8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأفكار في مكان آخر

عندما ترى كمية الموت والدم والعنف والجنون والتعصب والبدائية والوحشية والغرائز والحروب الطائفية والأصولية والاتنية والقبلية والدينية والايديولوجية تحس كأنما هناك هذيان كوني أفلت من عقاله، واجتاح حدود القارات والدنيا والآخرة.
وعندما ترى أن أعظم امبراطورية في التاريخ، المدججة بالأسلحة والتكنولوجيا و"المثل" العليا، (والسفلى) تتصرّف كأصغر عصابة سطو في آخر مدينة في العالم، ويمارس جنودها (وجندياتها أيضاً وبأنوثة الجنديات) ما لا يمارسه حتى أصغر جهاز بوليسي أو قمعي أو بربري في أي نظام استبدادي في العالم الثالث، تحس فعلاً، بأن ما نعيشه يختزل تواريخ الحروب الهمجية منذ قايين وهابيل وانتهاء بمجازر حي الزيتون في غزة ومروراً بكل المذابح المعروف منها والمجهول...
عندما تشهد كل هذه الويلات، وتقرأ معظم الدراسات والمقالات والأبحاث والأعمال الفكرية والنقدية والسياسية، المدرجة تحت مسميات "ما بعد الحداثة"، و"العولمة" و"ما بعد العولمة"، كما اكتشفنا في السابق اننا في حميم الامبريالية ومجتمع الاستهلاك وما بعد مجتمع الاستهلاك، والإيديولوجيا وما بعد الايديولوجيا والتاريخ "وما بعد التاريخ"، والجغرافيا ما بعد الجغرافيا، والرأسمالية، وما بعد الرأسمالية، والتكنولوجيا، ومابعد التكنولوجيا، والانسان وما بعد الانسان، وما بعد الجواهر والبنى التاريخية، وكلّها مصنّفة، إلى حد كبير. على أنقاض الحداثة والمحدثين، والنور والتنويريين، والنهضة والنهضويين، والعقل والعقلانيين، تحت بافطة "ما بعد"... الحداثة، تشعر، وأنت تقرأ كل هذه المقولات والمفاهيم، وكأنك مصاب بدوار من نوع جديد، وبسوء تفاهم أقرب إلى العبثية واللامعقول... حتى الغثيان. وتتساءل (إذا ما تبقى عندك حول للتساؤل): ماذا تعني كل هذه الأفكار "الجديدة" (هل هي جديدة؟) المعلنة النهايات والـ"ما قبل"، و"الحداثة"، والمبشرة بالـ"ما بعد" ما بعد الحداثة. (تبقى الحداثة في ما بعدها، كأن المابعد بلا اسم ولا عائلة ولا تذكرة!). بل وتكاد تقول ان ما تقرأ، على أهميته الجدالية أو السجالية أو الافتراضية أو الايهامية أو حتى التخييلية، ليس أكثر من تهويمات فكرية وسياسية وايديولوجية مفعمة بالترف... بل وتعجز عن ربط أي علاقة بما يجري في عالمنا وما يجري في هذه "الأفكار"، متسامية كانت أم متعالية أم في حدود الواقعية، أو حتى في حدود الحياة اليومية. كأن كل شيء في كل شيء، لأنك تحس أن كل شيء منفصل عن كل شيء أيضاً. كل شيء على حدة، وكل شيء داخل كل شيء. ملحمة واسعة من التناقضات والتناكرات والهواجس والخوف والتفكير واللاتفكير والغرائز والعقلانية واللاعقلانية والجنون والهوس والموت والحياة. مَنْ أعلن نهاية التاريخ، بشر بتاريخ آخر. ومن أعلن موت الحداثة والمبشرة بحداثة أخرى، بل كأني أقول أن ما يسمونه زمن ما بعد الحداثة، هو فعلياً زمن ما قبل الحداثة بامتياز. ولأننا لا نعرف لا متى بدأت الحداثة ولا متى انتهت، نجد أنفسنا في زمن التبست فيه الأزمنة. في تاريخ مصنوع من كل التواريخ. في جغرافيات وتخوم مائعة أرَقّ من قشرة الجليد، بل أكاد أقول إنها حروب "الحداثات" المتراكمة لكن المتنافية والمتلاغية. زمن المنقلبات بعد زمن الانقلابات؟ نعم! لكن حتى هذه المنقلبات يعصى عليك تبيان سيميائها وهوياتها وخصوصياتها التاريخية أو المستحدثة.
