8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

زمن التراجيديا العربية

عندما تابعنا وقائع المؤتمر الصحافي المشترك بين بوش وشارون وأعلن فيه الأول تأييد خطة الثاني الاحادية بتعديل حدود الـ67، وإبقاء المستوطنات، ومنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى وطنهم، لم يكن في حسباننا أن نُفاجَأ، ولو فوجئنا. ولكن عرفنا جيّداً كيف نحفظ جيّداً بنود الخطة ثم التعليقات عليها، في الاذاعات والتلفزيونات والصحف، ثم الردود، والتنديد بها، واعتبارها هزيمة جديدة، تضاهي نكبة 48 ونكسة 1967. ثم وعلى امتداد أيام، قام إجماع لدى المحللين والكتبة والخبراء والاستراتيجيين على أن ما قام به بوش هو سابقة بالنسبة إلى البيت الأبيض، وسابقة بالنسبة إلى كل العالم.
وسبق أن اعتبرت "سابقة" غزوة اسرائيل للبنان عام 1982 ووصولها إلى بيروت باعتبارها أول مدينة عربية تُحتَلّ منذ ألف عام. وسبق أن اعتُبِرَت "سابقة" غزوة الأميركيين للعراق واحتلال أحد أكبر البلدان العربية. وسبق أيضاً أن اعتُبِرَت سابقة في الماضي استيلاء بني اسرائيل على فلسطين وإقامة دولتهم عليها.
والسوابق غير المسبوقة هذه رافقتها دائماً احتجاجات شعبية وتظاهرات ومؤتمرات ومقالات ثقافية وهتافات وقصائد وقصص قصيرة ومعزوفات موسيقية ومقطوعات غنائية وأوبريتات ومهرجانات. لكن وفي انتظار سوابق أخرى تنتظرنا، تكرّست كل هذه السوابق. لا شيء سوى ذلك. حتى المقاومات التي اندلعت في فلسطين، في انتفاضتين "انتفاضة الحجارة"، و"انتفاضة الأقصى" على ما فيهما من بطولة، وفي أماكن أخرى لم تمنع تكريس السوابق. (يمكن استثناء المقاومة الاسلامية في لبنان التي طردت العدو الصهيوني من الجنوب).
أيعني كل ذلك أن التاريخ الذي يصنعه لنا، سوانا، يجري في مكان، ونحن نجري أو ننام أو نهتف في مكان آخر؟ أيعني كل ذلك، أننا نعيش، ومنذ مدة طويلة، زمناً مسدوداً. مغلقاً. عبثياً. تراجيدياً. يساق فيه "الأبطال" إلى النهايات التي تحددها "الآلهة"، بلا تردد. ولا التفات إلى الوراء؟ أيعني ذلك في المقابل أن المعنى التراجيدي لمآلاتنا يكمن في غياب "الأبطال" الذي يتحدَّون الآلهة، أم في هزيمتهم أمام إرادتها؟
عندما وقف بوش وقفة "إله" آتٍ من "الأولمب" وراح يوزّع الأوطان والناس والخيرات والأراضي على اسرائيل، بكرمٍ حاتمي وكأنها من ممتلكاته الخاصة، ومن عنديات أبيه وأمه، أو من موروثاته السماوية، كان من الطبيعي أن تتأجج مشاعر الغضب والنقمة عليه، كما سبق أن تأججت ضد شارون ونتنياهو وبيغن وصولاً إلى بلفور... لكن الاحساس الأعمق والأقسى كان في هذا الاحساس المُمِضّ بالهزال، والعجز، والوعي الحاد بالشروط والظروف، التي تجعلنا نشعر بفداحة ذلك العجز. بل ان هذا الاستشعار بالعجز، يؤلف في تضاعيفه، معاني مركبة، ومتناقضة تتأرجح بين رفض إرادات "الآلهة" الطاغية من جهة، وقبولها من جهة أخرى.
معظم الأنظمة العربية لم تُعلِّق حتى كتابة هذه السطور على موقف بوش من خطة شارون. صحافتها وإعلامها "حلاّ" محلها. هي التزمت الصمت. الجامعة العربية، التي تحل حالياً محل الأنظمة، نددت بخفر وبقوة معاً. عرفات رفع صوته وأعلن صمود الشعب الفلسطيني، وإصراره على تحرير أرضه واستقلاله الوطني وإقامة دولة فلسطينية.
