8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأميركان والإصلاح والواقع

كل البنود الأميركية (الأوروبية) المتعلقة بالإصلاح موجودة منذ عشرات العقود، في صلب المطالب السياسية والاقتصادية والديموقراطية، التي تقدمها الأحزاب العربية، والمثقفون العرب. وعلى امتداد هذه العقود، كانت الولايات المتحدة الأميركية، تساند الأنظمة التي ترفض هذه الإصلاحات، لتدعم مناحي هذه الأنظمة الاستبدادية والقمعية والفاسدة. فكأنها كانت شريكاً متواطئاً مع تلك الأنظمة لصدّ المطالب واضطهاد أصحابها، حفاظاً على حلفائها الحكام، ومصالحها المباشرة معهم.
فبين الإصلاحات التي يحفظها الناس على ظهر قلب، من فرط تردادها، وبين المصالح الأميركية تقاطعات وتشابكات. وإذا كان الأميركيون، في السابق، يرون في هذه الإصلاحات وممثليها تهديداً لتلك الأنظمة، فكان من الطبيعي إدراج تلك المطالب في خانة التشويش على بنى تلك السلطات، وحضورها واستفرادها، فهي كانت تعترف بتلك الأنظمة، وتتجاهل المعارضة، أو حركات الاحتجاج، أو حتى الحركات الإصلاحية في حدودها الدنيا. ولم تمنع هذه المواقف المتواطئة، من أن تتواطأ الامبراطورية مع بعض رموز تلك المعارضة بإيوائها أو بالسكوت عنها، أو بدعمها... كاحتياط يستنفر في الوقت المناسب. فما يحاول الأميركيون فرضه من إصلاحات لإزعاج بعض الأنظمة التي لم تعد كلياً في خانتها، هي إصلاحات عربية، ليس فيها من جديد أو طريف أو غريب. فالنهضة العربية لم تتضمن فقط، وبشكل جذري، عبر مفكريها ومثقفيها وكتّابها وفنّانيها وفلاسفتها ونقادها، وأحزابها، بنود تلك الإصلاحات فقط، بل وأدخلتها في صُلب نضالها المستمر، ولا نظن أننا نحتاج إلى من يعلمنا لا طرق هذه الإصلاحات ولا وسائلها، خصوصاً هؤلاء الذين كانوا من العوامل الأساسية التي دعمت كل من أجهض تلك المطالب.
من هنا لا يمكن أخذ المواقف الأميركية على محمل الجد. وأكثر: نظن أن تبنّيها الإصلاحات لن يؤدي إلاّ إلى تشويهها، والحؤول دون تنفيذ أي شيء منها.
والدليل على ذلك أن كل ما "اقترحه" هؤلاء على العرب من ضرورة حرية التعبير وحقوق الإنسان والمرأة، وفصل القضاء عن السياسة... والشفافية، عملوا عكسه في أفغانستان والعراق. فمجرد احتلال بلد ما، وتدمير بناه، وقمع أهله، وسرقة كنوزه، وتنصيب العملاء حكاماً له، وممارسة أنواع التنكيل والتعذيب في السجون وخارجها، تعني، قبل كل شيء، أن ما يطرحونه علينا، ليس أكثر من كلمات وشعارات، لتبرير تدخلات أخرى في شؤوننا. فمن يصدق بوش عندما يُعلن أنه احتل العراق ليقيم نظاماً ديموقراطياً. من يصدقه عندما يتكلم على حرية التعبير؟
فمسألة الإصلاح كمسألة الإرهاب، وسيلتان لانتهاك ما يريدونه. وتصنيف كل من يناضل من أجل حقوقه والدفاع عن أرضه بالإرهاب، يعني شلّ كل إرادة في المقاومة ودعوة إلى الاستسلام. وهذا ما يبتغونه: الاستسلام باسم الإصلاح أو الإرهاب.
