8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فعنونو يخرج من أرض الميعاد

فعنونو الخبير الاسرائيلي الذي فضح برنامج الدولة اليهودية النووي، فخُطف وسُجن 18 عاماً، وتعرَّض لمختلف صنوف الاضطهاد والحروب النفسية، لكنه، وكما بدا في الصور التلفزيونية، خرج معافى "صحياً" و"نفسياً" (كما صرّح)، وبمعنويات عالية ظهرت في نبراته وفي لهجته الانتقادية الحادة والواثقة والمصرّة لاسرائيل، فعنونو ظاهرة نادرة في هذا الزمن الذي وضب فيه المثقفون، على مستوياتهم المتعددة، حقائبهم "الثورية" والتغييرية وعادوا إلى القطعان الطائفية والعائلية والعرقية بلا ندامة.
فعنونو، وفي الوقت الذي ركب فيه الآخرون قطارات "العودة"، استقل قطاره الخاص وخرج، من الذات التاريخية، ومن الانتماءات الدينية والسياسية والفكرية الموروثة إلى حريته الفردية الشاسعة.
فعنونو حمل المقصات وبتر كل ما يجعله واحداً من شعب الله المختار. كل ما يجعله منتسباً للدولة المصطفاة. كل ما يجعله "يهودياً" أو صهيونياً أو حتى اسرائيلياً. إنها لحظة القطع. لحظة الخروج. لحظة حرية هي لحظة مغادرة القطيع والقبيلة و"الوطن" و"الدولة" و"الأرض"، والتاريخ "المشترك". والخروج الذي ينفصل فيه فعنونو عن مجمل وشائجه، هو افتتاح. اجتراح مصير آخر: فَتَحَ الأبواب وَتَرَكَ كل شيء خلفه وغادر.
لم يعد عنده ما يستدعي حنيناً، أو يستثير ضعفاً، أو يحرّك شجىً أو ندماً. تاريخه وراءَه: كتلة نافلة. جثة مهترئة. ظلال ملتبسة. ذلك أن الحرية لا بد من أن تتحلل من هذه الأعباء والأثقال. ذلك أن الحرية كما فهمها فعنونو تُشرقُ من أمامه. دليل يسبقه ولا مَنْ ينظر إلى الخلف. ذلك أن فعنونو، في اختياره القاطع هذه الطريق المفتوحة، كان عليه، ومن مبدأ التجرّد الشامل، أن يُعدم ذاتاً كامنة فيه. وهوية مغلقة. وتراثاً. وأساطير. ومعتقداً. ودولة. وايديولوجيا. كان عليه أن ينفي ذلك. أن يُنكر الجوهر الانتمائي: اليهودية نفسها. وهذا يعني أن اختياره لم يكن موقفاً مباشراً، أو سياسياً، فقط وإنما كان أيضاً نفياً للجوهر ذاته: المشكلة بل المأساة بل المصدر هو الديانة. واليهودية تحديداً. ويعني ذلك عملياً كسر الثنائية التي تبرر الخطأ الديني (أو الفكري) بالممارسة. بل كأنه يقول ان الممارسة هي النص. وكذلك التفسير. والتأويل. وأن اليهودية (على الأقل كما أحسها وفهمها) ينبوع الأزمة. وأن كل تبرئة لها بذريعة الممارسة الخاطئة وقوع في التواطؤ، أو الخداع، أو الخطل.
