8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المعجزات الأميركية في العراق

نستذكر لحظة رهيبة عندما احتل الأميركيون بغداد منذ عام. تماماً كما نستذكر لحظة رهيبة أخرى عندما غزا الصهاينة بيروت عام 1982. وقد نستذكر، على مدى عقدين أيضاً "احتلال" الأميركيين لأكثر من مدينة عربية، واحتواءها، والهيمنة على قراراتها وتاريخها.
استذكارات طازجة وعتيقة قد تعود إلى ازمنة الاستعمار. لكنها، وبفعل طزاجتها، واستمرارها، كأنها من طعم العلقم في الحلقوم، ومن مرارة الهزائم المعتادة والمألوفة.
لحظة نستذكرها. بل زمناً في لحظة. وتاريخاً في لحظة. ذلك أن الخسارة عميمة ومتأصلة، ومتجسدة في انظمة عربية لا تملك من أحوالها سوى قمع شعوبها، والتجرؤ على حرياتهم، وتسييب خيراتهم في مقابل الخضوع غير المشروط، للهيمنات الخارجية التي لم تَعُد تقبل التحكم بهذه الأنظمة من بعيد بل التحكم بالتملك المباشر على إرادتها ومقدراتها.
غزوات عديدة وأنظمة هشة اخترقها الاستعمار الأميركي حتى صميمها، وهي راضية مرضية تتنازل كل يوم عن حقوق شعبها، وعن سيادتها لقاء أن تبقى مع أبنائها وعائلاتها وعشائرها في السلطة.
ولهذا، نكاد لا نقول ان بغداد هي العاصمة العربية الثانية التي تُحَتل، بعد بيروت، بل الثالثة المباشرة بعد فلسطين، وربما العاشرة والعشرين بعد غزو الامبراطورية معظم العواصم العربية.
فلو أن هذه العواصم لم تكن أصلاً محتلة، ومستوعبة لما احتلت أي عاصمة عربية.
فالأميركيون عندما قاموا بغزوهم بغداد، كانوا يعرفون ان معظم "السبل" العربية سالكة أمامهم. وان معظم الأنظمة العربية من ادلائهم، وعسسهم، وحُراس اجتياحهم، فالغزو الأميركي هو قبل كل شيء غزو للعرب. تماماً كما كانت الحال في بيروت وقبلها فلسطين. فلماذا اذاً، واذا كانت الأمور مُسهّلة إلى هذه الحدود (حدود التواطؤ والاستسلام والخيانة) فلماذا لا يكملون المشوار ليضعوا عواصم عربية أخرى في اجنداتهم كسوريا ولبنان؟ ولماذا لا يمضون في هذه الارتكابات الكبرى ما دام النظام العربي، بعملائه ومرتهنيه ودكتاتورييه، يشكل لهم الغطاء الشرعي والتشريعي والأمني والوطني والسياسي (والديني) لطموحاتهم الامبراطورية والذرائع التبريرية، عبر شلّ الطاقات الشعبية والعسكرية والسياسية والمدنية، وكذلك شلّ الجامعة العربية التجسيد الرمزي لهذا النظام العربي.
هذا هو المشهد: امبراطورية مفلتة من عقالها. طائشة، جشعة. طامحة بخيرات الأمة العربية. ونظام عربي في قيلولة عميقة. وشعب مغلوب على أمره، لكن تتأجج فيه براكين الغضب والثورة.
على هذا الأساس بدأ الأميركيون يُمَكِّنون احتلالهم العراق، ويشرعون الدساتير، ويعينون الحكام (ويقيلونهم) ويطلقون كل الفرامانات واثقين من أنفسهم إلى درجة اختلط فيها الخطأ بالأفدح، وسوء التقدير بعدم الفهم، والغلاظة بالغباء، لتنفجر في وجوههم المقاومة. وعندها قالوا، في البداية انها أقلية معزولة ويائسة من فلول النظام البائد. وعندما اعتقلوا رأس البائد واستمرت المقاومة اشرس وأفعل قالوا انه تنظيم القاعدة. ثم قالوا انه المثلث السني، ثم قالوا انها دول مجاورة تغذي الحرب ضدهم. ثم جاءت انتفاضة مقتدى الصدر. فقالوا أيضاً "انها عصابات وأقلية، تحركها طموحات الى المشاركة في السلطة، وتمنع "تسلم العر اقيين مقدرات البلد". وتؤخر انسحابهم...
