لم يعتذر بوش (ثم اعتذر) عما ارتكبه جنوده في سجن أبو غريب من انتهاكات انسانية بشعة. وكاد لولا بعض حياء أن يبرئهم، أو على الأقل أن يبرر سلوكهم المشين. ذلك أنه "اقتطع" الحادثة من سياقها التاريخي والسياسي والايديولوجي ليحوّلها مجرّد ممارسة "فردية" "استثنائية" لا تمت بصلة إلى التقاليد الديموغرافية التي حركت جيوشه "لتحرير" العراق من الطاغية، و"إرساء" السلم الأهلي، وترسيخ مبادئ الحرية والعدالة، وتنشيط العجلة الاقتصادية لإشاعة البحبوحة والازدهار لدى الشعب العراقي. فمن وضع هذه الشعارات نصب عينيه وجاء من آخر الدنيا، مبشراً، بالقيم السامية، لا يمكن إلا أن يرى ما فعلته "قلة" من جنوده، عملاً فردياً عابراً.
هذا كلام الصورة. الصورة القوية العنيفة المخجلة، المؤثرة التي حملت بوش على مخاطبة الشعب العربي (!) عبر قناتي "الحرة" و"العربية". بالصورة توجه إلى الرأي العام آتياً من الصورة. صورة معلقة في الحاضر فحسب. صورة بلا أصل. هكذا مقطوعة من "ارشيفها" الحافل، ومبتورة عن سلسلة من الصور التي تملأ تاريخ النظام الأميركي. كأنه كان يقول، بكلماته البليدة، ان صور تعذيب سجناء أبو غريب، ليست بلا تاريخ فقط، وإنما حتى بلا جغرافيا. وانها، بفعلها "التجريدي" لا تلتصق تماماً بالواقع المحسوس. والمعيش. والكائن: فلسفة نفي الآخر بامتياز، واعتباره مجرّد ذريعة بصور الأفكار، والأمور، والأهداف. ولهذا بدا بوش وكأنه يتوجه فعلياً إلى جمهوره الانتخابي في الولايات المتحدة الأميركية، أكثر من توجهه إلى الجمهور "النظري" في العالم العربي. ذلك، أنه يختزل، بذلك، الشعوب والأمكنة والنفوس والأرواح، وكأنها مجرّد أرقام، لا أكثر ولا أقل، يمكن أن تصب، لمصلحته، أو يمكن تجييرها في صناديق اقتراع الانتخابات الرئاسية. وبوش، ليس "رائداً" في هذا المضمار. ولا مجترحاً. ولا "ثورياً". إنه رئيس من سلسلة رؤساء عرفناهم أو قرأنا عنهم، خاضعون لذهنية اختزال الشعوب (وإن شعوبهم) في تدافعهم إلى أهوائهم السياسية منذ إبادة الهنود الحمر، فإلى الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، فإلى الحرب العالمية الثانية، فييتنام وكوريا... وصولاً إلى العراق، ومروراً ببعض البلدان العربية وغير العربية. بل ان المسؤولين الأميركيين لم يشذوا في ذهنتيتهم هذه، عن سياسات المستعمرين في تعاطيهم مع العالم كخريطة صُنعت لمسارات جيوشهم وأطماعهم وهيمناتهم، سواء كان هؤلاء المستعمرون برتغاليين أو اسباناً أو انكليزاً أو فرنسيين: فالأحذية واحدة. والعقول واحدة. والأمراض واحدة... وحتى التواريخ واحدة.
ولن نتحدث هنا كثيراً لا عن الجرائم التي ارتكبها الجنود الأميركان في الحرب العالمية الثانية (القنبلتان الذريتان على هيروشيما ونيكازاكي)، ولا عن المجازر التي "حققوها" في ييتنام. وقد تكون كلها، بنظرهم، إما دفاعاً عن النفس، أو حوادث فردية لا تمت إلى "الأصالة" الأميركية وتقاليدها، وروحها، بصلة.
ولا نريد أن نعود أيضاً إلى دعم النظام الأميركي لأشرس الديكتاتوريات في العالم لا سيما في أميركا اللاتينية، إبان الحرب الباردة بينهم وبين الاتحاد السوفياتي. ولا إلى استنباتهم الظواهر الدينية والأصولية في أفغانستان وسواها لمحاربة السوفيات "الكفّار"، ولا إلى دعمهم المطلق لاسرائيل وتبرير جرائمهم، وشرعنة احتلالها فلسطين، ولا إلى الخروج على قرارات الأمم المتحدة، وتعطيل قرارات مجلس الأمم، ولا إلى رفضها توقيع مواثيق حماية البيئة، واستثنائها "جنودها" من الخضوع للمحاكمات الدولية... لا نريد أن نتوقف كثيراً عند هذه "السمات"، لأنها باتت معروفة، ولا منسية، لكنها، مع ذلك لا يمكن إلا أن تكون مقدمات في سياق سلوك هذا النظام، وذهنيته الاستبدادية، ومنحاه "الامبراطوري"، وايديولوجيته الاستعمارية.