والمفارقة أن كثيراً من الكتاب والمحللين والمفكرين يصدقون (بل ويبصمون بوعيهم الحاد!) إن ما نعيشه اليوم ونفكره ونعقلنه ونستشفه ونستبطنه واضح ومحدد، ومقنن، وتحت سيطرة اليافطات والمسميات والتحديدات والمفاهيم وحتى الأنساق الجلية، الصافية، الرائعة كعين الديك. يفصلون الظواهر المستشرية بمباضع وبمشارط تفرق بين هذه السمة وتلك، ليكثروا، وهم في هذا "المخاض"، و"الخضم" من إضافة "ما بعد" إلى كل شيء، وإلى "مقارباتهم" بثقة عالية، وإدراك صقيل ورهيف. وكأنهم، وهم يحللون (أو يستعيرون تحاليلهم)، ينسلخون عن سماكة ما يحيط بهم، من تداعيات، وتخبطات، وامتزاجات، وتداخلات وجنوح وارتداد، لا في مستويات الوقائع فحسب، بل، وتحديداً في مستويات الواقع ومتخيّله، والأمور وتوهماتها، حتى كأن ما يجري على هذه الفانية في جانب، وأفكارهم في جانب آخر.
نقول هذا، ونحن نقدر تلك الجهود الكبيرة، التي يبذلها بعض المعنيين بشؤون الفكر والفلسفة والسياسة خصوصاً الهامشيين منهم، والذين يشكلون جزءاً من مقاومة الظواهر الدامغة، والسوداء، لهذا الزمن. ولكن ما لا نفهمه (ونعتذر عن عدم فهمنا)، محاولة معظم هؤلاء "الجدد" أو المخضرمين أو "القدامى"، كيف أمكنهم وبهذه السرعة فصل الأمور، ونزعها من سياقاتها الراهنة أولاً، ومن سياقاتها التاريخية ثانياً. بل وكيف تصبح في النهاية الحروب الفكرية حروب مصطلحات، مجرد مصطلحات، تتخبط في مناهج (دائماً عابرة) وفي تصوّرات ترتبط في جوهرها وفي تجلياتها بافتراضيات تُحوَّل بسحر ساحر أنماطاً "واقعية" أو "حقائق" أو حتى ايديولوجيات. كأنه التدبير القسري يُفرض، لتتحوّل الفرضية إلى فرض. وتتحوّل الأفكار "مستعلية" إلى جذور، والطوبويات نوازع مادية، في قراءة "فوقية" أو إملائية للحياة قبل المعيش وقبل الواقع. وماذا "تعني "التصنيفات" عندها سوى تقطيع أوصال الوشائج التي لا بد من أن تربط الأنماط الذهنية والدورات الفكرية بصورها التمثيلية أو الميدانية، أوليست هذه الأنماط هي التي أوصلتنا، (لا سيما نحن العرب) إلى هذه الحركات المتنافية بين الايديولوجيات والأفكار والمذاهب، ليس ضمن المتناقض بينها، ولكن أيضاً ضمن الايديولوجية نفسها والمذهب نفسه، أوليس هذا ما حال دون تراكم التجارب الدينية والطائفية والفلسفية والعقلانية"، بحيث تحرّكت كل تجربة بشكل معزول انفرادي، فأدى ذلك إلى تهشيم كل بنية وتناثرها، تحت مسميات التنوّع أو التعدد، أو التشظي وأدى إلى وصولنا إلى هذا الفراغ الهائل، وإلى مرحلة عدنا لا نميّز ما إذا كانت استمراراً للماضي أو للحاضر، أو وجهاً من وجوه الحداثة، أو وجهاً غلى نقيضها؛ وبدلاً من تبيان مكامن الخلل في إطار نقدي (ذاتي وموضوعي)، تلحظ هروباً إلى الأمام عبر تبنّي اتجاهات جديدة لم نشارك لا في صنعها ولا تدبيرها ولا تعديلها ولا حتى في مقاربتها، ولا في مراجعتها، هكذا نكتشف فجأة أننا في زمن ما بعد الحداثة، بعدما اكتشفنا سابقاً أننا في زمن الحداثة. وهكذا نكتشف فجأة أننا في صميم "العولمة"، كما اكتشفنا في السابق أننا في صميم الإمبريالية، ثم نكتشف فجأة أننا في "مجتمع الفرجة" كما اكتشفنا من قبل أننا في زمن التصوّرات الذهنية والتجريدية. ونكتشف فجأة أن "الطليعية" انتهت، بعدما اكتشفنا ذات زمن ومن دون سابق انذار أننا في قلب الطليعية. ونكتشف فجأة