شريط سنوي معروف تخللته اشكال الوحشية والبربرية التي مارستها قوى الامبراطورية الاستبدادية على الشعب العراقي، ورافقه توزيع هذه الامبراطورية خيرات العراق والاستثمارات على شركائها في العدوان والسماح "شكلياً" "بحرية" الكلام. لكن الكلام المباح. الكلام الذي يؤيد احتلالها، ومجلسها الانتحالي (لا الانتقالي) ويتواطأ مع نهبها البترول وميراث العراق التاريخي ومخزوناته الحضارية.
لكن هذا الشريط السنوي، وعبر "مشاهده" و"مناظره" المتتالية، وإن مشروخة هنا، أو مموهة هناك، يجعلنا، وبكل بساطة، "نهنئ" الامبراطورية أولاً على انجازاتها، وثانياً على معجزاتها، وثالثاً على انتصاراتها المظفرة.
فما هي انجازاتها؟
اولاً، ادعت ان العراق يمتلك، اسلحة دمار شامل قادرة بـ 45 دقيقة على تدمير "البشرية".
وبعد سنة من التفتيش المضني، اكتشف العالم ان الامبراطورية تكذب، وان امبراطورها كذاب.
وها هي فضيحة الكذب تصل الى الاميركيين انفسهم (والى البريطانيين) فتتراجع "شعبية" الأخ الأكبر بوش.
ثانياً، ادعت ان العراق ينسق مع القاعدة وبن لادن، وعلى هذا الأساس تم اختياره كهدف رداً على 11 أيلول. ويأتي كلارك ليقول ان قرار الحرب على العراق هجس به بوش قبل كارثة البرجين. بل وإن الامبراطور اهمل "خطر" القاعدة ليصوب على بلاد الرافدين. (ادلت كونداليزا رايس بشهادتها وغداً بوش).
ثالثاً: ادعت انها تريد ان تنقذ العراق من الدكتاتورية، لأنها ديموقراطية وتكره الدكتاتورية. لكن تبين انها مازالت تدعم انظمة "غير ديموقراطية" حليفة. وانها اعادت مثلاً تصنيف القذافي من خانة محور الشر الى خانة الحليف المتفهم لأسباب يعرفها الجميع.
رابعاً، ادعت انها لا تريد ازاحة نظام لأنها تريد بناء نظام ديموقراطي تسوده حرية التعبير على طريقة ما هو موجود في بلادها.
فسمحت بانشاء المجلات والجرائد. لكن ، بشرط الا تكون هذه منابر لمهاجمتها او نقدها! (كما كانت الحال مع صدام)، ولهذا صادرت جريدة "الحوزة" وأوقفتها "تعزيزاً" لحرية التعبير.
خامساً، ادعت انها تؤيد التعددية السياسية وغير السياسية، وعندما تعددت وظهر ان هناك فئات تعارضها سياسياً، مارست اقسى انواع القمع عليهم، ابتداء بمن تبقى من فلول البعث وانتهاء بجماعة مقتدى الصدر ومروراً بالسنّة. وبدا انها تريد تعددية شبيهة بـ"الجبهة الوطنية" التي كونها صدام، تعددية تأتمر بالمرجعية الواحدة، أو بالحزب الواحد.
سادساً، ادعت انها ستحافظ على خيرات العراق، وميراثه التاريخي ودوره ومتاحفه وصروحه وفنونه. وعندما جاءت افلتت لصوصها وعملاءها ومرتزقتها فنهبوا آثاره، والمتاحف ودمروها ونقلوها إلى ديارها وديار بعض حلفائها، فجسدت بذلك حكايات "علي بابا والأربعين حرامي" وكذلك حكاية "لص بغداد".