على أن فعنونو، لم يتوقف عند تركه اليهودية، وإنما نفى كل ما تنتجه: ابتداءً بالطقوس والتواريخ (والأساطير) والكتب، وانتهاء بالدولة. فهذه اليهودية، كأنما يقول، لا تنتج سوى نفسها في دولة تشبهها وتستنسخها. إذ لا فارق بين دين ودولته. واليهودية لا يمكن إلا أن تقع عبر مفاهيمها، ووصاياها وآلهتها، في ممارسة سياسية تعبِّر عنها. لذلك، فإنه لم يعلن براءاته من اليهودية فقط (عبر اعتناق المسيحية) وإنما رفض أيضاً الهوية الصهيونية، وتالياً الهوية الاسرائيلية. ولعل هذا ما يميّزه، إذ أن ثمة كثيرين من اليهود "الملحدين" والعلمانيين، ربما خرجوا على يهوديتهم لكنهم آمنوا بالهوية اليهودية للدولة. وعلى العكس، هنالك مؤمنون راديكاليون ما زالوا يرفضون قيام اسرائيل لأسباب إيمانية متطرّفة. فعنونو غادر النص والتأويل وتجسيداتهما السياسية والايديولوجية بالدولة نفسها. ويمكن أن ندرك إلى أي مدى وصل هذا النفي عندما نعرف أنه ينفي أيضاً الجغرافيا والأرض والتربة نفسها. لأنها محكومة بدولة (دينية) اسرائيلية. ولهذا أعلن أنه يريد أن يغادر بلده إلى أي مكان. لأن بلده صار أكثر من سجن. وأكثر من منفى. ولو رجعنا إلى الأدبيات الوجودية واستعرضنا حالات القرف واللاانتماء والغربة، والاستلاب، التي تتملك الوجودي الذي "وعى شروط وجوده"، لأمكننا جزئياً التعرّف إلى حالة فعنونو. لكن هذا الأخير، يتجاوز هذه المناحي "الفلسفية" النظرية والتجريدية إلى ما هو أكثر جذرية. إلى ما هو خليط من تمرّد، وقلق انساني، وأزمة انتماء، إلى معضلة حياة بكاملها. فهو لم ينفِ الانسان ككائن مستلب عموماً، ولا أراد أن يجرّد الوجود في نمذجة فكرية طوباوية، وإنما اعتبر أن بعض مصادر البؤس الانساني والوجودي هو ما كان منتسباً إليه. فكرة الشر المطلق هذه ما عادت غائبة عن فعنونو. والشر المطلق، بحسب ما تمكنا من استشفافه عبر تصريحاته بعد خروجه من السجن، يتمثل بالدولة واليهودية نفسيهما. ولهذا ربما عَبَّر عن مسيحيته بهذه القوة. فكأنه يضع المسيحية مقابل اليهودية، كمصدر مغاير: أو كأنه يردد ما قاله المسيح (الذي ولد يهودياً): "ما جئت لأكمل بل لانقض". هذا التماهي غير المباشر قد يكون مبرراً. وعندما نعرف أن كثيراً من اليهود اتهموه بالخيانة، كأنهم يرددون ما صرخوا به أمس في وجه المسيح "دمه علينا وعلى أولادنا"، ولكي تكتمل المشهدية المفترضة، يتهم فعنونو الولايات المتحدة بالتواطؤ مع اسرائيل لاعتقاله. نعود هنا من زمن الامبراطورية الرومانية التي نفذت حكم الموت (اليهودي) في المسيح إلى الزمن الامبراطوري الأميركي اليوم الذي يدين فعنونو ويشارك في وضع خطة اعتقاله. وكما قام المسيح من القبر في اليوم الثالث ها هو فعنونو يرسم شارات النصر في اليوم الأول من إطلاق سراحه بعد 18 عاماً سجناً. وكما غادر المسيح إلى ملكوته أو إلى "مملكته التي ليست من هذا العالم"، فها هو فعنونو يحلم بمغادرة اسرائيل.
على أن المسألة قد لا تنحصر فقط بالمشاعر والايمان واللاهوت، ولا بمجرد تصادم بين اليهودية والمسيحية عند فعنونو. فالاشكالية متشابكة ومركبة. فهذا "الاسرائيلي" رأى وشد ووضع اصبعه مثل توما في الواقع الراهن. اطلع على البرنامج النووي الاسرائيلي، الترسانة، والانجازات، وعاين المخاطر، وتحقق من نيات "مجرمي الهيكل"، وكان عليه، كخبير أو كعليم، أن يدرأ على قدر ما يستطيع، هذا الخطر، في مستوياته الانسانية والسياسية. فصرخ "وإن في البرية" وكشف "الاستراتيجية الغامضة" المتعلقة بالصناعة النووية. إنه وعي وشعور معاً. وعي بما باتت تمثله اسرائيل من خطر على الاسرائيليين أنفسهم، لكن أيضاً على محيطها وعلى العالم. كأنها دولة تخبئ أسباب موتها وموت "أعدائها" وأصدقائها. فكرة شمشون "عليَّ وعلى أعدائي يا رب"، مزروعة في اقتناء هذه الترسانة التي (كما يقول الخبراء) لن تسلم اسرائيل نفسها منها إذا استخدمتها ضد العرب. ولا ينفصل كل ذلك، عما رآه وخبره وأحسه من تجسيدات الدولة اليهودية على الأرض. فهذه المجازر والمذابح والاغتيالات وتجريف المنازل وإحراق المحاصيل وتدمير البنى التحتية وزرع المستوطنات والاضطهاد المنظم والمدروس للفلسطينيين ومحاولة إبادتهم إبادة جماعية، من خلال المشاعر العنصرية، (هو خبرها في السجن عندما أعلن أنهم مارسوا عليه التعذيب والحروب النفسية لأنه مسيحي) كل هذه الممارسات تقوم بها دولة اسمها اسرائيل. وسلطة تستمد ذرائعها من اليهودية نفسها. وفعنونو الذي أسقط شعار "وطني دائماً على حق"، أسقط معه كل علاقة بوطنه (الديني ـ والدنيوي). فموقفه سياسي احتجاجي، معارض جذري وانساني، بعيداً عن كل تواطؤ، أو انخراط في الجريمة باسم الاخلاص للأرض أو للبلاد أو للشعب أو للدين أو للقبيلة أو للطائفة.
