8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

منذر حلاوي يرحل بصمته الكثير

منذر حلاوي رحل بصمت كثير. بصمته. كأنه تدثر صمته، كله، وعلى امتداد سنوات، ومضى. كأن لم يرحل. تُحسه أحياناً. بل رحل صمته.
انه العاشق و"الحبيب" بامتياز. عاشق الشعر كمن لم يعشقه من أهل جيله وسواهم. حتى تحول، كائناً شعرياً. صافياً. يرى في الشعر. ويمشي في الشعر. ويحلم في الشعر. ويعيش في الشعر. ويحزن في الشعر. ويحب في الشعر.
ذلك أن صديقي وأخي منذر حلاوي لم تعلمه حياته القصيرة إلاّ الشعر. لم يحترفه (كالمحترفين) ولكن لم يحترف سواه. لم يجعل منه بطاقة دخول الى هذا المجتمع الثقيل. لكنه كان بطاقة دخول الى ذاته. بطاقة خضراء لا تنتهي. بطاقة الى تلك العزلة المليئة. العزلة التي تحميه من رعب ما يراه وما لا يراه حوله وقدامه ووراءه. من فساد ما يحيط به، من عنف ما يصمم عليه، وعلى الآخر، على امتداد الحروب وما بعدها.
وكأنما، وإصراراً على هذا الاحتماء المستمر مما هو سائد، فضل ذلك الغياب الصميم. الغياب في "الذات الكبرى". وهي الذات التي تتحلل في كل ما أحبه منذر وعشقه وصادقه وأوفى به حتى النهاية. هذا الغياب ليس من أمكنة الشعور، أو الخلاء، بقدر ما كان غياباً من امتلائه باللغة. باللغة التي تنخرط في تصوفية ما. ليست تصوفية لفظية كما خبرناها عن من تصوفن لفظياً، بل هي اعلان الكائن عن نفسه. عبر اللغة. لغته التي تختلف عن كل ما خاض حديثاً هذه التجربة، التي هي، معه، أبعد من الشعر. وأبعد من توسل مكاناً في الشعر، أو يافطة. أبعد من الشعر لأنه جزء من الكائن. ابتداء باللغة، وانتهاء بالذات المتحررة من ربق ما يجعل الإنسان أسير لحظاته ومنازعه العابرة. كأنما كانت صوفيته هذه خلاصاً. خشبة خلاص. أو فلنقل درباً تتقاطع في دروب الداخل، ووقعه، وأحجام امتلائه.
منذ أكثر من ربع قرن عرفت منذر حلاوي. في الحروب، وفي الهدن، وما بعد الحروب. رافقته في شعره. وكما خلبني. وكم خلبتني كتاباته، تلك التي نشرها، وتلك التي أطلعني عليها. كان شاعراً لا يشبه الآخرين. فلنقل إنه كان شاعراً مضافة إليه أمور أخرى، جعل من الشعر حالات وتعابير تنم عن شغف "باللامرئي". باللامحسوس. باللاعرفي. وكم كنت أحب، عنده هذه الأحجام "الرثائية" التي تشكل خلفية لحالاته الشغوف. أو لتلك الحالات التي لم تنأسر "بالأزمات" اليومية ولا بالمعيش التفصيلي. ولا بالهموم "المادية". حالة من حالات "العلو" أو الانشغاف بأهواء الذات المجردة من كل ما يجعل القصيدة وسيلة لسواها. أهو الشعر الصافي؟ ربما! لكن الألم الذي تحسه في "مرثياته" الكثيرة، ألم يصيب عمق الكائن. وعمق اللغة التي تجسد هذا الكائن. عمق الينبوع. بعتمته وضوئه وطراوته ونقائه. انه الشاعر الينبوعي بامتياز، منذر حلاوي. يتردد عليه كما يتردد الى المناطق غير المسلوكة من ذاته. لكنها مناطق تستعير أحياناً، ما يترامى في التراث وفي النصوص الدينية، عشقاً، واختراقاً، وتماهياً، لكن أيضاً جرأة وتفكيكاً لمتونها الكاملة. "انها مناطق الخطر". قيل له. مناطق التقديس. قيل له. لكنه لم يتراجع: فكل شيء ملك الإنسان. ملك الفرد. وكل شيء في خدمة الحياة. هكذا قال لي عندما هُدّد بعد نشر أحد نصوصه الرائعة. لكنه لم يتراجع إزاء البراثن التي شهرت على شفافيته. مع أنه ليس من النوع الذي يقاتل بأسلحة الآخرين. وإنما بأسلحته: الصفاء، والذوبان، والانخراط في التجربة حتى النهاية.
رحل منذر حلاوي بصمت لم يسمعه حتى أعز أصدقائه. كأنما أضاف برحيله صمتاً الى صمت. بل شعراً الى شعر. بعيداً من الضوضاء والجلبة والطقوس.
رحل منذر حلاوي، الأخ والصديق، كما ترحل النسمة وتخلف عبقها الطويل الطويل كثيراً.
رحل ربما الى حالة من تلك الحالات العديدة التي كان يعيشها في عزلاته المأهولة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00