سابعاً، وعدت أهل العراق بالعز بعد الفاقة، وبالبحبوحة بعد الفقر، والأمان بعد عدم الاستقرار، لكن، وبعد عام على وجودها ازداد العراقيون فاقة وفقراً وعوزاً وحاجة.
ثامناً، وعدت أهل العراق بالأمن بدولة القانون والمؤسسات، وبالقضاء المستقل، وفصل السلطات والعدالة، والاستقرار الاجتماعي، لكن بعد عام من احتلالها، عمَّت الفوضى ارجاء العراق ، كما لم تعمها في تاريخها وازدادت الجريمة، وكثرت الانتهاكات، وتفاقمت الاعتداءات بحيث لم يعد أي عراقي يشعر بالأمان لا في بيته ولا في الشارع، ولا في الريف، ولا في المدن، ولا في المدارس، ولا في المخافر، ولا في الثكنات، ولا في المساجد ولا في الكنائس...
صارت الفوضى من العلامات الفارقة للاحتلال الأميركي.
تاسعاً، وعدت اهل العراق باعادة اعمار ما هدمته هي على امتداد 12 عاماً. لكن، بدا، بعد عام، ان ما نجا من طائراتها وصواريخها، وقنابلها، دمرته في اعتداءاتها على الاحياء والدساكر والمدن، حتى بدا العر اق، خربة، وأطلالاً، (ابلغ دليل على ما ارتكبته في الفلوجة والرمادي والنجف وكربلاء).
عاشراً، ادعت انه باسقاط النظام السابق سيسود السلام في تلك المنطقة والأمان لدى دول الجوار التي كان يهددها صدام، ولكن بدا أن جزءاً لا بأس به من الجوار متهم بفتح حدوده للمقاتلين ليحاربوها.
وان ذلك من شأنه ان يبقي الأمن مهزوزاً، والثقة مضطربة.
هذا غيض من فيض الانجازات الأميركية منذ سقوط بغداد وسقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس. ونظن ان المعجزات التي اجترحتها على امتداد عام تفوق معنوياً وسياسياً ومادياً كل انجازاتها التاريخية.
فقد نجحت سياسة الاحتلال واستراتيجيتها "الغامضة" وتكتيكاتها "الحائرة" (المرتجلة) وضعف إلمامها بالواقع العراقي، الى مزيد من الخراب بحيث بات كثير، من الأميركيين يتساءلون: ماذا تريد حقاً من العراق؟ وما طبيعة النظام الذي تؤلفه وما عنوانه ومدى تمثيله للقوى الشعبية.
وهذا جاء نتيجة لاتساع المعارضة ضدها، فالأساليب التي اعتمدتها للقضاء على "المخربين" (واسماؤهم تتغير) ادت بدلاَ من القضاء عليهم الى تعزيز وجودهم، والى التقائهم في جبهات (ربما منفصلة) من السنة الى الشيعة الى الأطراف الوطنية والعربية. اذ ان بركان الاحتجاج ازدادت مساحته من فئة تتمثل بأهل النظام السابق الى فئات عديدة فإلى تيارات شعبية. وهي لمعجزة حقاً، ان يجمع الاحتلال ما لا يجمع بسهولة وسط الصراعات "الطائفية" و"الاثنية".
المعجزة الأخرى، ان الامبراطورية التي حاولت امتصاص القوى السلفية والمتطرفة الدينية او على الأقل الحؤول دون "استفحالها" برزت بشكل طاغٍ وجامح، بعدما ظن كثيرون ان الجبهة العريضة التي ولفتها من اليمينيين واليساريين والقوى الطائفية والدينية، كفيلة بوأد اي ظهور فعلي خارجها. والمفارقة، اليوم، ان مقتدى الصدر (وضعت الامبراطورية في مقابله السيستاني كمرجعية معتدلة تدعو الى التفاهم وتجنيب المواجهة المسلحة) بات يشكل تياراً "شعبياً" قوياً، يدحض بقوة مقولة ان الشيعة "يؤيدون" الاحتلال والسنة يعارضونه.