وإذا كانت المصداقية الأميركية موضع شك منذ عشرات العقود، فلماذا يجب أن تكون اليوم موقع ثقة. ويكفي أن يعمد المسؤولون الأميركيون إلى الضغط لمنع "الجزيرة" من ممارسة المهنة بحرية وديموقراطية، وتغطية مجازرهم، واستباحاتهم، لكي نتأكد من أن مطالبتها الأنظمة العربية بتوفير حرية التعبير لشعوبها، مطالبة كاذبة. ويكفي أن يعمدوا إلى قمع التظاهرات والى أشكال التوقيف الاعتباطية، وإطلاق النار على الناس لكي تنتفي صحة ادعاءاتهم حول حرية الاحتجاج. ويكفي أن يحاولوا تمويه جرائم التعذيب في سجن أبو غريب، لنتأكد من أنهم لا يختلفون في شيء لا عن صدام حسين ولا عن الأنظمة العربية المماثلة.
كل ذلك يعني، أن الاستعمار هو الاستعمار، والاحتلال هو الاحتلال، ولا مجال لأي ترميم أو تغيير أو إصلاح في ظلهما. وذلك يعني أن تلك الشعارات المطروحة ضمن ما يسمى الشرق الأوسط الكبير ليست سوى ذريعة لتقزيم الشرق الأوسط، وتقزيم شعوبه لا سيما العربية منها. من هنا نطرح أسئلة: إذا كان الأميركيون يعلنون ما يعلنون من وسائل إصلاحية لأهداف مبطنة، فهل هذا يعني أنه يجب علينا أن نطوي الأوراق والأفكار والنضال، لأنها تتقاطع معهم؟ وهل علينا أن نعتبر كل المعارضين والاحتجاجيين والمطالبين بإحداث تغييرات في النظام العربي، هم "عملاء" عند الأميركيين! انها نبرة بعض الأنظمة التي لا تختلف في جوهرها عن اللغة الأميركية، بغية إجهاض كل ما من شأنه أن يغيّر ما في نفوسهم وفي عقولهم وفي نصوصهم.
ونظن أن المهمة الأساسية التي يجب أن يعتمدها الإصلاحيون العرب، اعتبار أن الإصلاح هو قضيتهم، وليست قضية لا الأوروبيين ولا الأميركيين، ولا أي أنظمة أخرى. فما يأتي من الخارج لا يخدم إلاّ الخارج. وما يفرض بالقوة لا يؤدي إلى الديموقراطية. وما نورده ليس سهل التحقيق وسط التحوّلات الارتجاعية التي نعيشها، من تقهقهر في البنى الفكرية والأنظمة السياسية، وظهور أشكال التطرّف الديني والمذهبي والقبلي والعائلي، وحالات الاستبداد الشمولية التي ترزح تحتها. لكن هذه الظواهر لا تعني ويجب ألا تعني، إما الارتباط بالغرب كخشبة خلاص، ولا بالأنظمة كصمامات أمان، ولا بالتفلّت الغيبوبي كأمر واقع، ولا بالانطواء، والارتماء في اليأس والإحباط والهزيمة الداخلية.
فمشكلة الاحتجاجيين أن الأنظمة العربية أوصلتهم إلى قناعات خطرة منها التسليم بالأمر الواقع واليأس من تغييره، والانخراط في سياسة الاختباء والصمت والانكفاء ونشدان الأمان. وهي مشكلة مكّنت الأنظمة من فرض صورتها الأحادية، وهيمنتها الطاغية، وإشعار الجميع بأن لا مجال لا لتغييرها ولا لتبديلها، ولا حتى لإصلاحات جزئية تبقي الأمور على ما هي عليه. بل ومكّنتها من اتباع سياسة لا تجد في شعوبها أكثر من قطعان تسوقها بالعصي أو بالتهديد أو الترغيب أو الشعارات الفارغة.