فالنظام العربي، عموماً، "تعقل"، واختار "الحكمة"، لكي لا يغضب رده أو رفضه "الإله" الصغير بوش، فيهدد هذا... الأخير "سلطته" أو وجوده... ويرفع من سقف "الاصلاح"، وبنود حقوق الانسان والديموقراطية والمرأة... والشرق الأوسط الكبير.
كل هذا يتم، وبهذه الطريقة الملتبسة، لأن العرب، سواء اتخذوا أم لم يتخذوا موقفاً، صارخاً أم خافتاً، لا يتجاوزون حدود اللحظة. لحظة هذا الموقف. لتعاودهم بعدها مشاعر العجز. والعبث، أي المشاعر المأسوية الحادة. لحظة الرفض كأنها لحظة بين زمنين منفيين. منفصلين. وكل يوم بداية. بداية من حيث انتهى الآخرون. من حيث كرّسوا ما يريدون تكريسه على أرض الواقع.
لكن كل بداية تفتح جروحاً تكدس جروحاً على جروح. كل بداية "نهاية" مأساة، وافتتاح أخرى. وكل هزيمة تسجل في هذه الخانة، تتبعها أخرى مسجلة في خانة أخرى، حتى امتلأت كل الخانات بالهزائم. كل هذا "واقع" ممهور ومدموغ. وكلما حفر هذا الواقع ازداد الشعور بالخوف. الخوف من الآتي. الخوف من "الخانات" التي تنتظرنا.
وماذا يمكن أن يفعل هذا المأسور بالعجز. هذا المنذور للخسارة؟ هذا المذل بالشروط المفروضة عليه؟
بعضهم يقبل. يغفو على يأسه. يتمدد في قيلولة خرابه. يُضمر كل شيء في مناماته أو أحلامه. هذه هي حال كثير من الناس، التي تعبت من مقارعة "أنظمتها"، وتعبت من مقارعة العدو الخارجي. لكن في ذلك الوعي الملتبس عند هؤلاء "يسيل" زمن سري (أو جارف) من التراجيديا في أعماقهم. هي تراجيديا القبول عن عجز وعلى مضض. تراجيديا القطعان التي أُفقدت معاني الرفض، أو المواجهة، واستقرت في مواقعها تنتظر ما تنتظر، أو لا تنتظر شيئاً، تعيش، في شبه غياب "نباتي" تتلقى ولا ترد، وإذا ردت فمن باب إثبات وجود هش لا يتمتع بشروط الوجود الحقيقية، أو من باب "اليقظة" الآنية التي يعقبها غياب طويل. هذا القبول بدور الكومبارس الأبدي، أو فلنقل هذا القبول في المطلق، يُحوّل هذه الكائنات إلى ما يشبه "الروبوت": مسلوبة الارادة، مسلوبة الحرية. مسلوبة القرار. ومع وعيها كل ذلك تختار النسيان. (أو تذكَّره) تتردد في شغورها وفي فراغاتها. بلا حول ولا قوة.