أن الفكر القومي "أفلس"، وفكرة "اليسار" أفلست، وفكرة "التقدّم" توفاها الله، وفكرة التغيير أجهضت، لنسهل على أنفسنا انتقالنا من كل هذه الظواهر والاتجاهات، إلى خلافها: العائلية، الطائفية، المذهبية، السلطوية المباشرة، فتتحوّل هذه بدورها، (بالنسبة إلى المنتقلين إليها) ايديولوجيا الأمر الواقع. وهكذا نستريح: بما أن كل ما صنع وجودنا من أفكار ثورية متقدمة وطليعية قد انتهى هكذا من تلقائه، فمن الطبيعي ان نركب القطارات المريحة المعاكسة ونستريح. وكما كنا، ذات زمن، نواكب ما يطلع من هنا وهناك، ونحتضنه ونلتزمه، بدون حساب، ولا فهم ولا نقد ولا مراجعة ولا إبداع، فها نحن ننخرط في "العولمة" مثلاً لأن العولمة باتت موجودة، وننخرط في "ما بعد الحداثة" لأن "الحداثة" ودَّعتنا، وننخرط في "التفكيكية" لأننا سمعنا ان البنيوية أدت قسطها للعلى ونامت، من دون أن نقول لا لماذا تبنينا البنيوية، ولا لماذا اقتحمنا فردوس التفكيكية. والذين كانوا بنيويين وبنوا مجدهم على مهارتهم في تطبيق هذه المدرسة على نصوصنا (كما سبق أن فعلت الواقعية الاشتراكية، والماركسية، والظاهراتية، والوجودية والتحليلنفسية...) قدموا فجأة بطاقات انتساب الى الأخ الرفيق دريدا، وإلى "حزبه" الجديد، نافضين بذلك كل ما "أنجزوه" من فتوحات في البنيوية التي ومن أجل تأصيلها كانوا يربطونها بتراثنا أي بالجرجاني أو بجاحظ أو ابن جني... وهكذا يستريحون، انهم لا يقلدون الآخر بل ان الآخر هو الذي يقلدهم. براو!
لا نقول هذا لأننا ضد الانفتاح والتحوّل. على العكس. فالذات (أو الأنا الفردية أو الجماعية أو حتى الدينية) لا يمكن أن تتحرّك بفاعلية إلى داخلها ومكتشفاها إلا بالخروج ونحو الآخر. هذا محسوم. لكن ما نود قوله أن هذه الانتقالات الفجائية، أو القفزات المجانية، من أمكنة فكرية أو ايديولوجية، لا يمكن أن تفضي سوى إلى عقم... وهذا ما نعيشه اليوم، ولا نظن، أن علينا، دائماً، ان "نخون" ذواتنا (وخيانة الذات ضرورية باستمرار) بهذه الطريقة الفجة والسهلة، وهذه التراجعات "المبرمجة"، لكي نسجل نقاطاً في مرمى التجديد أو الاختلاف ونظن أن ما يجري حولنا، ابتداء بالولايات المتحدة، ووصولاً إلى فلسطين والعراق، ومروراً بأوروبا، لا علاقة له بما يجري في انتماءاتنا أو احتضاناتنا للحداثة أو لما بعد الحداثة، أو لكثير من المعضلات النظرية. وعلى هذا الأساس نسائل كبار المعنيين بهذه الأمور والصغار أيضاً ممن حسموا أمورهم:
1 ـ كيف نربط طروحات ما بعد الحداثة مثلاً، بالظواهر الدينية والسياسية والقبلية والطائفية المنتشرة في كل العالم: الانجيليون الجدد في أميركا، ولوبان في فرنسا، والأصولية في الاسلام؟ هل يمكن اعتبار هذه الظواهر جزءاً أو نتاجاً مما بعد الحداثة؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف نفسّر الحروب الدينية في القرون الوسطى وما قبلها، والحروب المذهبية في التاريخ الاسلامي والمسيحي؟
2 ـ كيف نربط السمات "الافتراضية"، و"الهشة" والسريعة، بمجتمع ما بعد الحداثة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف نرى إلى ظهور مثل هذه السمات على امتداد ما يسمى الحداثة منذ ظهور المجتمع الصناعي وقبله، وعلى امتداد فترة التنوير انطلاقاً (افتراضياً) من الثورة الفرنسية، والثورات الشيوعية والتغييرية في القرن العشرين؟
