8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

العرب والعروبة والنظام العربي

عندما أعلن عبر وسائل الاعلام خبر تأجيل القمة العربية في تونس إلى أجل غير مسمى، وقع الخبر على الناس وقع الصاعقة. وراحت تتردد تساؤلات لماذا؟ وكيف؟ ومن وراء قرار التأجيل؟ ومن مارس ضغوطاً؟ أهي ضغوط نتيجة اختلاف الأنظمة وخلافها حول "الاصلاح" (الأميركي) حول الارهاب (بالمفهوم الأميركي)، حول فلسطين والانسحاب المنفرد (أميركي ـ صهيوني)، حول مصير بعض الأنظمة العربية (من ايحاء أميركي) أم هو صدفة، مجرد صدفة، جعلت تأجيل القمة أفضل من فشلها؟
لكن السؤال الأبرز هنا، لا يكمن فقط في قرار التأجيل الذي لو جاء في ظروف أخرى لما أثار ما أثاره من ردود. ولا حتى في أنعقاد القمة، (لو تم) ومؤتمرات القمة، دورية أم طارئة، لم تعد تفعل أي فعل خارج أروقة الصالات والمشاحنات غير المجدية، السؤال الأبرز في رأيي: لماذا كان وقع التأجيل مدوياً على الناس: من الشارع العربي الوعر، إلى كثير من المثقفين، المفكرين والسياسيين العرب، والذين من المفترض انهم لم يفاجأوا بـ"الحادث الذي صار الحدث"، وانهم من المفترض ان يكونوا، نظراً إلى مواقفهم المعروفة من أهل الأنظمة لا يبالون. أو على الأقل، لا ينتظرون لا المن ولا السلوى ولا الترياق، من هذه المؤتمرات المقولبة والعاجزة، والتي هي صورة عن الأنظمة التي تؤلفها.
لماذا هال الجميع إذاً ان يكون "فرط" مؤتمر القمة مقدمة لفرط "النظام العربي" (ربما المفروط أيضاً) حيرني هذا السؤال: اذا كانت الشعوب العربية، وبعد تجاربها المريرة والمثخنة مع انظمتها قد يئست منها، ومن رموزها، ومن سلطاتها ومن جنونها وقمعها ومن فسادها، فلماذا تظن ازاء هذا الحدث وكأنها انتقلت، بمشاعرها ومواقفها إلى ضفة هذه الأنظمة؟ لماذا تملكت الناس مشاعر الخوف والقلق وحتى السوداوية، من احتمال ان بعض بنود هذا المؤتمر وثانياً الخلاف عليها، من شأنه ان يهدد "وجود " هذه الأنظمة لا سيما مسألة "الاصلاح" ومشروع الشرق الأوسط الكبير. وهما كأنهما متلازمان لتثار إزاءهما مسائل الهوية والانتماء والتاريخ والأرض والمصير؟
ليس جديداً القول ان مسألة الاصلاح مطروحة منذ زمان، جزئياً او ترقيقياً سياسياً أو اقتصادياً، من جهة بعض السلطة ومن جهة بعض المعارضة والمثقفين والمفكرين... اذاً المسألة غير جديدة، وهي باتت من شدة تكرار اطروحاتها من يوميات الانسان العربي وربما من غضبه وحزنه وعجزه ويأسه. بل ان العديد من الأنظمة العربية تفاخر بأنها "اصلاحية" وتعدد لائحة اصلاحاتها على صعيد الديموقراطية وحقوق الانسان والمرأة والرجل والطفل والشيب والشبان.
فإذا كان الشارع العربي بامتداداته تعوّد ما تعوّد من حكايات الاصلاح والتغيير، ويستمر في عاداته الرتيبة فلماذا، تحول طرح افكار الاصلاح فجأة، وعبر مؤتمر القمة، إلى "بعبع" واستدعى ذلك ان يهبّ بفئات وشرائح كثيرة فيه، من اسلاميين إلى قوميين إلى يساريين إلى عروبيين، إلى يمينيين، وليبراليين وقبليين وعشيريين، هبة من صحا على كارثة توشك علي الحدوث، هبة من صحا على واقع يفلت من الايدي بعدما كان يطبق على الصدور؟
قد يكون العنصر الأميركي المقتحم والذي يُصدِّر مثل بنود الاصلاح هذه مهماً في تأليب النفوس واثارة الشكوك، باعتبار ان الاصلاح، لا بد ان يطلع من طبيعة كل نظام وكل شعب، لا أن تفرض ديموقراطية "اممية" احادية (اميركية) على كل الشعوب خارج حسابات التناقضات والمفارقات الخاصة.