على أن شروط هذه الكائنات واستسلامها لطغيان "الآلهة" سواء كانت هذه الآلهة "أنظمتها الاستبدادية" أم قوى الخارج الاستبدادية، ترميها في مواقع ومواقف تراجيدية عميقة. فعدم المواجهة أحياناً تراجيديا. والخوف من المواجهة تراجيديا. وقبول الأمحاء تراجيديا. لأن كل ذلك يتم على حساب الحضور الانساني، والاثبات الوجودي، إذ كيف يمكن أن يشعر انسان ما محكوم بالخنوع والقبول، سوى بفقدانه انسانيته. وماذا يمكن أن يُحس انسان انتزعت منه حريته بغير شعوره بأنه كائن مأسوي، شقيّ بمأسويته... وماذا يمكن أن يُحس انسان مهدد باستمرار بأمكنته وأزمنته ومآلاته وتاريخه وحياته، وغير قادر على رد ذلك، سوى بهذا الادراك المروس بفجيعته؟
أما بعضهم الآخر، أي الذين اختاروا أن يقارعوا الارادات العليا، و"الآلهة"، وصُنّاع الأقدار، وهم لا يحسبون حساباً للربح وللخسارة، أو على الأقل يتكهنون (وإن لم يعرفوا) بالخذلان أمام جبروت الاستبداد، فهم من تلك السلالات التراجيدية بامتياز. سلالة سبارتاكوس، وأنطيغون، وسيزي، وإيكار، وبروميثارس والحلاج. من تلك السلالة التي تتحدى القوانين "الإلهية". وأعرافها، وتجذف عكس أقدارها. لتصطدم بالواقع. تنطح الجدران وتسقط دونها. هؤلاء حاولوا في تاريخنا الحديث صياغة أقدار أخرى. أقدار انسانية. قائمة على الاختيارات، والحرية، وعلى القيم المضادة، هذه الفئة، (الهوامش) ما كانت لتنمو وتستمر سوى على كسر تابوات القطعان الغارقة في تراجيدية القبول والاستمرار والتكرار، على كسر أحادية التاريخ في صراع غير متكافئ مع صُنّاع التاريخ أنفسهم. هذا ما حاولت التزامه الثورات العربية (وتراجعت)، والانتفاضات في وجه المحتلين. اليوم، وأمام "عظمة" الامبراطورية "الإلهية" الأميركية بوصاياها وإراداتها القاطعة، تبدو هذه السلالة الهامشية، وكأنها الوجه الآخر للصراع، وللمواجهة لا سيما في العراق وفي فلسطين.
لكن المأسوي في إرادة هذه الهوامش المتمردة، أن ما يحركها إلى صفوف الرفض، والقتال، وعلى غير تكافؤ، كثير من القدرية لرفض القدرية نفسها. قدرية الامبراطورية. وهذا يعني أنها في إحساسها العميق، ومع أحلامها الرائعة بالنصر، كأنها تواجه احتمال الخسارة: وعي بالنتائج وإصرار على المضي بالتحدي. هذا معنى مختلف للحس التراجيدي. على نقيض ما استُشف من قبول القطعان الذاهبة إلى دعتها وغيابها. بل يصبح الحس التراجيدي هنا، هوية لاختيار الحياة ولو في الموت، لاختيار الانتصار ولو في الخسران. هذا ما حدث مع سبارتاكوس، وأنطيغون، أي يصبح الغياب شكلاً تراجيدياً من أشكال الحضور، يصبح التمرّد شكلاً من أشكال تأكيد الذات الفردية أو الجماعية.
أما الأنظمة العربية، فهي، اليوم، وبعدما تبوأت طويلاً قمم الأولمب كآلهة "صغيرة"، على شعوبها، فهي متهالكة بين التراجيديتين: تراجيديا الغياب التي تسم القطعان، وتراجيديا الحضور (أو التمسك بالبقاء) التي تسم الرافضين.
ولهذا تعيش تراجيديا مضاعفة تتمثل في وعي نهايتها أو ما يهدد استمرارها، ووعي ضعف شروطها السياسية، أمام إرادة "الآلهة"، التي هادنتها طويلاً وطويلاً. ولهذا أيضاً باتت تجوز عليها مشاعر الشفقة (لا الغفران)، ومشاعر الترحم (لا الرحمة)، وتزداد حدة هذه المشاعر عندما نعرف أن بعض مصائرها مرتبط بمصائر ناسها. أو الأحرى عندما نعرف أنها لم تجد ملاذاً في النهاية، إلا بربط مصائرها بمن انفصلت عنهم طويلاً، وقمعتهم طويلاً وألغتهم طويلاً. هذه الادراكات المركبة تحكم العلاقات المتراكمة بين القطعان والهوامش والأنظمة، إزاء امبراطورية عادت لا تريد سوى كائنات قابلة ومقبولة، سوى رعايا، تخضع لمشيئتها وقوتها و"ألوهتها" المطلقة. فماذا سيحل بهذه "الخلطة" الغريبة؟ هل تبقى في مستواها الفاجع (التراجيدي) أم تتحوّل إلى ميلودراما، أم، وفي أسوأ الأحوال تتحوّل إلى تراجيكوميديا يختلط فيها الهزل والتهريج بالمرارة والهزيمة والخضوع؟

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00