8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الفكرة الاستعمارية ومطالب التغيير

الخطط المطروحة أو المفروضة بوجوب قيام العرب والمسلمين بإصلاحات ثقافية وسياسية واجتماعية (وحتى ايديولوجية) هل هي من نوع القنابل الصوتية التي تُروِّع بدوّيها أكثر مما تصيب، أم أنه الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، تريد، عبر مطالباتها هذه، أن تقول "ردّوا إلينا بضاعتنا"، أو استردوها إذا ضاعت" وسط زحام الثورات والحركات والحروب؟ أي أنهم يسألوننا: ماذا حل ببضاعتنا "الاستعمارية" التي دفعناها إليكم على امتداد أكثر من قرنين يشكلان بداية النهضة وشحوبها؟ وماذا حلَّ بأنظمتنا التي اقتبستموها ما بعد المرحلة الاستقلالية؟ وماذا تبقى منها، وماذا ستفعلون بها؟
كأنما المطالبة، ومن النافذة الاستعمارية، أكثر من شرعية. ومحاكمة الذين تبنوا النموذج الغربي (الأوروبي) وثقافته، والنماذج الغربية اللاحقة (الأميركية) عبر ما يسمى العولمة وما قبلها تبدو أيضاً شرعية وأكثر. فمن حق صاحب البضاعة أن يسأل عن بضاعته، والأسواق التي عرضت فيها ومدى رواجها. ومَنْ يراجع لائحة المطالب الغربية (الأميركية) من خلال ما يسمى "الشرق الأوسط الكبير". والمزاوجة بين السياسة والثقافة والاقتصاد والأرقام والعناوين، يكتشف أنها لائحة وضعها "طبّاخ" استعماري ومدقق حسابات عتيق، عليم بشؤون الماضي والحاضر وأحوال الحكم والحكام والأنظمة والمعارف، في باب عريض من المساءلة العريضة: ماذا فعلتم بثقافتنا؟ ثقافتنا "الخاصة" التي اقتبستم ما اقتبستم منها، وما هو مردود هذه الثقافة علينا؟
هذه المساءلة مشروعة أيضاً، وواقعية، لأن الأنظمة الاستقلالية عندنا هي، في مجملها أنظمة "غربية"، بدساتيرها وقوانينها وبنود حكمها وديموقراطياتها، ودكتاتورياتها، وليبرالياتها، وأشكال قمعها، والانجازات الحضارية والثقافية من فكرية وأدبية وفنية وفلسفية ونقدية وعلمية وتكنولوجية وتقنية... وإعلامية التي تمت في عهدها.
كل ذلك صحيح: فالدكتاتورية الحديثة دمغة أوروبية عندنا: ابتداءً بالروبسبيرية (وقبلها الملكية ـ لويس الرابع عشر)، والشيوعية السوفياتية (ونموذجاها الكبيران لينين وستالين)، والنازية وعلمها اللماح هتلر. وأنظمة أميركا اللاتينية بدكتاتورييها "الأميركيين". هذه الدكتاتوريات العربية لا تعود فقط إلى "الروح المشرقية المستبدة" (أو الدينية والاقطاعية عندنا) وإنما إلى إنجازات القرن العشرين الغربي التي صنعت حربين عالميتين ونزاعات لا تحصى بين الشعوب في ظل حرب باردة هنا وحروب غير باردة هناك، إذاً جاء الغرب يتفقد آثاره "الديموقراطية" عندنا عبر الأنظمة الدكتاتورية التي اكتشف فجأة أنها دكتاتورية، لا بالمجهر، ولا بالنظارات، وإنما في ضوء الشمس الساطع. هذه بضاعتنا الاستعمارية، نريد أن نسترد منها ما نختار أن نسترده، ونفتح سجلاتكم "المشرقة" في أمور حقوق الانسان، والاستبداد، والطغيان، والمرأة وقد وقّعنا بنودها سطراً سطراً.
فدكتاتوريتكم "الموصوفة" من عندياتنا. وكذلك ديموقراطياتكم الموصوفة أيضاً من شتول مزارعنا، وبلاط أرصفتنا، ومنصاتنا، وتشريعاتنا، وقوانيننا. حتى آدابكم النهضوية وفنونكم ورواياتكم ومسرحكم وسينماكم... ونقدكم ومدارسكم النقدية المتعاقبة، هي أيضاً من "لدننا"...
