8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بزنس!

لا نعرف ماذا تبقَّى في أميركا من ديموقراطية لتجعل نثارها نموذجاً، تعلّبه، وتجمّله، وتوضّبه. كأي بضاعة تجارية، وتصدّره إلى البلدان التي لم "تنعم" عليها أنظمتها بالديموقراطية.
والمتبقي من هذه الديموقراطية في أميركا، لا سيما بعد 11 أيلول يكاد لا يكفي الشعب الأميركي نفسه فما بالك، إذا قرر أهل النظام هناك وبذوقهم المتعصب، وبجمالياتهم العنصرية، وبمشاعرهم "المتفوّقة"، ان ينتجوا هذه البقية ويوزعوها سلعاً، لتتكاثر.
ويبدو أنه كلما قلت النوعية الديموقراطية في بلاد العم سام، كثُرت الكمية المصدّرة، وازداد الطلب عليها، في أسواق الأنظمة العالمية، لا سيما العربية، وازداد التهافت على اقتنائها، خوفاً من أن تنفد قبل أن يتمتع الجميع بنعمها، وفوائدها، وعلاجاتها.
هذه الديموقراطية معروضة اليوم علينا للبيع، ومن دون أي منافسة تذكر، لا من الأوروبيين ولا من الروس ولا من الآسيويين. فاحتكار السوق دليل على "جودة" البضاعة، ودليل أيضاً على نجاح وسائل ترويجها العديدة والمتنوّعة. أول الزبائن في المنطقة كان فعلياً العراق. وصلته الديموقراطية بالوسائل الديموقراطية، (وبمنطق السوق المشروعة والسوداء)، بالجيوش والقتل والتدمير والنهب والاحتلال. فالديموقراطية وبعنف اندفاعها، وثقتها بنفسها، تحتل بالقوة. وبالحوار. لا سيما بحوار القوة. والدليل هذا الحوار الدموي اليومي القائم في ندوات القتل اليومية بين ديموقراطية المحتلين الآتية على صهوات البضاعة الأميركية، وبين أهل العراق، الذين اكتشفوا أن هذه البضاعة المروّجة مغشوشة نفدت مدة صلاحيتها، وها هي تسمم بالقدر الذي تستبيح فيه الأرض والناس والتاريخ. وقد سبق أن حطّت هذه الديموقراطية رحالها في أفغانستان. فأهرقت ما أهرقت من دماء وسادت بقوة السلاح والقمع والقتل. والعراقيون يعرفون أفغانستان. وها هم، ولكي لا تفوتهم تلك المذاقات الامبراطورية "المميّزة" يتجرّعون الكؤوس المترعة بأنخاب عالية من المقاومة والمواجهة والرفض. فالديموقراطية ليست بيضاء دائماً تيمناً بالعِرْق الأبيض المتفوّق. ولا ماء قراحاً، تيمناً بدجلة والفرات، ولا هي أيضاً مجرّد كلام لا يعني ما يَقول، ولا يقول ما يعني. تيمناً بقواعد الاكراه التي تشترطها الديموقراطية. فهي حمراء قانية من الدماء التي تهدرها، وهي سوداء قاتمة من رايات الموت التي تنشرها. وهي صفراء شاحبة من الوجوه التي تنصلها، وهي من قوس قزح، عديد اللون، والزركشة، والشفافية، منصوباً فوق المدن والسحاب والحقول. قوس قزح ينزف قتلاً من كل ألوانه. قوس قزح ألوانه كلها دم. وقوس قزح (الديموقراطي) في العراق، لا يختلف كثيراً بشعريته العنيفة والوحشية والهمجية عن قوس قزح يشبه شارون في رفح. ويمكن الأميركيين أن يجعلوا من رسم قوس القزح علماً للعراق، وكذلك علماً لإسرائيل. لأنه تحوّل رمزاً للموت، وإسماً لعملية "نوعية" تبيد الفلسطينيين، وتهدم منازلهم، وتدفنهم أحياء تحت أنقاضها. قوس قزح واحد اليوم في العالم يذكر بعلامات النهاية، أو الشر، أو النذير في أفلام الرعب. فلنسمِّه قوس قزح الديموقراطية. لأن هذه الأخيرة ذات الاسم المرنان، المشنِّف