8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

من أين يأتي الإصلاح؟

ليس غريباً أن يأتي الاصلاح في جزء منه أو حتى في جوهر من جواهره، من خارج الذات. هذا أكثر من طبيعي. بل وضروري. فالذات لا تنتج الذات وكل حركة نحو الاصلاح أو التغيير أو التثوير أو التنوير أو التقدّم أو التطوّر لا يمكن أن تتم إلا بفعل خروج. مغادرة. رحلة من الذات إلى خارجها. كل الحضارات التي انبثقت وتوهجت وأبدعت وتبلورت وسادت، قامت على مبدأ التهجين: الحوار، أو التفاعل، أو الاحتكاك بحضارات أخرى.
النهضة العربية عندنا، ما كانت لتقوم، من غير تبني مبدأ التهجين، بالغرب أو بالشرق المتسع: إذ لا يمكن أن تهجن الذات ذاتها!
إذاً هذا طبيعي جداً أن نأخذ ونغرف من غيرنا، لنكتشف عمق ذواتنا، واحتمالاتها، وإمكانياتها، وتفجراتها. لكن هذا الحوار يكون أجدى وأفعل إذا تحرّك من منطلقات تلقائية. من شغف بالتجاوز، من حاجات ملحة، وضرورات لجوج. أي من هواجس ذاتية أولاً وأخيراً.
اليوم، وبعد مسافات طويلة وغنية ومثمرة من حركات "التغيير" ابتداء بمفكري النهضة وكتّابها وعلمائها نجد أنفسنا في حاجة إلى إعادة النظر بكل هذه التراكمات السياسية والفكرية، ولكن أيضاً وبشكل ضروري من إنجازات الخارج. (أو إنجازات الآخر)، وعلى مختلف الصعد.
هذه الحاجة إلى إعادة النظر تطفو اليوم على السطح. ونلحظ تهافت الحُكّام والأنظمة والأحزاب على رفع شعارات الاصلاح والتغيير. شيء رائع! رائع لأن هذه الأنظمة والبنى والهياكل المهترئة، المسوسة، أسعدتنا باكتشاف أنها تحتاج فعلاً، إلى مراجعة ذاتها. وأسعدتنا بنياتها ورغبتها. وبكثير من مهاراتها، وبلاغاتها، ورنين كلامها. فَلْنَعْقِد المؤتمرات لنُصلح ما يمكن إصلاحه! وليهبَّ مَنْ يريد أن يهبَّ لدعم هذه التوجهات. كل هذا يتم الآن. وكأنه نوع من التسابق مع الزمن. أو امتحان الاستلحاق. لكن ماذا يعني ذلك سوى أن هذه الأنظمة تحاور نفسها في رؤيتها "الجديدة"، وتحاور الجهات التي طلبت منها بعض النقاط المعيّنة لإصلاح ذاتها، ومن منطلق فرض هذه النقاط، أو إملائها، وفي أفضل الأحوال الايماء إليها بصوت عالٍ وغليظ. تريد الجهات الخارجية أن "تجدد" "جهاتنا" العربية واقعها. بما يتلاءم وحمايتها، وتسهيل مهماتها، وتجذير حضورها، وتوفير مصالحها. تجديد مُعَولم! أو تجديد استهلاكي. أو تحت الطلب. أو تجديد فاست فود! يعني ذلك أن ثمة ثقافة أنظمة غربية (خصوصاً أميركية) تريد تثقيف أنظمة عربية واسلامية: لعبة أنظمة بأنظمة. وثقافة فوقية بثقافة فوقية. وأفكار جاهزة بأفكار جاهزة. وعندها يحل نظام (أو مجموعة إجراءات) محل نظام. وتستبدل أعراف بأعراف، وخارج بخارج، ويمكن أن توفر الجهات الفارضة بعض مشقات هذه الاصلاحات، بل والاستغناء عنها، إذا أجرت أنظمتنا تعديلات طفيفة على مستويات الادارة، والتطبيق. وليبقَ كل شيء في مكانه. فالدكتاتورية تبقى دكتاتورية إذا قمعت هذه الدكتاتورية كل ما من شأنه أن يهدد مصالح الجهات الفارضة، تحت مسمى مكافحة الارهاب. ولا يهم إذا استعملت الدكتاتورية أعتى أسلحتها لحماية مصالح هذه الجهات، وتأتي هيمنتها. عندها تصبح الدكتاتورية تنويرية واستثناء قائماً على التفهم والاقتناع وتغيير "المسار" والديموقراطية والانفتاح. ويمكن أن تصير قمعاً وتزويراً، إذا أفرزت الانتخابات في هذا البلد أو ذاك نتائج لا ترضى عنها الامبراطورية. فلتُزَرَّر الانتخابات ويقمع المرشحون والمنتخِبون والمنتخَبون معاً. فهذا سر السياسة.
