بعد عام على غزو الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها العراق، منتهكة القوانين والمنظمات الدولية، والأعراف، وروح الديموقراطية، والارادات الرسمية والشعبية، هل يمكن القول، ومن خلال حصيلة ما جرى، أن هذه الامبراطورية، حاولت، وبالسبل الشتى أن تُعيد بلاد الرافدين إلى نقطة صفر غامضة تختزل التاريخ والحضارات والخيرات والانجازات التي تراكمت على مدى عشرات القرون؟
أين هو العراق اليوم؟ هل مَنْ يدلنا على موقعه؟ على سماته؟ هل مَنْ يخبرنا ما حلَّ بثقافته؟ بأرضه، وفضائه ومائه، وبتروله؟
هل نعثر، إذا بحثنا عن العراق، سوى عن شِلوٍ منه هنا، وقطعة منه هناك، وشقفة متباعدة، تفصلها كلها فجوات تاريخية وجغرافية وسياسية؟ وهل يعني تفكيك هذا البلد تأكيداً على تنوّعه الجديد؟ وأين هو هذا التنوّع: الشروخ التي بدأت تتعمّق بين الغيتوات الطائفية والعشيرية والاثنية والصراعات القائمة بينها، هل تُسمّى تنوّعاً؟ وهل نعتبر انغلاق كل بنية تاريخية وسياسية على ذاتها، تنوّعاً؟ وهل يمكن اعتبار أن الانقسام المذهبي أو الطائفي يمكن أن يؤدي، كما يروّج بعضهم إلى تعددية ديموقراطية، تتفاعل وتتحاور؟ وهل يمكن اعتبار أن سياسة القطعان المدموغة تصنع ديموقراطية. ديموقراطية الغرائز واللاعقلانية، وحرية اللااختيار الفردي لطغيان "الجماهير" الموسومة والموصومة؟
هل تبدأ الديموقراطية الجديدة حيث انتهت الدكتاتورية البعثية؟ وهل يبدأ التاريخ الجديد على أنقاض التواريخ المتراكمة؟ بمعنى آخر هل يمكن أن تُكوِّن "المنقلبات" الحادة سبيلاً إلى بناء صراع حقيقي بين الظواهر والعناصر التي يفترض أن تكون من صُلب النسيج الاجتماعي والقومي والسياسي؟ وبمعنى آخر أيضاً: هل يبدأ تاريخ العراق "الجديد" بالاحتلال الأميركي وتداعياته وتفسخات كل شيء أمامه؟ وكأنَّ شيئاً لم يكن لا قبل وما بعد؟
نتابع، قدر الامكان، ما جرى ويجري، منذ عام. ونكتشف يوماً بعد يوم، أن شيئاً ما ينقص باستمرار في العراق. شيئاً يختفي شيئاً يَبيد. كأنّ الديموقراطية "الحضارية" على الطريقة الأميركية تقوم على إبادة ما هو كائن. سحق ما هو موجود. نفي كل ما من شأنه أن يُذكر بأنه كان لهذا البلد ماضٍ، وحضارات، وشعوب.
بل كأن هذا البلد المبدع، لم يُبدع سوى طوائف وعشائر وإثنيات؟ ولم ينتج، سوى عصبيات، ولم ينجب سوى كائنات "نبوية" انتظرت طويلاً لتأتي وتقضي على ما قبلها. والكائنات "النبوية" هذه تتناسل بقدر ما تتراجع الأفكار. وتتهافت بقدر ما تتباعد الثقافات. وتكثر بقدر ما تقل وتندر الخصوصيات كمشاريع منذورة للمستقبل. وإذا كان صدام حسين (وحزبه المشؤوم) قد أوقف العراق على مقصلة الزمن، وعلى مقصلته، وجمع من عطايا "النبوة" ما يجعله مطلقاً، وواحداً، فإن الواقع الجديد (بحسب رؤيا بوش) يجمع على مقاصله كثيراً من عطايا "النبوة"، تتوزَّع من الأرحام والجينات والمخيّلات التاريخية المعلّبة، لتصنع ألف صدام، وألف دكتاتور.
بل كأن الصلة الوحيدة بين ما كانت عليه بلاد الرافدين وما آلت إليه هي هذه "الخلافة" من استبدادية فردانية إلى ملامح استبدادية "جماعية"، ومن استبدادية "علمانية" عائلية إلى استبدادية إثنية وطائفية. وبين هذه الاستبداديات تاريخ ينمحق ومنحى انقلابي جذري ينتصر: انقلاب صدامي بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية في أواخر السبعينات، وانقلاب جديد عبر الولايات المتحدة الأميركية في بداية القرن الحادي والعشرين والجهة الانقلابية واحدة، والأدوات متعددة. لكن إذا كان صدام حسين حاول إلغاء كل ما هو سياسي حوله، كل ما يشكل اختلافاً عنه، وبقي على اتصال ما بتاريخ العراق ككل، ولو من باب الإسقاط أو الاستيعاب فإن الامبراطورية، لا تريد أن تلغي فقط كل ما هو سياسي، بل وضع تقويم جديد للتاريخ. وخريطة جديدة للأرض. وهوية جديدة للناس. فمنذ بداية الغزو وحتى الآن، نشهد اندثار العراق الكبير. العراق الموصول بالحاضر وبالماضي. نشهد ثقافة لم يستطع صدام إبادتها كلياً، تبيد أمامنا. فلا إنجازات الماضي العظيمة التي ترجع إلى مئات القرون باتت "موجودة"، ولا اجتراحات الحداثة المتمثلة بالأفكار والابداعات باتت موجودة. فالأصفار تصنع أصفاراً. والعدم ينتج عدماً. والعُقم الانغلاقي يؤدي إلى عقم انغلاقي.
