمين انقساماً عمودياً. أي بين أسلوبين، لكل منهما عالمه الخاص.
وعلى النقيض فإن "ألف ليلة وليلة" شرعت النثر على عوالم التخيّل والغرائبية والشفوية والروائية. أي جعلت النثر لغة جديدة، تنقل اللاوعي التاريخي والجماعي، محدثة خروجاً شبه كلي على التقاليد الكتابية، وعلى مفهوم الأنواع والأجناس. (وهذا ما ورثته الرواية الغربية الحديثة كمصدر من مصادر أن التخييل هو الوجه الآخر للواقع، وأن اختلاط الأصوات ولازمنيتها ولامحدوديتها وانفتاحها اللانهائي على التأويل المتصدع. إنه نوع من الارتحال إلى خارج الحدود الجغرافية والزمنية المحددة. ارتحال في الذات الأخرى وصولاً إلى عمق الكائن العربي. وهذا بالذات يُعبّر عن الخروج المستمر والفاتح "للأنا" العربية إلى تخوم انسانية رحبة. وهذا بالذات أيضاً تعبير عن الخروج الجماعي (لا النخبوي فقط) إلى مناطق جديدة تحكمها المخيّلة. لكنها مخيّلة ممزوجة بالواقع السفلي والشعبي والعمومي "لأبطال" من خارج البلاطات والقصور والحروب. عالم الهامشيين والمجهولين والعاديين بلغاتهم الحيّة المتدفقة. أحدثت الثورة الأساسية في الشعرية العربية. وإذا كان علينا أن نبحث عن الشعرية العربية الخارجة على التقاليد والمواصفات الجاهزة، والبلاغات المعلبة، فمن الصعب أن نجدها في قصائد معظم فحول الشعر الرسميين. وقد لا نجدها إلا في بعض المصادر وأهمها "ألف ليلة وليلة"، وطبعاً عند الصوفيين... وهي المرة الأولى التي نجد أن مفهوم الشعرية تجاوز القالب العروضي المنظوم إلى القوالب النثرية. هناك بدأت ملامح قصيدة النثر العربية التي سبقت الغرب بمئات السنين. وإذا أردنا أن نرصد التحوّلات الاجتماعية في الامبراطورية الاسلامية، والاقتصادية والطبقات السفلية وغير السفلية والهواجس الجماعية، فمن الصعب أن نجدها مثلاً عند المتنبي أو أبي تمام (ولو وجدنا بعضاً منها عند أبي نواس وبشار بن برد) بالقدر الذي نجده في نصوص ألف ليلة وليلة، ذات التواقيع الجماعية. وأكثر: إن التداخلات الشعبية المهجنة بين العرب والمسلمين وسواهم، وتفاعلاتها، وصراعاتها، ووجوهها وتجلياتها، وإبداعاتها وحركاتها، نفتقدها في القصيدة الرسمية، ونكتشفها بكل ماديتها وجبلاتها في "ألف ليلة وليلة". وهي في ذلك وثيقة مزدوجة: صورة عن علاقة الطبقات العربية ببعضها، وكذلك عن علاقة هذه الطبقات بما سواها من الشعوب التي سيطرت عليها الامبراطورية العربية. كل ذلك يوحي بأن حركة الخروج من الذات العربية المحددة لم تقتصر بترجمة الأعمال العلمية والفلسفية والحضارية، وإنما بخروجها أيضاً إلى الآخر الجماعي ـ الشعبي. وهنا بالذات يمكن رصد اثر الفكر في تحريك الشعوب، بالقدر الذي يمكن فيه رصد الشعوب في تحريك الفكر. وهذا يشير، بشكل ما، إلى كيفية تكوين المجتمع العربي. لا أقول الخليط. وإنما المتبلور عبر التهجين على مختلف الصعد: الأدب، الشعر، الفلسفة، المعمارية، أنماط العيش، العادات والتقاليد، الملبس، الأكل، الرهافة. يعني أن المجتمع العربي تحرك نحو الآخر. بشكل كلي، ليردف ذاته بهذه التحرّكات. فلم يعد هناك فلسفة عربية صرفة. ولا كتابة عربية صرفة. ولا شعر عربي صرف. ولا نثر عربي صرف. مشى المجتمع كما يمشي أي مجتمع قوي، لم يرده الخوف إلى التمسك بمعطياته الأولى: الجاهلية والاسلام، ولم ترجعه النرجسية إلى "ينابيعه" الصافية.