ويمكن أن تطول اللائحة ولا تنتهي. وهذا صحيح. فنحن العرب عشنا مرحلة التفتح، بمجانية عالية، حين كان التفتح لدى الآخرين أبواباً استعمارية سياسية. هذا صحيح. ويمكن أن يضيفوا أن أنظمتكم كلها هي من فبركاتنا. وصنيعتنا. وكذلك ثوراتكم المظفرة. وهذا صحيح أيضاً. فالمنطق الاستعماري يريد أن يذكر دائماً بأفعاله وخصائله إذا اقتضت الضرورة الاستعمارية. ويمكن أن يتنكر لها ويفسدها إذا اقتضت الضرورة الاستعمارية (السياسية).
كل هذا صحيح. ويمكن أن يفحص الغرب، بعقله الاستعماري، كيف دمَّرَ جيّداً، احتمالات أن تُطور الأنظمة، أو ملحقاتها، أو ما يحيط بها من هوامش ومجتمعات، ارثه عندنا، بل وكيف رفض منذ قرابة خمسين عاماً، وبعد المرحلة الاستقلالية، أن يدعم البنى "العربية" نفسها، ومَنْ يمثلها، ومَنْ يشخصها، ومَنْ يتبناها: من أنظمة شمولية إلى أنظمة غير شمولية، أو بين بين، وحاربها وحارب شعوبها، واعتدى حتى على "فكرته" فيها من خلال حسابات "اسرائيلية" هنا، أو حسابات سياسية واقتصادية ضيّقة. أي في النهاية حسابات استعمارية في زمن سمي ما بعد الاستعماري، لكن بأدوات استعمارية نفسها. فكرة الدولة، وحتى الأمة والقومية وتجليات الثقافات في القرن العشرين، وأشياء المعيش، والتكنولوجيا والأسلحة، والاصلاح والتنوير والتغيير، هي كلها بضاعة استعمارية. أي بضاعة غربية (معولمة).
وكان القرن العشرون هو قرن الغرب بامتياز في العالمين العربي والاسلامي. وعلى هذا الأساس لا يمكن، (كما يحصل اليوم) إنكار ما تحقق من إنجازات "الآخر" (الغربي) عندنا، ابتداء من عملية التهجين التي مارسها "النهضويون" بين الثقافة الوافدة (ومعظمها استعماري) وبين الثقافة الموروثة: من مشايخ أجلاء متنورين كمحمد عبده، والأفغاني، ومصطفى وعلى عبد الرازق، والكواكبي... إلى علمانيين كبار كفرح أنطون، وطه حسين، وصولاً إلى الأفكار الماركسية والليبرالية والثورية وفصل الدين عن الدولة... وحرية المرأة، وحقوق الانسان، وتمييز الفردية... وديموقراطية التعليم، والانفتاح على الفكر المادي الخصب، وكذلك الروحي... كل ذلك يمكن إدراجه على عدة مراحل نختزلها بفترتين: ما قبل الفترة الاستقلالية، وما بعدها.
وإذا شئنا أن نلحظ ما توفر من مكاسب في الفترة ما بعد الاستعمارية، نجد أولاً أنها فترة استعمارية بالدرجة الأولى، لاستكمالها وعلى مستوى الدولة وآلياتها، والمجتمعات العربية ووسائلها، ما زرعته النهضة من أفكار ومشاريع "مدنية"، ولو بنسب متفاوتة وأحياناً شكلية، بين نظام وآخر. فالتحديث الذي أصاب العالم العربي أثناء الفترة الاستقلالية، لم يكن هيّناً، وعلى صعد عدة، منها:
1 ـ إن وضع المرأة تطوّر كثيراً في المجتمعات العربية وإن لم يكن هذا التطوّر كافياً.
2 ـ بناء الدولة الحديثة قطع أشواطاً مهمة في عدد من البلدان العربية.
3 ـ الثقافة العربية (المهجّنة) تمكنت من الانخراط في عملية الانتاج والابداع ومضاهاة الآخر، والانفتاح على كل التيارات التي صيغت (في الغرب) في القرن العشرين: هو من الفكر إلى الآداب إلى الفنون البلاستيكية، وإلى المسرح، والسينما...
4 ـ الأوضاع الاقتصادية، ولأسباب متفاوتة، سجلت في بعض المناطق العربية، تقدّماً هائلاً (وإن بقيت مسألة توزيع الثروات غير عادلة عموماً، أو من دون استراتيجيات واضحة).
5 ـ تحوّلت الجامعات الوطنية إلى بؤر حيّة تنتج الثقافة المغايرة، والرؤى الحداثية المتفتحة والطليعية، ومشاعر التململ، وحتى الثورة على الأنظمة القائمة، مما يُعزز تنامي الروح الديموقراطية في هذه الهوامش الحيّة وثقافاتها الأكثر ارتباطاً بالغرب والشرق.