لذا تبدو الصورة التي لم تستطع السلطات الأميركية إخفاءها عن تعاملهم البربري في سجن أبو غريب، صورة ضمن جدارية ضخمة من الصور المماثلة والشبيهة. فالنيغاتيف عندهم. وهذا تظهير بسيط للأصل، ولهذا لم نفاجأ ولم يفاجأ العالم بهذه التي سميت "فضيحة". وكأنها مسألة "أخلاقية" شخصية تعبّر عن خروج بعض الجنود على "أخلاقيات" النظام الثابتة. بل كأنما نقول أن هذه الفضيحة التي فاحت بربريتها وهمجيتها في عيوننا وأنوفنا وضمائرنا، تعبّر، أول ما تعبّر، عن خضوع هؤلاء الجنود (ولو قلة)، إلى ماكينة هذا النظام الضخمة التي تفرخ روح الاستبداد، تفريخها روح العنف؛ وتستولد ظواهر الاحتقار، استيلادها ظواهر الدونية والاستباحة. فهؤلاء الجنود لم يفعلوا أكثر مما يحتم عليهم واجبهم "الوطني"، في ممارسة الازدراء على من يعتبرونهم "كائنات" دونية بالنسبة إليهم. وهؤلاء الجنود لم يفعلوا أكثر مما تحتم عليهم واجباتهم "العنصرية" على الآخرين. والنظام الذي يبني أسسه على مشاعر التورم النرجسية، وأوهام التفوّق، وفرض قيمه "الالهية" لا يمكن أن ينتج سوى ما أنتجته أنظمة "عرقية" مماثلة كالنازية، وسوى ما تنتجه الصراعات الدينية والعرقية من إلغاء الآخر، مدفوعة بأفكار الاختلاف والتمييز والهوية المفرطة ومشفوعة بأصولية "توتاليتارية" مزينة بشعارات زاهية واهية من حقوق الانسان إلى نشر العدالة والديموقراطية، إلى استزراع الحرية.
والجنود المسوقون إلى العراق هم أبناء النظام الأميركي، تربّوا على "قيمه"، وتعاليمه، و"مناهجه"، وأفكاره. تابعوا، بشكل أو بآخر، وقائع حصار بلادهم للعراق أكثر من عشر سنوات وما نتج عنه من موت ملايين الأطفال والنساء والشيوخ. وهؤلاء تابعوا أيضاً عمليات القصف اليومية التي كان يقوم بها "زملاؤهم" على البنى التحتية والمنشآت والجسور والمدارس والمنازل في العراق طوال فترة الحصار.
وهؤلاء الجنود جاؤوا من آخر الدنيا إلى بلد آخر ليحتلوه، لأن نظامهم أقنعهم بأن مهمتهم تحرير الشعب العراقي، ونشر قيم الخير والعدالة، والبحث عن أسلحة الدمار الشامل... وشهدوا ما فعلت قواتهم عندما احتلت العراق، وكيف أباحت تدمير المدن والقرى، ونهب المتاحف، وسرقة الآثار، واستباحة الناس في منازلهم، والاستيلاء على آبار النفط...
فلماذا يجب أن يشذ هؤلاء الجنود عن مناخات عنصرية وسياسية وإعلامية وثقافية كونتهم، ويتصرفوا على غير صورتهم المكوّنة في وعيهم أو في لاوعيهم؟ بل لماذا يجب أن ننتظر أن ينفي هؤلاء، بسلوكهم وأفكارهم، أنهم ضحايا نظامهم؟
لهذا، لا نرى في ما حدث في سجن أبو غريب، إلا حلقة متتابعة ستعقبها حلقات أخرى متتابعة. وسنشاهد ونسمع غداً ربما عشرات ألوف الصور والشرائط والاعترافات واليوميات والمذكرات التي تكشف مزيداً من الانتهاكات والارتكابات البربرية في العراق، ينفذها الجنود الأميركيون (وغير الأميركيين). وسننتظر أن أمراضاً "نفسانية" وجسدية مستجدة ومستحدثة تظهر أعراضها بين هؤلاء المحتلين، نتيجة ما فعلوه، أو ما شهدوا عليه. بل وسننتظر صحوات ضمير كثيرة بين المشاركين في هذه الحرب، وسيتمنع كثيرون إما عن التطوّع أو حتى عن الانخراط، أو حتى تنفيذ أوامر قياداتهم، وستزدهر أسرة علماء النفس وأطباؤها في أميركا، وربما تبتكر وسائل علاج جديدة لأعراض جديدة، تبز نظريات فرويد ويونغ وسواهما. إنها ماكينة نظام تنتج القتل والعنف والخطيئة والخطأ ومشاعر التفوّق والتعالي انتاجها التوبة والندم والمعاناة، والأمراض وعلاجاتها وتطهراتها. وستزدهر الأفلام والمسلسلات التي تصوّر الجندي الأميركي في هذه الحالات، (من دون أن ننسى أفلاماً دعائية خالصة)، وسيقوم كوبولا آخر من جيل العولمة (وربما بعد العولمة) والحداثة (وربما ما بعد الحداثة)، والاستهلاك، ويحقق فيلماً "رائعاً" يدين فيه ممارسات الجنود والقادة والسياسيين، ويلتف حوله الشعب الأميركي الذي قد يكون أصابه ما أصابه من خسائر، فعاد إلى جادته "الانسانية"، (أوليس هذا ما رأيناه اثر حروب فيتنام وكوريا والحرب العالمية الثانية...؟).