بمعنى آخر يبدو أن هيصة "الاصلاحات" ما كانت لتتم، عندنا، حتى على صعيد اعلامي، لو لم تعزف الجهات الغربية هذا النغم الشجي لنغني على ليلاه. وكان يمكن أن نوافق ضمن هذه الشروط، لو أن الذين يريدون أن يصدِّروا "الأنظمة" (الديموقراطية) الجاهزة جديون من خلال منطلقاتهم العريقة، ولو أن الذين قبلوا "الطلب"، يريدون فعلاً إحداث تحوّلات أساسية لا في بعض العناوين المستهلكة فقط: حالة الطوارئ، استقلال القضاء، حقوق المرأة، حرية التعبير... وهذه مهمة، ولكن في جوهر العناصر المكوّنة للسلطة أو للنظام. وهذا لا يتحقق إلا برؤيا ثقافية شاملة تلف مختلف هذه التكاوين، كخلفية وكمحرّك وكهدف. رؤيا جماعية وشعبية.
نقول هذا، لأننا لم نقرأ لا في متون الأحزاب ولا عند أهل السلطة، شيئاً يذكر بتغيير هذه الأسس والخلفيات الجوهرية. نقصد أن الاجراءات التفصيلية أو الجزئية المقترحة لا تتجاوز كونها إجراءات تفصيلية، هشة، ومقتلعة وآنية. وهذه المسألة كانت في صلب أزمة الأحزاب والجهات الحاكمة على امتداد نصف قرن، عندما عمدت إلى تهميش القيم الثقافية المكوّنة لايديولوجيتها أو لتصوراتها، وجعلتها ذرائع وشعارات لتفكيك النظام نفسه واعطابه وتحويله مجرّد هيكل فارغ. ولو عدنا إلى دساتيرنا وقوانيننا والأفكار وبرامج العمل لاكتشفنا أن كل ما يُطالب به "الآخرون" (الأميركان خصوصاً) موجود بكثرة وبغزارة عندنا: من الديموقراطية، إلى حقوق الانسان، إلى حقوق المرأة، إلى حرية التعبير، وممارسة الشعائر والطقوس... كل شيء موجود. لكن خلف الشاشات المنطفئة. موجود وغير صالح للاستعمال. موجود كخردة في الأقبية الخلفية للأنظمة، وهل ننسى أن مختلف الأحزاب العلمانية التي تولت السلطة بانقلابات أو بثورات أو بحركات إنما وصلت باسم القيم الفكرية والسياسية والانسانية. جاءت تحت شعار محاربة الفساد والقمع واضطهاد الشعوب والتحرير ومقاومة الاستغلال، واحترام كرامة الانسان، والتغيير نحو نظام حي، حر، ديموقراطي... إلخ؟
لكن كل ذلك كان "حديث خرافة يا أم عمرو"، لم يبقَ شيء من كل ذلك. لا ثقافة. ولا ديموقراطية. ولا حرية. ولا تكافؤ فرص. ولا حتى علمانية إلا على الورق، فالأنظمة التي صُنّفت في خانات العلمانية (المجتمع المدني، المتعدد، فصل الدين عن السلطة، فصل السلطات)، وضعت هذه العلمانية كشعار يخفي وراءه أنظمة عائلية ومذهبية وطائفية، وقبلية. بحيث أصبحت القوى "المخلصة"، "الوفية" صُلبَ النظام، خارج قواعد الأحزاب، وداخل قواعد العائلية... والمذهبية. فلا ثقافة العلمانية تحققت، ولا ثقافة التغيير. ولا المعارضة. ولا الاقتصاد. ولا الاعلام: كشفت الأمور في العراق مثلاً، ان النظام كان يحتمي بالعشيرة والقبيلة والعائلة. أما الحزب فلمجرد التمويه. ولا شذوذ للقاعدة في أنظمة أخرى "ميمونة"، الحزب كان يافطة. مجرد يافطة. وخلفها ما تيسَّر من الطوائف والعائلات والقبائل!