6 ـ انخفاض نسب الأمية في العالم العربي، وإن كان هذا الانخفاض غير كافٍ... إلخ.
لا نريد أن نضع هنا لائحة بإنجازات مجتمعات الأنظمة الاستقلالية، ولكن ما سقناه يوضح (وبرغم المناحي الشمولية والاستبدادية والفساد في صلب هذه الأنظمة)، إن قسطاً لا بأس به من النمو الثقافي والوعي السياسي والاقتصادي سجل في هذه العهود. وما أشرنا إليه هو مجرّد إشارات. نريد أن نقول عبره إنه غير صحيح أن القرن العشرين لا سيما في النصف الأخير منه، كان قرناً يجب طمسه باعتبار أنه لم يتحقق فيه شيء. وهذه الآراء التي يطلقها بعضهم، اليوم، تخلط أولاً بين الأنظمة ومجتمعاتها، وكأن هذه الأخيرة مجرّد نتاجات آلية ميكانيكية لها، ثانياً، الخلط بين شعارات الأنظمة وحتى الآليات الاجتماعية (أحزاب، جمعيات) وبين الأفكار نفسها، كأن نعلن سقوط الفكرة لأننا لا نجرؤ على إعلان سقوط النظام، ثالثاً، بين الأنظمة الشمولية المعسكرة وبين الأسس الايديولوجية والسياسية التي تستند إليها. وهذا يعني أنه علينا عدم التفريق بين فكرة العدالة المتمثلة في الاشتراكية مثلاً، وبين البنى الاشتراكية الحزبية والحاكمة، وأنه علينا عدم التفريق بين تراجع "الأنظمة" العلمانية وبين فكرة العلمانية نفسها، تماماً كما يبدو عدم التفريق بين سياسات الغرب "الرسمية" وبين شعوبه وثقافاته، وتالياً علينا عدم التفريق بين ما تأثرنا به من قوالب ومدارس واتجاهات ثقافية (غربية) وبين النزعة الاستعمارية التي تنتمي إليها. ونظن، وهذا هو السؤال الكبير: هل كان الغرب (في مراحله الاستعمارية كافة) راضياً على دخول العرب، وعبر النزعة الاستعمارية (وأحياناً من دونها)، وبعد "انحطاط" دام قروناً عديدة، الحداثة أو التنويرية، أو العقلانية، بثقافته ونماذجه، خدمة للانسان (المجرّد) وللحضارة والانسانية؟ هل عمل "الغرب" على تهميش "الأنظمة" الاستقلالية، ليضرب عمقاً في العوامل التي أنبنتْ عليها الثقافة الاستقلالية نفسها؟ وهي ثقافة تحرر في الدرجة الأولى، لكنها أيضاً ثقافة انفتاح في الدرجة الأولى أيضاً. فما المستهدف إذاً: ثقافة الغرب هي التي ساعدت العرب على النهوض (والغرب لا يريدها أن تنهض حتى بثقافته نفسها)، أم ثقافة الاستقلال والتحرر؟ هذا الالتباس يتعاظم عندما نعرف أن العرب فرقوا طويلاً بين المستعمر وثقافته. فتبنوا هذه الثقافة تبنياً طوعياً حتى أثناء هيمنة الاستعمار (لبنان، مصر، سوريا، تونس المغرب، الجزائر...). وربما هذا أقلق بطريقة أو أخرى الغرب نفسه الذي يريد أن تكون ثقافته تحت السيطرة بحيث يتمكن من استخدامها بحسب الظروف: مع الديموقراطية إذا خدمت مصالحه، ومع الدكتاتورية إذا خدمت مصالحه أيضاً. مع التنوير إذا "تنوَّر" وجوده، وضده إذا نوَّر آفاته وأطماعه. ويمكن، ومن هذا الباب، أن يدرك الدين فيغذيه لمحاربة الديموقراطية (الغربية) إذا رأى في ذلك ضرورة، أو أنه يضعه في خانة الارهاب إذا وجد أنه يكرّس مكاسبه.
كأن الاستعمار الغربي لا يريد من أي إصلاح إلا أن يكون إصلاحاً "استعمارياً". فهو لا يوزّع العطايا. ولا يبشر بالعدالة والحقوق إلا إذا جاءت كلها من روافد خططه: يدعم الدكتاتوريات في أميركا اللاتينية لأن الديموقراطية هناك تناهضه. ويدعم الديموقراطية في مكان آخر لأن الدكتاتوريين خرجوا على الطاعة أو هددوا تنفيذ خططه. حتى العولمة نفسها، يمكن أن يستعملها الغرب في حديها: هنا يشجع العولمة كقناة ووسيلة لترسيخ وجوده وبضاعته، وهناك يأنفها لأنها لا تعود عليه بشيء. إذاً كل شيء مسَلَّع. كل شيء قابل للعرض والطلب. كل شيء ينظر وظيفته المقبلة.