هذا الالتزام الحاد الذي يسمو فوق "تفاصيل" الانتماءات الموروثة، أو المفروضة يضع فعنونو في مرتبة سياسية وثقافية وانسانية خاصة ومتميّزة. إذ أنه، وكما أسلفنا القول، مشى "بمعجزة" عكس التيار السائد بين المثقفين الاسرائيليين واليهود في الداخل والخارج، عبر خروجه المدوي من ربق الانتسابات الدينية والسياسية الاسرائيلية. فقد وجدنا عدداً كبيراً من المثقفين اليهود في أوروبا وأميركا والعالم، يعودون عودة "الابن الضال" إلى الطائفة، والقبيلة، بعدما كانوا منخرطين في العلمانية وأحزاب اليسار والتغيير والثورات والأفكار التقدمية والحرة، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والتراجع الايديولوجي. بل ان كثيرين من الفلاسفة الجدد (وغير الجدد)، والكتّاب اليهود لا يتورّعون عن جعل كتاباتهم صدى للسياسة الاسرائيلية بحجة دفاعهم عن الشعب اليهودي، معبّرين عن أشد أشكال الكراهية والعنصرية، للفلسطينيين والعرب: فهل ننسى مواقف إيلي ازيل، أو هنري ليي، أو فرانكفرتر أو حتى غلوكسمان، وسواهم؟ هؤلاء يستخدمون كل ثقافتهم لتبرير جرائم الدولة العبرية، وانتهاكاتها اليومية للانسان ولحقوق الانسان والشرائع "الدينية" والقانونية... والثقافية، ويرفعون "شماعة" معاداة السامية لقمع كل مثقف أو سياسي ينتقد توجهات شارون وحكومته. هؤلاء جميعهم انضموا إلى "شجرة الانساب" اليهودية، وعادوا، مخلفين كل تاريخهم الفكري والسياسي وراءَهم، بعدما أفرغوا ما في "جعبهم" ورجعوا "فارغين" إلى الالتزامات الضيّقة والعنصرية.
وفي كلامنا على عودة كثير من المثقفين اليهود إلى اسطبلات "الطائفية" والتعصب، هل يمكن ألا نستثني قامات عالية كتشومسكي ودريدا وجاك أتالي وسواهم من الذين ارتفعوا إلى مستويات انسانية عالية عبر تجاوزهم الانضمام إلى قبائلهم الدينية وفرقهم الطائفية؟
وعندما نستثني هؤلاء ونحتج على المتواطئين من المثقفين اليهود، فإننا لا ننسى أيضاً قطارات العودة التي ركبها بفخر المثقفون اللبنانيون والعرب إلى طوائفهم وقبائلهم وعشائرهم، قافزين فوق كل تواريخهم وأفكارهم المتحررة والعالمية. كما أننا لا ننسى أيضاً هؤلاء المثقفين العرب الذين ارتهنوا لأهل السلطة في بلادهم، واستخدموا كأبواق تبرر كل ما ارتكبته السلطات على امتداد خمسين عاماً.
من هنا يبدو فعنونو حالة خاصة. استثناء، يواجه، تقريباً وحده طغيان القوى السائدة، وفي رأسها اسرائيل وأميركا، والشعارات الملولة كمحاربة الارهاب، وتصدير الحرية، والديموقراطية... على الطريقة المعروفة. وهذا لم يجنبه تهمة "الارهاب" الذي وسمه بها بعض الاسرائيليين، ومَنْ يدري فقد يتهم غداً بمعاداة السامية، وتأييد الهولوكست، والسعي إلى تدمير دولة اسرائيل نفسها...
وحده فعنونو، وطريق الوحدة وعرة وشاقة وسط وحشية أعدائه وبربريتهم الذين بعدما خرج من "أرض الميعاد" (الملعونة) شقوا أمامه الجلجلة المفتوحة على كل أنواع الاضطهاد والعذاب والألم.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00