3 ـ كيف نربط مختلف الظواهر الآنفة الذكر بالعولمة عبر طغيان الاستهلاك، والتعليب، وانتفاء "القيم"، وغلبة السوق، وهيمنة القطب الواحد، وتسليع الثقافة، وسيطرة الميديا، والمعلوماتية، بمختلف الظواهر التي ندعي أنها من نتاج "ما بعد الحداثة". وإذا كان الأمر كذلك، نتساءل: متى بدأت العولمة؟ وهل هي نتاج هذه العقود أو تحديداً ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وأكثر تحديداً بعد الحرب العالمية الثانية؟
ونتساءل أيضاً: العولمة أليست هي مشروع التاريخ الانساني منذ فجره؟ وماذا نقول عن العولمات القديمة والحديثة: من الاغريق إلى الرومان إلى الفراعنة، إلى الفينيقيين، إلى مختلف أشكال الاستعمار الحديث: فرنسا، انكلترا، البرتغال...؟ أولم يكن هناك محاور أحادية، وأطماع السيطرة على السوق الاقتصادية، وفرض ثقافات الغالبين على المغلوبين، أو استباحة ثقافة المغلوبين من الغالبين؟
4 ـ وماذا عن صراع الحضارات وعلاقته بالعولمة من جهة، وبما بعد الحداثة، والحداثة من جهة أخرى؟ هل اندلع هذا الصراع لمجرد دعاوى انطلقت من هنا أو هناك، أم أنه وهم يتأسس على وهم، بل ذريعة لحروب سياسية مبطنة أو سافرة؟ وهل هو نتاج هذه العقود، أم أن التاريخ برمته كان مشروع صراع حضارات بالمعاني الدينية وغير الدينية؟ وهل يمكن اعتبار هذا الصراع المتبلور حالياً بديلاً من الصراعات الفكرية، أم ان حتى الصراعات الفكرية لم تكن أكثر من أقنعة ومجازات لحروب اثنية ولاهوتية ودينية وقبلية وعرقية؟
5 ـ أين نحن اليوم، أقصد الثقافة العربية كفعل لا كرد فعل، من كل ذلك! وماذا استولدنا أو استنبتنا، على امتداد العقود الماضية؟ أي فكرة جديدة اجترحنا؟ أي فلسفة؟ ماذا فعلنا بإرثنا القومي؟ وبالعروبة، وبالثورات، والتغيير والماركسية، والشيوعية؟ أين نحن من مجتمعاتنا؟ وأي أثر تركنا في هذه المجتمعات، وماذا تركت فينا هذه المجتمعات؟ وكيف نفسر هذا الفراغ العميم، اليوم، داخل الانتماءات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وماذا تبقى من قرنين ونيف من تراث النهضة؟ ماذا فعلنا بتراث النهضة العربية العظيمة؟ أين هو؟ وكيف نتعامل معه؟ بمفاهيم ما بعد الحداثة؟ بمفاهيم الحداثة؟ بمفاهيم العولمة؟ بمفاهيم الأصوليات المتعددة؟ بالمفاهيم الدينية السائدة؟ بالمفاهيم العدمية؟
نتساءل هنا من باب أن الأزمة مفتوحة، وليست مغلقة. وليس مرادنا انتظار أجوبة ووصفات. بقدر ما ندعو إلى شيء من المراجعة الذاتية، القاسية والدقيقة معاً البعيدة عن منطق التبرير والانطواء والهروب والارتداد. نحن اليوم في مرحلة بائسة على كل المستويات، يبدو فيها أن كل شيء وراءنا ولا شيء أمامنا. ولا نظن انه يكفي ان نبقى في صفوف المتفرجين والمتلقفين للظواهر العالمية، لكي نتوهم أننا نشارك فعلاً في صناعة تاريخنا وتاريخ الانسانية. ولا يكفي أن "نتعولم" في زمان العولمة، ونتحدثن في زمن الحداثة، ولا نتحدثن في زمن ما بعد الحداثة، ونتَأَصلن في زمن الأصولية، ونَتَسَلفن في زمن السلفية، ونَتَقبلن في زمن القبلية، ونتأنثن في زمن الاثنية.. لكي نبرهن عن حيوتنا وقدرتنا على تطويع أنفسنا لمتطلبات الواقع: انها لعبة القطعان. فإلى متى ستبقى الثقافة عندنا ثقافة القطعان؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00