هذا المجتمع الأولي المخصب بالغير انخرط في الثقافة العالمية آنئذ ليُصبح، عبر الترجمة والاحتكاك مجتمعاً عالمياً لا يعترف بالآخر كمجرد آخر منفصل، بقدر ما هو آخر متصل. فالترجمة هنا لم تتم وفق ذهنية التعرّف إلى... فقط، وإنما تفكيك هذه المعارف، لتكوين ذات متعددة، وهوية مفتوحة، من دون الوقوع في شراك أعراض التفوّق التي تؤدي (وأدت) الى رفض الآخر، أو إلى احتقاره، أو إلى إلغائه. فالعدو هنا انسان ذو تاريخ. وقسمات. وإنجازات. ووعي أهميتها بالنسبة إلى المجتمع العربي الاسلامي يزيل أو على الأقل يخفف من احتمالات الاصابة بتورم ذاتي أو بشعور تفوقي يؤديان إلى الافقار، وإعادة انتاج الذات، بشروط المعطيات النهائية. بل وقد يؤديان، على المدى الطويل إلى طمس الذات باسم التمسك بها، وإعدام "الأنا" باسم التشبث بها كحقيقة مطلقة. ولهذا، يمكن استشفاف أن العرب، في خروجهم الجغرافي والفكري والحضاري، لم يقيسوا "حقائقهم" أولاً، من نظرة إطلاقية، ولم يروا إلى الغير رؤية إطلاقية أيضاً. المفهوم النسبي كان المقياس الأساسي الذي اتبعه العرب في تعاملهم مع الخارج. والتعامل النسبي يفترض أن كل شيء لا يمكن أن يكون سوى مادة أولى قابلة للصوغ من جديد عبر كسر ذهنيات النماذج المغلقة، وكذلك عبر تجاوز أطر "التقديس" أو الكمال، وكذلك عبر تفكيك الظواهر والبنى. إنها قوة المجتمع التي تعي ضعفها، أي حاجتها إلى كل ما يعزز قوتها عند الغير. أوليس هذا ما يفسّر هذا الاكباب المتواصل على ترجمة العلوم والفلسفة والطب والكيمياء؟ أوليس هذا ما يفسّر إحساس العربي بقوة المغلوب أو بقوة الغير، قديماً كان أو جديداً؟ كأنما التحرّك ضمن هذا الاطار يعني في الأساس أن التطوّر لا يمكن أن يتحرّك من النقطة ذاتها إلى النقطة ذاتها. فالفكر العربي، خطا خطواته الكبرى، بمحمول الفكر اليوناني. اكتشف ذاته عميقاً عبر أدوات. واكتشف ذاته عبر ذوات الآخر. وهذا ما ينطبق على العلوم... وإبداعات العرب واختراقاتهم في مجالات كالجبر والهندسة والطب والفلك لا تعني أكثر من تحويل التفاعل بالاطلاع على الغير عبر الترجمة، إلى فعل ثقافي إبداعي خاص ومتميّز. صار للعرب علومهم العربية، لأنهم تمازجوا في علوم الغير. وصار عندهم فلسفتهم لأنهم انخرطوا في فلسفة الغير. وصار عندهم عاداتهم الجديدة لأنهم مارسوا عادات الغير. وتغيرت رهافاتهم لأنهم اختلطوا برهافات الغير.
هذا الانتقال التاريخي من مجتمعات محددة بمعارفها وطرق عيشها، هو انتقال جماعي قبل كل شيء. هو انتقال ينم عن إدراك جماعي بضرورة الحركة. وبضرورة صوغ الذات صوغاً لا محدوداً، واعتبار أن الهوية الواحدة المنطوية على وهمها واكتفائها، اندثار لهذه الهوية، وأن الهوية المهجنة هي التي تؤلف ذاتها على مساحة زمنية ومكانية غير محدودة.
إنها لعبة الخروج. مفتاح كل نهوض وتجاوز. لعبة ترجمة الآخر بكل أشكالها وصورها ونصوصها، أو هذا ما حدث عند الحضارات الأخرى: "اليونانية التي تفاعلت ببلاد الرافدين والفراعنة. والرومانية التي تفاعلت باليونانية. والفرنسية التي تفاعلت أيضاً بالرومانية واليونانية. والعثمانية التي تفاعلت بالبيزنطية، والأوروبية ككل التي تفاعلت بالعربية. والأميركية التي بنيت على ثقافة أوروبا... أشكال النهوض والعمارات هذه، إلى سواها، ما كانت لتتم لو رفعت بينها وبين الآخرين الأسوار، واعتبرت نفسها مكتفية بثقتها وحقائقها، بدوافع التفوّق العرقي أو الديني أو حتى السياسي والجغرافي.
(*) قدمت هذه الورقة في "الندوة الدولية الثانية للترجمة": "في القاهرة، التي عقدت مابين 29 أيار والأول من حزيران الجاري.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.