ولهذا علينا أن ننتظر المزيد من آلة النظام الأميركي المفصومة بالشيزوفرانيا (ككل الأنظمة)، من مآس، وكوارث، ومجازر، وبربرية، يرتكبها الجنود والقادة، بكل ما تمليه عليهم آليات هذا النظام الفكرية والسياسية والايديولوجية.
وعلينا أن ننتظر أيضاً بوش وهو يتلعثم على شاشات التلفلزيون ويقدم ما يقدم من اعتذارات وتبريرات، من دون أن ينسى بالطبع أن ما حدث (وسيحدث) لا يمت إلى تقاليد شعبه بصلة (!) وأنه سيقتص من هذه القلة الخارجة على "تعاليم الحرية والديموقراطية والحضارية". وسنعرف أن كل ما يقوله لا يعدو كونه مجرد دعاية انتخابية، أو وسيلة يستغل فيها تصرفات جنوده، ليعزز شعبيته. فهو يعتذر خوفاً من انهيار "هيبة". وهيبته من هيبة أميركا. وهيبة أميركا من هيبته. وهو يعتذر مباشرة لكي لا يكرّس علاقة نظامه ذي الايديولوجية النرجسية المتورمة والعنيفة بالجرائم التي ترتكب. أي بالجرائم الطالعة من عمق ثقافة النظام الذي يمثله. مسألة وصل وفصل لكنها مسأله أصل تحديداً. مسألة تربية ومضامين وفكر وايديولوجيا واعلام واقتصاد وسياسة. وليست مسألة سياسة أو انحرافات آنية أو انتقائية. والحالة ذاتها في اسرائيل: فالمسألة مسألة أصل. (لا تفصيل) وشارون (كبوش) طالع من ثقافة ايديولوجية دينية توراتية عنصرية. أي طالع من النظام الصهيوني نفسه. ولم يشذ شارون، كما لم يشذ من قبله لا بن غوريون ولا شامير ولا بيغن ولا حتى رابين. فالذين يحتلون أرضاً بكاملها ويطردون شعباً ويغتصبون دولة لا يمكن أن نعتبر جرائمهم اليومية مجرّد "أحداث" أو ارتكابات منفصلة عن تكوينهم التاريخي.
ولم يشذ بوش أيضاً لا عن روزفلت ولا عن نيكسون ولا عن جونسون ولا عن سواهم. فالمسألة تختلف بطريقة العرض أو "اللوك" أو "الشو". والجوهر واحد. الدولة الاستعمارية هي دولة استعمارية بكل ما يترتب عن ذلك من تداعيات. والدولة الامبراطورية هي الدولة الامبراطورية. ولا فارق بين امبراطور وامبراطور إلا بطريقة التقديم. لا طريق التفكير، وبطريقة المعالجة لا بطريقة التنفيذ.
ولا أريد هنا أن يفهم من كلامي أن علاقة ميكانيكية (آلية) تربط الأنظمة بالناس لتكون على شاكلتها، ولكن ثقافة النظام المنتشرة، ضمن مناخات القبول، وما يسمى الديموقراطيات المباشرة (استطلاعات، انتخابات، وسائل اعلام وشركات ومؤسسات) هي تتولى أن يكون ثمة تماه وتماثل في لحظات تاريخية معيّنة، وفي مفاصل سياسية محددة. وبدلاً من أن يكون رابط "آلي" حتمي بين النظام والسلطة (وحتى الدولة) وبين الشعب، نرى أن هناك أنساقاً وآليات تمحو أحياناً كثيرة التمايزات والاختلافات بين الجمهور والسلطة والنظام والدولة. (أوليس هذا ما نجده أيضاً في أنظمتنا العربية؟) على هذا الأساس لا تبدو الصور التي التقطت في سجن أبو غريب (وهو سجن النظام الصدامي السابق أيضاً، ويا للمفارقة) ومن فيها من جنود يمارسون فنون الاحتقار والتفوّق والقهر والسادية على بعض الأسرى العزل، سوى صورة مصغرة تمثل في جوانب منها صورة النظام الأميركي والعرب وحتى العالم. فما الفارق بين بضعة جنود ينتهكون باسم حقوق الانسان والديموقراطية والحرية انسانية بشراً عزلاً، وبين دولة أميركية جاءت إلى العراق وبالشعارات ذاتها لتحتل بلداً متجاوزة القوانين الدولية، وكاذبة على شعبها، بكل ما يحمل الكذب من حقارة وخبث.
إنها الصورة أمامنا. مجرّد صورة. "وأرعبت" بوش والعالم والمجتمع الحضاري. لكن هل نكتفي بالصورة وننسى الأصل والفصل. هل ننسى أن كل ما تنتجه أميركا هو أميركي، أميركي بامتياز؟ وإن شذت قلة... هي آخر ما تبقى من ضمائر سياسية وثقافية.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.