هذا صحيح، لكن كثيراً من الناس يعرف أن بعض الأنظمة تخاف ان يدرك الاصلاح سلطتها. ولهذا تلطأ خلف نظرية "المؤامرة" وإلغاء الهوية... وهيمنة النموذج الغربي.
وقد يكون العنصر الديني (الطائفي) سبباً آخر لتلكؤ بعض الانظمة في تبني الاصلاحات المقترحة من ضمن "الشرق الأوسط الكبير" لأن من شأن ذلك ان يهدد النظام الديني في بعض البنى القائمة.
هذا صحيح. لكن كثيراً من الناس يعرف ان بعض الانظمة يتمسك بمقولة الدين لادامة السلطة العائلية او المذهبية أو العشيرية، فكأن الدين هنا وسيلة لا أكثر لإبقاء كل شيء على حاله.
وقد يكون الصراع العربي ـ الاسرائيلي عاملاً اساسياً، لظن بعض الأنظمة ان طرح الاصلاح وفي هذا الوقت بالذات اشارة إلى تحويل الانتباه العربي عما تقترفه الدولة العبرية بحق الفلسطينين، إلى تمرير المشروع الشاروني المتمثل بفرض حلول تقضي على ما تبقى من الحق الفلسطيني والارض الفلسطينية.
قد يكون كل هذا صحيحاً. وهو صحيح في مجمله. وقد يكون مؤتمر القمة العربية سيستخدم، كما استخدم سابقاَ، لشرعنة هذه المطالب والفروض الأميركية الاسرائيلية.
لكن كثيراً من الناس يرون ان لا جديد في كل ذلك، وانه مجرد استمرار لسياسة الانظمة نفسها منذ ما قبل 1967.
لكن يبقى السؤال الاساسي: لماذا هذه الغيرة المفاجئة، على القمة، وحتى كل بعض الأنظمة؟، بل لماذا هذا الخوف "المستجد" على ما يسمى النظام العربي الذي تمثله مؤسسة الجامعة العربية؟ ولماذا هذا الاستنكار الواسع لمحاولات تفكيك هذه المؤسسة، وعبرها النظام العربي؟
لماذا هذه "الصحوة" على "العروبة" بعدما ظن كثيرون انها باتت متجاوزة، او طي النسيان بعد تهاوي الأنظمة التي تولت الحكم باسمها؟
نظن ان العرب كجماهير ومثقفين ومفكرين كأنما "اكتشفوا" ان الاستعمار سواء كان اميركياً أو غير اميركي، وفي سعيه إلى الهيمنة اول ما يضع نصب عينيه تمزيق الروابط الاساسية التي تجمع العرب.
ويعرف اهل الاستعمار، وبرغم استهدافهم العنصر الديني، ان ما يجمع العرب اولاً وأخيراً هي العروبة، فلا الدين ولا الطائفية ولا حتى الأمميات الايديولويجية ولا الاشتراكية ولا العشيرية يمكن أن تشكل عنصراً جامعاً، شاملاً. ذلك لأنها تفاصيل. مجرد تفاصيل تبرز استثناء هنا او هناك، ثم تضمحل، او تذوب في المادة العربية الأولى.
كل عنصر من هذه العناصر مرحلي. لكن هذا لا يعني انه ليس مهماً بل ويعرف الاستعمار (ومن أولى خطواته نحو الشرق وسواه) ان هذه العناصر المذكورة، كانت على امتداد التاريخ، ادوات للتفرقة وللتمزق وللتناحر أكثر مما كانت عوامل توحيد وزخم.