فلا الاسلام، خارج العصبيات السياسية والقبلية، قائم فعلاً. ولا المسيحية خارج العصبيات السياسية والقبلية قائمة فعلاً. ولا قبلهما، وطويلاً، بقي شيء. وحتى الأفكار الديموقراطية والقومية والعروبية والتقدمية والنهضوية والطليعية باتت بلا أثر يذكر، على الرغم من تمثيل بعض وكلائها، في ما يُسمى "مجلس الحكم".
إنها قمة العزلة: هذه النقطة الواقفة بين الأصفار. ذلك أن الظواهر الجديدة، والتي ترسم معالمها، من ضمن الخطوط الأميركية، تخلط بين النظام البائد ووشائج القومية وجذورها، وبينه وبين العروبة، وبينه وبين الفكر النهضوي. وكأنما تناسى الجميع هناك، ان القمع الصدامي لم يصب خصومه "التاريخيين" فقط، بل أصاب قبل كل شيء جوهر القومية العربية، والأطر التقدمية، والتوجهات الديموقراطية، والمناحي الاشتراكية، عندما ضمّها كلها، بقضّها وقضيضها، إلى متاعه الخاص (إلى جبهته القومية الوهمية)، لتدرج في ارثه العائلي والعشيري. وحتى حزب البعث الذي اقتحم صدام السلطة بشعاراته، صفّاه عن بكرة أبيه، وجعله مجرّد إطار وهمي لسلطته.
سياسة "تصفية" الارث المتراكم في العراق، ما زالت مستمرة، ولكن بوتائر أميركية سريعة ومتتابعة. ولهذا يبدو، وبعد عام من غزو العراق، أن زمناً غرائبياً، يسود هناك. زمن الأصفار المقطّعة التي تحط لتنفتح، عبر الظواهر الطائفية والاثنية، عصر "اللا عراق" أو عصر العراق المنفي عن العراق. عصر العراق الملغى. ويكفي أن نعرف أن الخطط التقسيمية قطعت أشواطاً واسعة على مختلف الصُعُد التحتية (الشعبية)، والرسمية القانونية، والنفسية، تحت مسميات الفدرالية والكونفيدرالية، للوصول إلى نظام أشبه بنظام الحماية، نقول ذلك لأننا مررنا في لبنان بمثل هذه الحالات و"التطلعات" التقسيمية في الحرب التي استمرت خمسة عشر عاماً، حيث تحوّل لبنان كله، عبر طوائفه ومذاهبه، إلى مجرّد نظام "حماية" ترتهن كل فئة من فئاته ـ بجهة خارجية، بحسب الأصول الطائفية أو المذهبية أو الايديولوجية.
ونظام الحماية هذا، الذي بدأ يؤسسه الأميركيون مستفيدين من التناقضات السياسية والدينية هناك، يحفر تقسيماً عميقاً، لا في المستوى السياسي أو السلطوي وإنما في المستوى الحضاري والوطني والتاريخي، من هنا، تبدأ كل فئة بمصادرة شقفة من الأرض، وكذلك شقفة من الارث العراقي. وما لا تصادره هذه المجموعات، يسقط في النسيان أو يطوى في الذاكرة. هذه هي بداية الأصفار. وعندها، ومن ضمن منطق هذه الأمور، ينقسم المذهب على المذهب. والعشيرة على العشيرة. والعائلة على العائلة. وتصبح البلاد بابل حقيقية لا يربطها تاريخ ولا جغرافيا ولا أرض ولا واقع. أوليس هذا ما يسمونه تفتيت العراق توصلاً إلى تفتيت المنطقة، من ضمن الايديولوجيا الاستعمارية والتي بات لها مصطلحاتها الخاصة: من لبننة إلى بلقنة... إلخ؟
إنها ثقافة الذرات المتناكرة. ثقافة الخروج من التاريخ وعليه، الثقافة التي تؤدي إلى لقاء المصادفات بين الشعب الواحد عندما يتحوّل إلى شعوب متناحرة. ولو استعرضنا بشيء من الدقة "الانجازات" الثقافية في هذا العام لوجدناها أيضاً في نقطة الصفر، فكراً وأدباً. وسياسة. وفناً. وعلماً لا شيء يذكر. كأنما أصفار العراق الأميركية صبّت أصفاراً لدى المفكرين والمبدعين. بمعنى آخر لم نلحظ، من خلال متابعاتنا، أن الثقافة العراقية التي كانت جزءاً من مقاومة النظام الصدامي، لا سيما في المنافي، قد انضمت إلى الواقع أو تمرّدت عليه. لحظة لا توازن توافي اللاتوازن العمومي السائد. فهؤلاء المنفيون الذين كانوا يحلمون بعراق حر ديموقراطي، مستقل، عقلاني، مزدهر، وجدوا أن عراقاً آخر، نقيضاً، قد استُنبت أمامهم. عراقاً لا يعرفونه، أو لا ينتظرونه، أو لا يتمنونه. ولهذا، لاحظنا، أن معظم المثقفين العراقيين الذين كانوا يحلمون بالعودة إلى وطن يشبههم، إلى وطن يشبه أحلامهم، بقوا في منافيهم، بل أسرّ إليّ بعضهم أنه بدأ يترحم على زمن صدام الذي لا تجوز الرحمة عليه.