إذاً ما العمل؟ ماذا يمكن أن نفعل وسط همروجة الاصلاحات التي تطاردنا في الندوات والمؤتمرات والتصريحات والاذاعات والجرائد والتلفزيونات؟ طبعاً، لن نقول إنها "موضة". فمثل هذه الموض قد تكون وخيمة النتائج. لكنها شيء يشبه الواقع. فالأنظمة "تريد" أن تجري إصلاحات. ولكنها لا تريد أن تأتي من الخارج". وهي تريد أن تحدث تغييرات ولكن ليس على أساس نموذج غربي جاهز لا يرتبط "بعاداتنا وتقاليدنا وهويتنا (أوعى الهوية!) وتاريخنا ورسالتنا". وهي تريد فعلاً أن تغير ما في النفوس وفي النصوص، لكن عندما ينتهي الصراع مع اسرائيل إنها حجج "دامغة!" وتبريرات "مقنعة!" لكن السؤال: لماذا لم تقم هذه الأنظمة بالاصلاحات اللازمة التي طرحتها في "ايديولوجياتها"، منذ أكثر من نصف قرن؟ ولماذا لم تعتبر هذه الأنظمة أن النماذج التي اعتمدتها كمنطلق لثوراتها وانقلاباتها ومنقلباتها، وهي آتية في معظمها من روافد أجنبية، انها تهدد الهوية والعادات والتقاليد والايمان؟ ولماذا لم تستمع هذه الأنظمة إلى أفكار المفكرين ونداءات المثقفين، واقتراحات الأحزاب، على امتداد نصف قرن، وهي تطالبها بالاصلاح، حتى تستجيب اليوم للنداءات والاملاءات الغربية؟ أو لم تطالب قوى المجتمع الحي في البلاد العربية، برفع حالة الطوارئ، والسماح بتأليف الأحزاب والجمعيات، وتوفير الحرية للمواطنين، واحترام حقوق المرأة، وفصل السلطات، وعدم تسييس القضاء، والافراج عن المساجين السياسيين؟ وماذا كانت النتيجة: إما زُجّ المطالبون بالسجون، أو قُتلوا، أو عُذِّبوا، أو سحلوا، أو نفوا، أو انتزعت منهم جنسياتهم، أو حقوقهم المدنية... بحيث إنه صار من الصعب أن تقابل في هذا البلد أو ذاك معارضاً يصرخ أو يهمس. أولم تقل شرائح المجتمع، عبر ممثليها وأحزابها ومفكريها وكتّابها، كل ما على أهل السلطة أن يقوموا به من إصلاحات لتحسين النظام؟ لا شيء! كل ما قيل ذهب أدراج الرياح أو القتل أو النفي.
وها هي هذه الأنظمة التي منعت التفكير في بلدانها، والحد الأدنى من الحرية، ها هي "تبلعط" وتستجير ولا من يجيرها، صارت وحدها بكل هشاشة عزلتها: إما أن تجري الاصلاحات وقد تفقد سلطتها، أو تحدّ منها، وإما أن ترفض، وعندها، تنتظرها "العصا" الامبراطورية. "حيص بيص". عشوائية. وخوف. والناس أيضاً تتخبط في هذه الحيرة. فإذا وقفت مع الاصلاح من دون ضمانات أكيدة، فقد يرتد "الاصلاح" عليها إن من أهل السلطة أنفسهم من خلال تثبيت أقدامهم بتغييرات شكلية وتنازلات ترضي الغرب. وإما أن يرتد عليها بقوى، بدا أنها أسوأ من أنظمة الأمر الواقع. والنموذج العراقي ماثل أمام كل الشعوب العربية.
وكيف يمكن أن ننتظر تحقيق إصلاحات ولو جزئية إذا كانت الأنظمة القائمة التي من المفترض أنها تتولى هذه الأمور، قد صَفَّت مختلف مؤسسات المجتمع المدني الذي يجسد هذه الاصلاحات (إذا قامت)، من أحزاب وجمعيات ومنابر وإعلام؟ وعندما نقول بعزلة الأنظمة الراهنة، إنما نعني وجودها وحيدة في "القِمة" (أو القُمة)، لأن من يمكن أن يُعينها (المجتمع المدني) إما صُفِّي، أو أُفرغ من روحه، أو شُلَّت قدراته. فمن سيقوم بالاصلاحات؟ الأنظمة؟ ومع مَنْ؟ وحدها؟ وكيف؟ وهذا يعني أن قلة الممارسة الديموقراطية والحزبية عن شرائح المجتمع ومَنْ يمثلها وما يجسّدها وما يعبّر عنها، تضعف إلى حد كبير كل ممارسة للإصلاح.