القوى الموجودة على الساحة العربية معروفة جيداً بإمكاناتها، واقتراحاتها، وتصنيفاتها، وهي، في أسوأ أحوالها: فلا نقابات. لا أحزاب. لا أفكارجديدة. لا برامج واضحة. لا أدوات فاعلة. إنها معلّقة بين انتماءاتها السابقة وانتماءاتها المجهولة المقبلة، على أن رصيدها التاريخي على امتداد القرن الماضي، من إيديولوجيا ونضالات، وأحلام، ومواجهة، وصمود، وتضحية، وتصورات، لا يمكن أن يكون قد زال. أو تبخّر. أو مات. كما يدّعي كثيرون. لأن ما حدث أن العلاقة العضوية بين تلك الأفكار وبناها وبين الواقع المعيشي واعتمالاته قد ضعفت. وان ارتباط المثقفين والسياسيين والحزبيين، بالناس، قد تراجع، إما لأسباب ذاتية، وإما بسبب طغيان الأنظمة، وان إعادة إنتاج تلك الأفكار الآن، كما اقترحت منذ نصف قرن، لم تعد تجدي. وان طبيعة التنظيمات والأحزاب وشكلها وبنيتها، تحتاج إلى إعادة النظر؛ وان التصنيفات الايديولوجية السابقة لمضامينها المغلقة، تحتاج إلى رؤية جديدة منفتحة على الحياة، وعلى التحولات الجارية.
كل هذا يقول ان خمائر التغيير والإصلاح ما زالت حية. وما على المعنيين سوى مراجعتها، مراجعة نقدية شاملة، ووضع أطر لتفعيلها ودفع عجلاتها إلى الحركة.
بهذه الطريقة يمكن اكتشاف قرنين كاملين من الأفكار الغنية، وتاريخاً طويلاً من الكفاح، وحيويات متنوعة، لم تنفد. وبهذه الطريقة يمكن مواجهة تصلّب الأنظمة التي تبنّت كثيراً من هذه الأفكار ووأدها.
من هنا، إن أي إصلاح، لا يمكن أن يتم عبر لعبة التواطؤ مع الأنظمة أو مع أي جهة خارجية، وانه لا بد من تكوّن السبل لتحقيق ما يراد تحقيقه بالتميّز عن طبيعة هذه الأنظمة، التي ترفع شعارات الديموقراطية وهي استبدادية، وشعارات الحرية وهي عدوّها، والديموقراطية وهي ديكتاتورية. نقول هذا لأن بعض المعارضات العربية تلعب لعبة الأنظمة، وتتماهى بها، بحيث تبدو، بنظر الناس، نسخة مشوّهة عنها، بثنائيتها، وفصلها الممارسة عن الواقع، والشعار عن الفكر. بل وتبدو بعض المعارضات، بمناحيها السلطوية، أسوأ من الأنظمة نفسها.
ما نريد أن نقوله هنا أن الإصلاح مسألة خاصة جداً، ولا يمكن أن تجيء من عموميات الخارج، وان الإصلاح قضية الإصلاحيين لا قضية البنى السياسية السائدة والمتجمّدة في عنفها وقهرها وتهويماتها البالية.
وهذا يستدعي، أول ما يستدعي، استقلالية المعارضات عن السلطة، وكذلك عن الخارج، وخصوصاً عن الشرائح العنفية الطالعة من المذهبية والإرهاب وإعدام الآخر.
هذا هو بيت القصيد. أما عن اقتراحات بوش والأوروبيين، فعلينا أن ننظر إليها كوسائل غير ناجعة أولاً، وتصب عند إرادة المهيمنين ثانياً، وعند الأنظمة القائمة ثالثاً.
المهمة صعبة؟ نعم! وعرة؟ نعم! لكن متى كانت أحوال التغيير التي تسعى إلى التحرير والحرية والعدالة والديموقراطية سهلة المنال، في هذا العالم المعقّد الغارق في نرجسيته، وطغيانه، وأطماعه، وميوله التسلطية؟

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00