ونظن أن هذه الثقافة الصامتة في العراق وخارجه، لا تصطدم فقط بزمن لا ثقافي، أجوف، ماضوي، عند أهل الحكم الجدد والأميركيين، وإنما بمقاومة داخلية لا يعرفون لا مَنْ يقوم بها، ولا مَنْ يحرّكها، ولا يعرفون ما خططها تحديداً، ولا هويتها، ولا مقوّماتها، ولا ناسها، ولا مصادرها، ولا مراجعها، ولا مضامينها، ولا أفكارها، ولا أهدافها المتكاملة.
هل هي مقاومة للاحتلال الأميركي، ذات حس وطني تحرري جامع تشبه جبهة التحرير الجزائرية أو المقاومتين اللبنانيتين: الوطنية والاسلامية؟ هل هي مقاومة من داخل الصراع على السلطة بين أهل الاتجاه الواحد؟ هل هي مقاومة مذهبية تسعى إلى استرداد موقعها "وامتيازاتها"؟ هل هي مقاومة من أهل النظام البائد تهدف إلى استرجاع السلطة؟ هل هي مقاومة يغذيها الخارج، من ضمن التناقضات الموجودة، بحثاً عن دور لهذه الجهة الخارجية أو لذلك المرجع القريب أو البعيد؟ هل هي مقاومة أصولية ترتبط بهذه "القاعدة" أو بهذا البن لادن؟ هل هي مقاومة تحتج على المناحي التقسيمية والتفتيتية، أم هي مقاومة تريد مزيداً من التقسيمية والتفتيتية؟ هل هي مقاومة تناضل من أجل حماية الارث العراقي الكلي والتاريخي والطبيعي، من الاستباحة الفئوية أو الاستعمارية؟
لا أحد يعرف: مقاومة مجهولة الاسم والهوية سوى من نضال مشروع ضد الاحتلال الأميركي. فهل هذا كافٍ؟
إذاً، أهل الحكم على صراع في ما بينهم حول المحاصصة، وعلى خنوع أمام الاحتلال، وحول مَنْ سيتفرّد بالسلطة، عاجلاً أم آجلاً، ومقاومة غير محددة الوجهة، ولا الخطة، ولا الفكرة. والنتيجة أن الشعب العراقي بين سندان الاحتلال من جهة، وبين مطرقتي المقاومة ومجلس الحكم من جهة أخرى. يستهدفه البطش الأميركي ووحشيته، ويتحمّل صراعات أهل الحكم التافهة ويتكبَّد أحياناً نتائج عمليات المقاومة التي تصيبه في أرواحه وممتلكاته. كل ذلك من دون أن يُحس بأن الواقع "المريب"، و"الفاحش"، و"الغامض" مفتوح على احتمالات أفضل. شعب تحمّل من قبل، وعلى مدى ثلاثة عقود، حكماً واضحاً من الدكتاتورية، وها هو اليوم، يتحمّل، منذ عام، أشباه حكم ملتبس مرتهن بطغيانية احتلالية جشعة، تقابلها مقاومة مجهولة القسمات والأهداف، إنه في قمة البلبلة. والتخوّف. واليأس، والقتامة، والعوز. فكأن هذه الجلجلة التي بدأت مع صدام تستمر مع الصداميين الجدد بوتائر أعتى، وأشرس، وأكثر عتمة، ولولبية. بل كأن لغة "الأصفار" التي يفرضها الاحتلال ويتبنّاها بشغف مجلس الحكم، تمس أيضاً الناس الذين يشعرون بأنهم، (وبرغم شعور بعضهم بالانتصار) في نقاط الصفر الكثيرة. في مراحل تشهد انتهاء مرحلة، وبداية مراحل لا يعرف أحد مآلاتها ولا مصائرها.
عام على الاحتلال الامبراطوري في العراق والحصيلة: هزيمة للجميع: للاحتلال الذي وجد نفسه في مستنقع دموي، ولسلطة الحكم التي لم تتحرر من الارتهان، وللشعب الذي يُحس بأن حلمه بعراق جديد مشرق يكاد يتبدد.
يبقى أن نعرف ماذا تريد المقاومة فعلاً؟
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.