الآذان، لم تعد أكثر من حروب تنضح عدماً. تماماً كقوس القزح ذي الألوان الشعرية الذي لم يعد بعدما صادرت اسمه اسرائيل، أكثر من تعويذة للرعب، وللشياطين ولجهنم. وقد يطلق غداً أسماء أخرى خلابة على عمليات القتل والإبادة. كأن تُسمّى عملية ترحيل الفلسطينيين من رفح أو غزة أو حتى الضفة الغربية "عملية الوردة". أو "عملية القمر" أو "عملية اليمام"... أو "عملية الحب" ليصادروا أيضاً قاموس، ومعجم الأشياء الجميلة في هذا العالم البشع. إنها أصول الديموقراطية، أن توضّب سياسات الاعدام بأغلفة الحياة. والغزو بأسماء الحضارة، والنهب بأسماء القانون. والاستباحة بأسماء الحرية. والتعذيب بأسماء حقوق الانسان. إنه منطق السوق. والتجارة، والاستهلاك السريع. والترويج. كلها اليوم في ظهرانينا. وعلى عتباتنا، وفي عمق وجودنا. ولو راقبنا "اللوك" الذي يظهر فيه بوش أو باول أو رايس أو رمسفيلد بعد كل مجزرة ترتكب في اسرائيل أو في العراق، وهذا الهدوء، وذاك التهذيب والرصانة وتلك اللياقة في الطرح والعرض والملبس وحسن التخلص والاجابة، وتلك القسمات المضيئة، وتلك الوقفات المتواضعة لكن الأنيقة والشامخة معاً، لعرفنا سر السحر في اعلانات البضائع في التلفزيونات ووسائل الاعلام. في الميدان بربرية وعلى المنصات حضارة. بين الأروقة والكواليس والجدران مؤامرات سود وأمام الملأ شفافيات ناصعة. كلها وصلتنا بعناصرها الجوهرية. وما علينا إلا أن نفتح صدورنا وأبوابنا وآبارنا وخيراتنا ونفلشها تحت قدميها.
إنه العالم الحضاري بامتياز. هكذا غزا الاستعمار الأوروبي العالم وأباد مَنْ أباد من شعوبه "المتخلفة"، وهكذا صادر خيراتهم، ونهب كنوزهم. بهذه المشهدية الجمالية المتألقة مورست العنصرية، وبهذه البلاغة العالية نفّذت المجازر الجماعية. أوليست هذه هي الديموقراطية أو أركاناً أساسية من مكوّناتها. ونكاد نتساءل أحياناً: هل "اختُرعت" الديموقراطية في الغرب لتبرير الاستعمار وشرعنته والتصويت عليه وإقراره وإجراء الاستطلاعات على الهيمنة على الشعوب الأخرى؟ (الله أعلم!). ونكاد نتساءل: هل اختُرعت الديموقراطية في الغرب لتوريط شعوب في قتل شعوب أخرى، انطلاقاً من التمثيل البرلماني وتداول السلطات والايديولوجيات والحوارات الراقية السامية. إذاً، فلنُقتل اليوم ونحن نتمتع بديموقراطيتهم. كما استُعمرنا بالأمس وقُتلنا ونحن نتمتع بديموقراطياتهم. وما عليك في هذه الشعارات اللمّاعة اللفظية سوى أن تنضم إلى الجوقة الكونية وتعترف بأن للديموقراطية نموذجاً رائعاً في أميركا، أم الحريات، وأم المقهورين، والمسحوقين، في المقالب الأخرى من العالم. أوليس عندهم حرية تعبير؟ نعم! ولكن ماذا فعلت هذه الحرية سوى التصفيق لقرار أميركا إعلان الحرب على العراق واحتلاله؛ وماذا فعلت حرية التعبير في اسرائيل سوى التصفيق للمجازر التي يرتكبها شارون ومن سبقه في حق الشعب الفلسطيني؟ لا شي! وربما كل شيء بالنسبة إلى دول ديموقراطية ترصد لعسكرها وسلاحها أكبر الميزانيات؟ لا شيء. وربما كل شيء بالنسبة إلى أنظمة ديموقراطية تحكمها ذهنيات معسكرة؟ وبالنسبة إلى أنظمة لا تتقيّد لا بقرارات المجتمع الدولي، ولا بسلامة البيئة، ولا بعدالة القضايا...