ونقول ان عنصر الدين إذا جاء "أحادياً" عبر صوره المذهبية او الطائفية أو حتى العرقية، لا يؤسس لتوحد ما إلاّ اذا كان رديفاً لعنصر أشمل منه كالعروبة مثلاً... هذه العروبة، ولأنها النسيج السري (المخفي أحياناً)، فقد سعى كل استعمار إلى ضربها، وإثارة المشاعر الدينية لمحاربتها وتالياً لتمزيق أواصر الشعب الواحد. فقلما اعتبر أي استعمار أن استخدام العروبة يمكن أن تكون حرباً على ما يوحد. وربما راهن الغرب الاستعماري، في فترة، على "القومية العربية"، لمحاربة هيمنات استعمارية أخرى (دينية) لكن عبر تجميع كل الأدوات والأفكار العلمانية، اللازمة والمدرجة تحت يافطة هذه القومية.
وسيقول قائل أننا نضع فكرة "القوميات" فوق فكرة الانتماء المذهبي أو الديني في سياق الكلام على مشاعر التوحد. وقد تقوم القائمة. لكن من الصعب جداً مقارنة المعطيات الدينية بأخرى قومية أو سياسية أو ايديولوجية، وإن تلاقت أو تقاطعت أو تماهت أو تجاذبت هنا أو هناك، في هذه الفترة أو تلك المناسبة. ورب قائل: كأننا نستعذب أو نستمرئ بعث العروبة من رميم. هي التي توفاها الله مع "أنظمتها" (أو بأيدي أنظمتها) ومع أفكارها وسياقاتها وبناها... وأن كلامنا هنا على صحوة "عروبية" في الشارع العربي هو كلام غير واقعي... وأن اعتبارنا هذه المعطيات القومية هي النسيج السياسي والفكري والتاريخي للأمة لا للمعطيات الدينية، يجيء من باب فانتازي لا سيما وأن من يحرّك الواقع العربي بالجملة أو بالمفرّق هي الحساسيات المذهبية والدينية. فهي لحظة الغيبوبة المذهبية ولحظة القوة الدينية بامتياز.
قد يكون هذا صحيحاً في بعض وجوهه، ومن باب المناسبات، بل ومن باب أخذ الأمور بمظاهرها، لا بأسبابها ونوازعها. ذلك، أنه لو صحَّ هذا الكلام، لما تفجرت من كوامنها هذه المخاوف الكبرى من سقوط النظام العربي وما يجسّده من قيم وغرائز وأفكار عربية ضاربة في التاريخ منذ آلاف السنين. ولما تمسكت شعوب عربية حتى بأنظمتها التي ترى أنها، وبرغم خيانتها لقوميتها، ما زالت تمثل وإن وشيجة من هذه الجذور العربية. ذلك أن الناس، حتى الايمانيون المتطرفون، من مسلمين ومسيحيين، كأنما شعروا أن الطوفان قد يكتمل، إذا سقطت آخر الخيوط "العروبية" من النسيج العمومي. وكأنما شعروا أيضاً، أن التفكك الشامل (كما جرى في العراق، وكما حدث في لبنان على امتداد 15 عاماً من الحروب الطائفية، وكما يجري في السودان) ينتظرهم إذا انقطعت هذه الخيوط، بحيث تصبح كل هذه المنطقة قطع موزاييك مفرقعة في فضاء مذهبي دموي تناحري لا حدود له. وهذا النوع من الأحاسيس المختزنة أو السافرة، يتجاوز مسألة فشل هذه التنظيمات العربية أو نجاحها. فالكلام على الفضاء العروبي هنا كلام في الأصول وفي الجذور وكذلك في التاريخ والدولة والأنظمة. ولهذا، تحديداً، يرى العرب المتوجسون من المحاولات (الأميركية) لتدمير النظام العربي عبر تعديل الاصلاحات السياسية، إنما نستهدف أولاً وأخيراً إحياء المذهبيات والتفرعات المستولدة من الأديان (والأتنيات)، وطمس النزعة العربية الشاملة. وهذا ما يصب في الاستراتيجيات الأميركية والصهيونية في تفتيت المنطقة. وعبر ماذا؟ عبر القضاء على الانتمائية العربية، بمعناها العاطفي والسياسي وأيضاً بمعناها القومي والتاريخي.