اليوم، يطالب الأميركيون في مرحلتهم الاستعمارية المذهبة، أن يجري العرب والمسلمون إصلاحات ديموقراطية. ولا نعرف حتى الآن لا أي ديموقراطية ولا أي إصلاحات. أي لا نعرف نظاماً معيناً من كل ذلك إلا ما ارتبط منه بنزعات سياسية أو اقتصادية. كأنما، عبر مطالبتهم بالاصلاحات يريدون تمليس الزوايا المحددة الأخيرة لا عند الأنظمة (وقد دعموها سابقاً) بل على صعيد المجتمعات (وقد حاربوها عبر الأنظمة). لا يريدون، كما يبدو، إصلاحات غير معقولة. ولا جذرية. ولا انقلابات. ولا ثقافة. ولا حضارة. ولا شيء. يريدون "ترقيعات" ضمن مطالب ودساتير وقوانين ونصوص (هي موجودة أصلاً في أولويات المجتمعات العربية بأحزابها وناسها وأطرها)، تعطل أولاً وأخيراً (كذريعة) كل منحى استقلالي. أو تعطِّل كل محاولة للخروج من تبعيتها الاستعمارية. وتالياً من تبعية اسرائيل ومصالحها. فإذا كانت هذه المطالبات الاصلاحية تشطب احتمالات اعتبار اسرائيل عدواً ومحتلاً وتشطب نضال الشعب الفلسطيني ودولته العديدة، وتشطب كل تململ أو معارضة للسياسة الأميركية، وتساعد على تيئيس الفلسطينيين، وتكرّس اعتراف العرب اعترافاً استسلامياً بالدولة العبرية، فيعني كل ذلك أن الاصلاحات "حجة" أو وسيلة أو تعمية.
وفي المقابل، إذا كان التخلي عن فكرة الاصلاحات هذه يخدم تلك الأهداف المذكورة لدى أميركا واسرائيل، فليذهب الاصلاح إلى الجحيم. وهذا ينطبق على الأنظمة: كل نظام عربي، استبدادياً كان أم غير استبدادي، دينياً كان أم علمانياً، يخضع لهذه المطالب، يسلم. فالقاعدة هنا الخضوع أكثر مما هي التغيير (أو المحاسبة). هذا ما جرى مع النظام الليبي، وقد يحدث مع أنظمة أخرى أدرجت في محور "الشر" ودعم الارهاب... وعدم احترام حقوق الانسان، إلى آخر هذه المعزوفات.
على هذا الأساس، يبدو أن الغرب الاستعماري تشغله الفكرة الاستعمارية أكثر مما تهمه أفكاره النهضوية وارثه التنويري، ويمكن في هذا الاطار أنه يتنكر لكل ما صنع مجده وطليعيته من ديموقراطية وحرية وإبداع واجتراحات، إذا كانت هذه العناوين "تسيء" إلى فرض هيمنته الاستعمارية، فهو يعرف، وكما تعلم من التجارب، أنه ومن خلال الوسائل الاستعمارية، يمكن هزم الاستعمار، ومن خلال أفكاره المتقدمة، يمكن إفساد خططه. وهذا ما جرى على امتداد القرن العشرين عندما واجهت الشعوب العربية الاستعمار الغربي بأسلحة هذا الاستعمار الثقافية وغير الثقافية.
اليوم يتسابق كل من أوروبا (الاستعمارية القديمة المعتقة)، والولايات المتحدة الأميركية (الاستعمار الامبراطوري المتجدد)، على خطة الشرق الأوسط الكبير الاصلاحية على كل الخطوط الديموقراطية، والحرية، والنهب والاقتصاد، بشهية مفتوحة مرنة. تتسابقان على من سيجعل من "إصلاحاته" خريطة طريق، للوصول إلى الهيمنة على شعوب المنطقة وتناهب خيراتها، ولا يهم من خلال أي بند أو أي "حرية". المهم أن الاستعمار القديم ما زال استعماراً قديماً، والاستعمار الجديد استعماراً جديداً، والاصلاحات القديمة تصبح إصلاحات جديدة، والجديدة قديمة.
لعبة تناهش وتناهب أجمل من لعبة المرايا وأوضح منها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00