السؤال: هل ما زلنا نحتاج إلى مثل هذه الديموقراطيات المعروضة للبيع؟ وبأسعار عالية هنا وبخسة هناك؟ وهل علينا، وبمنطق العرض والطلب، أن نختار ما نختار من هذه الديموقراطيات ونستهلكها استهلاكنا للمنتوجات التجارية حتى من دون أن نتبيّن لا تاريخ صنعها. ولا تاريخ نفادها ولو اضطررنا أن نشتري هذه البضائع "للتنفيعة"، أو لرشوة أصحابها مقابل المحافظة على بضائع أنظمتنا الاستبدادية التي تريد القوة العظمى أن تقايضها ببضاعتها؟ أو ثمناً لبقائها، أو ثمناً لمعادلة الديموقراطية الأميركية المسلّعة بالدكتاتوريات العربية المسلّعة أيضاً. بيزنس! كله بيزنس. الاصلاحات المطلوبة من القمة العربية بيزنس، والديموقراطيات البديلة المعروضة علينا بيزنس أيضاً. وكأن الكون كله يعيش مرحلة "عولمة" البزنس. وحقوق البزنس. وحريات البزنس. وحروب البزنس. وسلم البزنس. أوليس هذا ما تفعله اسرائيل أيضاً: تقايض الدم الفلسطيني بمشاريعها الاستيطانية؟ أوليس هذا ما يفسر علاقة البيت الأبيض باسرائيل: بزنس انتخابي مقابل تأييد ذلك البيت الأسود بأصوات اليهود والصهاينة في الانتخابات الأميركية؟ وبين دكتاتوريات البزنس وديموقراطيات البزنس تسيل الدماء والحروب والمذابح والانتهاكات. ذلك أن الديموقراطية الامبراطورية تحتاج إلى أسواق، وعلى أسواقها أن تكون مفتوحة لهذه الحروب والمجازر. وأحياناً تتنافس ديموقراطيات البزنس بين الأميركان والأوروبيين وعندها تهب الأسعار، وتُساق الشعوب إلى حتوفها وانهياراتها، لتفسح في المجال لانتصار هذه البضاعة الديموقراطية من أميركا على البضاعة الديموقراطية من أوروبا. إذاً من الصعب علينا أن ننخرط في هذه "المنافسات" الليبرالية أو النيوليبرالية وصولاً إلى "المنافسات" الدينية والايديولوجية والأصولية والطائفية، من دون أن يكون عندنا ما نقدّمه أو ما نشتريه أو ما نبيعه. فالسوق الديموقراطية لا ترحم! وقواعدها "الليبرالية" في حرية تصدير الشعارات والحروب تيمناً "بحرية حركة البضائع والسلع"، مقدّسة. ولأننا الأضعف في سياسة العرض والطلب، وقد استنفدنا بضاعتنا مجاناً هنا، أو بأسعار بخسة هناك (منذ نحو نصف قرن)، فإن ساحاتنا تبدو شبه خالية إلا من "المواد" الأميركية، والعروض الوهمية.