فالنظام العربي اليوم، أياً كانت المواقف السلبية التي تتخذه منه شعوبه، بات يتماهى عند هؤلاء بالفكرة القومية نفسها، وبالدولة، وصولاً إلى "هوية" أكانت مغلقة أحادية أم مفتوحة. ولهذا، فخطة إحراج الأنظمة عبر مسودات الاصلاح، أو تهديد وجودها، أو استبدالها، انقلبت على واضعيها. أي على الأميركيين بالدرجة الأولى، فتأخر بذلك الاصلاح الذي ينطلق من إرادة الناس ومن حاجاتهم ومعاناتهم. بل كأن الاصلاح اليوم بات، بالنسبة إلى الشعوب العربية تدخلاً أميركياً في شؤونها. مما قد يؤدي إلى مزيد من التمسك بالبنى القائمة باعتبارها "أصيلة" لا تهدد الجذور، وعريقة لا تستسلم للحداثة الديموقراطية الأجنبية وهجينة تغريبية تهدد الوجه العربي لهذه الأنظمة. وبات مشروع الشرق الأوسط الكبير المرتبط بهذا الاصلاح محاولة لإذابة العنصر العربي (والاسلامي والايديولوجي) في إرادة أجنبية تقودها أميركا واسرائيل. وهذا قد يؤدي، عند البعض، إلى نوع من العودة الصارمة إلى الذات "العربية" المسورة بالخوف، وإلى الذات الدينية المسورة أيضاً بالتوجسات، وإلى الذات الاجتماعية المسورة بالخوف أيضاً، وحتى إلى نوع من الشوفينية المغلقة.
وعندما نشير إلى هذا التماهي المتأخر بين بعض الشعوب العربية والنظام العربي وصولاً إلى الجامعة العربية (ومؤتمر القمة)، فهذا لا يعني أن هذه الشعوب التي استفاقت على انتماءاتها التي موهتها الأنظمة نفسها، قد تكون على جهوزية مدنية لتطوير أدواتها وأفكارها وتجديد روابطها، ولكنها، وفي مستويات معيّنة، قد تتخذ من هذا التماهي الراهن (ببعض أنظمتها) والصحوة الحاضرة (لعروبتها)، والاحساس المتسع (لوجودها)، منطلقات ما، تمضي عبرها إلى إعادة تأسيس وعيها، وانتسابها، وبلورة جدلية قومية حية قد تفضي إلى مشروع نهضوي متجدد، يقوم بالاصلاحات الجذرية، ليس على مستوى الأنظمة فحسب، بل على مستوى المعطيات والأفكار والأدوات والمواقف، وهذا تحديداً، ما يحدد خياراتها، وصراعاتها السياسية والفكرية والايديولوجية والاجتماعية، وأشكال نضالها ضد التبعية بضروبها، والاحتلال الاسرائيلي بكافة مقترفاته وجرائمه ومشاريعه.
نريد أن نقول أن ذبول "الأفكار" والظواهر التاريخية والفكرية لا ينفي نضوجها. ونريد أن نقول، عبر هذا، أن الأفكار قلما تموت، حتى عندما ينعاها أهلوها وأعداؤها. لا شيء يولد ليموت. هكذا تعلمنا. فلا العروبة تموت على أيدي الأنظمة. ولا العروبة تموت في سرير القومية العربية. ولا الماركسية إذا شيع جنازتها العالم كله ذات يوم، قد ماتت. ولا كذلك فكرة اليسار واليمين. ولا حتى التعصب. ولا الليبرالية. إنها ظواهر تلازم البشرية، فتضعف أحياناً وتقوى أحياناً أخرى. لكنها تبقى الضمائر الانسانية. وكل هذا ينطبق على العروبة بكل تعابيرها. فالذين حفروا قبرها، يُشيّدون لها اليوم دورها وبيوتها.
ولكن هذا لا يعني أن كل شيء يدوم أو لا يدوم من تلقائه. أقصد أن هذه الظواهر تقاس قبل كل شيء بقوة فاعليتها، كمشاريع مفتوحة على المستقبل، كهويات مشرعة على كل احتمال.
على هذا الأساس نتساءل: هل ستستغل الأحزاب والأنظمة والحركات العروبية وحتى الدينية والايديولوجية، هذه الصحوة الخجولة للانتماء العربي، لتعيد صياغة تصوراتها ووسائلها وبناها بالتماهي بهذه الشعوب، والانخراط في همومها وآمالها وتطلعاتها، أم تكون تلك الصحوة مجرّد صحوة، يعود كل شيء بعدها، إلى نوع من الغيبوبة، أو الكمون، أو الانتظار وراء كواليس القمع والاستبداد والظلم والتبعية والاستسلام؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00