فالاصلاح لا يتوجه من السلطة إلى السلطة. ولا من أهل النظام إلى أهل النظام. هذه مسخرة! إذ لا بد من أن يمر عبر المجتمع. والمضحك أن "الاصلاحيين" في السلطة يريدون أن يحددوا هذا المسار من الذات إلى الذات. لكي يبقى كل شيء في مكانه. أي لتبقى السلطة في حيزها الضيّق. لعبة مونودراما. لكن بلا نعى ولا إيماء ولا متفرجين.
ولا نظن أن الأميركان وحتى بعض الأوروبيين يريدون إصلاحات جدية، أو جذرية، إذ أنهم أيضاً يحتاجون إلى من "يُصلحهم" ويرمم أنظمتهم، ويُحَسِّن نماذجهم الهرمة. يريدون فقط "إصلاحات" شكلية وآنية توفر مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية. (هذا ما قيل في مشروع الشرق الأوسط الكبير: جمع هذه الشعوب في سلة واحدة لتحملها يد واحدة! ولا أعرف كيف يصدق الناس (لا سيما بعض المعارضة) أن الولايات المتحدة (ومعها اسرائيل بالطبع) تريد فعلاً أن تقوم أنظمة ديموقراطية (من أجل الديموقراطية!) عندنا وفي هذه الظروف بالذات؟ وهل يصدق أحد أن الولايات المتحدة الأميركية تريد مصلحتنا فعلاً؟ ولماذا؟ أمن أجل عيون ديموقراطية تتراجع عندها، وعلمانية تضعف أمام الحركات الدينية الخرافية والتوراتية والمسيحية المهودة؟
لكن إذا كان الأميركيون يطالبوننا بإصلاح شؤوننا، (ولأهداف لا تمت بصلة إلى الاصلاح) فهل نجافي هذه الخطوات لكي لا تخضع لإرادة العم سام؟ وكأن مسألة الاصلاح مسألة خارجية يتولاها وزراء الخارجية أو الديبلوماسيون؟ نريد أن نقول ان الاصلاح مسألة وجودية. مسألة حياة. ومصير. وهي، وبصرف النظر عن آراء الغير فيها أو مصالحهم، قضية تخص الناس (أكثر مما تخص الأنظمة).
المطلوب اليوم البحث عن ناس التغيير. هل هم موجودون؟ وإذا لم يكونوا موجودين، فكيف نوجدهم؟ والبحث عن هؤلاء لا يتم لا في قصور السلطات ولا في بلاطاتها، ولا في أقبيتها ولا بين أفراد سلالاتها وأنسابها؟ وإنما في الجامعات والمصانع والشوارع وعند الفلاحين والصناعيين والمفكرين والكتّاب (الأحرار). هؤلاء يصنعون التغيير. والاصلاح، وحاجتهم هي التي تمليها، لا رغبة الأنظمة ولا رغبة الخارج، لأن التغيير من مصلحة الناس. وليس من مصلحة الحكام، من هواجسهم وتطلعاتهم وأحلامهم وآمالهم، وليس من جشع أهل السلطة والتسلط، ولا من فسادهم وارتهاناتهم وأنانياتهم... فهؤلاء يلهجون بضرورة "الاصلاح" لإبقاء الأمور في مكانها، ولبقائهم في أمكنتهم. ولهذا فالمهم كيف ننقل مسألة التغيير والاصلاح من الرفوف الفوقانية إلى الناس، من "ناس اللي فوق" إلى "ناس اللي تحت"، من النخبة النرجسية إلى النخب الجماعية. أي كيف نحوّل الاصلاح ضرورة سياسية وكذلك انسانية ووجودية، وممارسة تخطٍ للذات وتخطٍ للآخر، بعيداً عن الظروف والمناسبات والاملاءات، وبعيداً عن نماذج الآخر الكلية، لكن قريباً وقريباً جداً من هذا التفاعل الحي بكل ما هو عالمي ومضيء، وطليعي، وإبداعي. صحيح "انني أنا الآخر"، وصحيح "ان الآخر هو أنا"، لكن الصحيح أيضاً أن تنتج هذه الجدلية ذاتاً جديدة أكثر توهجاً، تجافي التقوقع والانغلاق مجافاتها الاستسلام لقواعد الفرض، ونواميس النهي، وظواهر الاستغلال والاستبداد.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00