نكرر السؤال: هل ما زلنا نحتاج إلى مثل هذه الديموقراطية "الاستيهامية"، وعندما نطرح مثل هذه التساؤلات التي يطرحها سوانا من الشعوب، لا نعني أننا نفضل الاستبداد على الحرية، والدكتاتورية على الديموقراطية، ولكن لظننا أن "الدكان" العالمي المفتوح لبيع مثل هذه الشعارات، يلجأ إلى مقايضة الوهم بالوجود، والشعار بالاحتلال، واللاشيء بالسيادة. فأي ديموقراطية هذه تعرض على الأنظمة (لا على الشعوب) مقابل التخلي عن كل شيء حتى عن احتمالات الديموقراطية نفسها. فالأميركان يبيعون مادة الاصلاح لكي تبقى الأمور كما هي، وتشرع "الأسواق" لهم ولسياستهم. والدليل أن هذا البازار فُتح ودخلت فيه ليبيا وقبلت شروطه ومواصفاته: فقُويض النظام بسلامته إزاء "انفتاحه" على الشروط الأميركية، ليبقى كل شيء على حاله، وتعيد تصنيف النظام الليبي من نظام استبدادي وحتى إرهابي إلى نظام "متفهّم" و"منفتح" و"محب للسلام". ويقال ان عروضاً مماثلة قدّمت إلى صدام. وعاند. وكأنه نسي قواعد اللعبة. فنال ما ناله. والعروض المماثلة تقدّم حالياً إلى سوريا. البازار "الديموقراطي" الاصلاحي نفسه. وهذه الأخيرة عاندت وتعاند، فطبق عليها عقوبات الكونغرس. والعروض نفسها قدّمت وتقدّم إلى الفلسطينيين. عاندوا. وقاوموا. وها هم يدفعون الثمن. رفضوا مقايضة أرضهم وشعبهم بسلامة اسرائيل. رفضوا دخول البازار بهذه الأسعار المتدنية. والسعودية لا تخرج على هذا الاطار. إما أن تعطيهم ما يريدون أو يوسعوا "البازار" عليهم... كل ذلك تحت شعارات "الاصلاح"، و"حقوق الانسان" و"حقوق المرأة"، و"تداول السلطة" وفصل القضاء عن السياسة، وحرية التعبير. عال. كلنا يطالب الأنظمة بذلك. لكن الأميركيين لا يريدون من كل "المطالب" سوى ذريعة لإخضاع هذه الأنظمة "لبضاعتهم" وأسواقهم وخططهم ولإسرائيل. لدرجة أن قبول الديموقراطية الأميركية بات يعادل تخلي الفلسطينيين عن فلسطين، والسوريين عن الجولان، واللبنانيين عن مزارع شبعا، والسعوديين عن خيراتهم. فماذا نريد من هذه الديموقراطية الوهمية أصلاً التي نقايضها بما تبقى عندنا من "استقلالية"، وحقوق مشروعة، وتمسك حتى بالأرض فضلاً عن الدولة.
لماذا علينا أن نشتري "الديموقراطية" بدلاً من أن نشارك في صنعها؟ لماذا علينا أن "نشتري" أنظمتنا من الأميركان، بدلاً من أن "نشتريها" من شعوبها، الضامنة الأساسية لكل مقاومة ولكل حُكم ولكل سلطة. بل لماذا علينا أن نستقوي بالخارج (وهو أميركي أو اسرائيلي) على ناسنا؟ هكذا يغلق سوبر ماركت الاصلاح الأميركي، ودكاكين شهادات حسن السلوك التي توزع عن المرضي عنهم؟ وهكذا تبدد المخاوف وتواجه المؤامرات. وعندها، يمكن أن تشكك وبالفم الملآن بتلك الديموقراطيات "المسلعة" في أميركا وفي اسرائيل. وعندها يمكن أن نختار بإرادتنا ما يطيب لنا من هذا البازار الأميركي الامبراطوري.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00