وعلى هذا الاساس وغيره، ولأن الصراع الداخلي "اقيم على عوامل طائفية ودينية (واليوم مذهبية) وحتى اثنية، فإن الامبراطورية اكتشفت ان رجال الدين، من هنا وهناك هم الذين، يقودون المجتمع العراقي، وان زمن الاحزاب العلمانية والمدنية قد بدأ يتولى. وهذه الظاهرة جاءت، بفعل تشوش العقل الامبراطوري، وممارساته الوحشية. فاجأتهم هذه الظاهرة فبات بعض رجال الدين يفوق شعبية مجمل اعضاء المجلس الانتقالي مجتمعاً. اذاً تركت ورقة الاجماع الديني والاثني والعلماني، لتطرح مكانها ورقة الهوية الدينية للنظام العراقي العتيد. او "الهوية" النقيض للديموقراطية الاميركية التي تريد ان توزعها كالحلوى (المسموحة) على بلاد الرافدين وسائر خلق الله.
اذاً، سيتساءل العديدون، اهذه هي الديموقراطية الغربية في العراق: نظام تيوقراطي ـ اثني، مذهبي، قد يمتد، الى مناطق أخرى مجاورة ما زالت تتمسك بالعلمانية ولو شكلياً؟
بل سيتساءل العديدون: كيف يمكن أن "يُركب" دستور "مدني" جديد اذا كان الواقع مشحوناً وطافحاً بالقواعد الدينية. فاي حسابات قامت بها الامبراطورية واي رحلة "استعمارية" بلا بوصلة، ولا خريطة ولا رؤيا؟ هذا التحول الذي ساهمت في دفعه، كأنها معجزة اخرى من معجزات الادارة الأميركية.
واذا شئنا الاستمرار في تعداد هذه المعجزات "الالهية" (ما دام بوش يعتقد بان الله ارسله لانقاذ العالم) فهلا يُخفى علينا هذه العزلة المتسارعة التي بدأت مع استفراد اميركا قرار الحرب متجاوزة الامم المتحدة ومعدمة لدورها ومجهضة لأي مشاركة لها كمثل لدول العالم.
وها هي اليوم، وبعدما دفعت ثمن استفرادها (الحلفاء الآخرون مجرد ظلال) تتوسل الهيئة الدولية "لتهب الى نجدتها، وتشاركها في خسائرها (لا في مغانمها) وان بشروط الامبراطورية المتلخصة بتبعية هذه الهيئة لادارتها العسكرية وبدلاً من ذلك اي بدل ان تضاف الأمم المتحدة الى حرب الأميركيين بدأ عدد من الدول المشاركة بالانسحاب او بالتهديد بالانسحاب (اسبانيا احد أضلاع مثلث التحالف). يقابل كل ذلك ازدياد الادانات الشعبية والحزبية العالمية للاحتلال الاميركي متمثلاً بالتظاهرات التي ما زالت تعم مختلف ارجاء المعمورة، بما في ذلك الولايات المتحدة للمطالبة بسحب قواتها من العراق، وتسليم السلطة لأهل البلد.
هذا الارتداد الى الداخل، بات يواكبه ارتداد من نوع آخر، شعور الأميركيين بفداحة ما اقترفته سلطتهم من مجازر. وبفداحة الخسائر البشرية على صعيد الجنود الأميركيين، والأهم اكتشاف هذا الشعب (أو مثقفوه في الطليعة) أكاذيب الادارةالبوشية بشأن أمور عدة: اهمال تهديدات القاعدة المتصلة بعملية 11 أيلول، وتلفيقاتها بشأن وجود اسلحة دمار شامل في العراق، تراجع الوضع الاقتصادي وازدياد البطالة، وتفاقم الاجراءات الأمنية التي باتت تهدد الحريات المدنية... مما انعكس تدنياً دراماتيكياً في شعبية بوش.
هذه المعجزات، اضافة الى المنجزات، تجعل من هذه الذكرى، سقوط بغداد وسقوط تمثال صدام، سقوطاً آخر مدوياً للرئيس الأميركي بوش، بعدما بدت البشائر الأولى، وكأنها انتصار "خالد" للرئيس الخالد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00