عندما كنت صغيراً، أتذكر أنني كنت أسمع العديد من الأمهات والآباء، عندما كانوا يريدون أن يخوّفوا أطفالهم يقولون لهم: "إذا لم تفعلوا كذا وكذا فسيأتي "اليهودي" ويشككم بالدبابيس حتى يصفّي دمكم". هذا الكلام كان شائعاً لدى المسيحيين أكثر مما كان شائعاً لدى المسلمين. ذلك لأنه يربط بين الدم واليهودي، ويعني ذلك في اللاوعي الجماعي ارتباطه بإدانة اليهود يسوع المسيح وتحميلهم مسؤولية صلبه وتعذيبه وطعنه بالرمح ودق المسامير في كفيه وقدميه ووضع إكليل الشوك على جبينه. أي أن "اليهودي" هو سفاك دماء. (مصاص دماء). وهو الذي قتل المخلّص. هذه الذاكرة (وإن تحللت إهمالها مع الزمن) لا تستدعي سوى معاداة "اليهودية" (الشعب اليهودي مسؤول عن قتل المسيح)، أي لا تستدعي عندنا ما يسمى معاداة السامية. إذ أنه من غير الممكن أن يعادي العرب، من مسلمين ومسيحيين السامية، وهم ساميون (كاليهود): "أولاد العم".
مع هذا لم تؤثر كثيراً هذه "الذاكرة التاريخية الموروثة" في علاقة العرب والمسلمين باليهود. كان ثمة تعايش يحميه ان اليهود (كالنصارى) هم من أهل الكتاب. فالحماية "الدينية" جاءت من الاسلام أكثر مما جاءت من المسيحيين، (باعتبار أن كثيراً من أنبياء التوراة معترف بهم من القرآن نفسه و"أنبياء")، وفي الحالات جميعاً، لم يكن ثمة ما يسمى "معاداة السامية"؛ بل اليهودية. ولهذا نجد أنه عندما كان الغرب المسيحي (أقصد أوروبا المسيحية) تضطهد اليهود وتُصفّيهم (النازية) كان هؤلاء يعيشون بأمان في البلدان العربية مع المسيحيين والمسلمين (المغرب، العراق، الجزائر، لبنان، سوريا...). بل أكثر: فأهل المغرب العربي عرفوا تعايشاً مع اليهود كعنصر في النسيج الشعبي والتاريخي، بينما لم يكن من تعايش بينهم وبين المسيحيين الذين تماهت صورتهم بالاحتلال (الفرنسي، الانكليزي، الايطالي). بل لم يكن حتى بعض المثقفين المغاربة (المغرب العربي الكبير) يقبل فكرة (وحتى وقت قريب) أن يكون المسيحي عربياً. وهذا طبيعي: عبر ربط الاسلام بالعروبة أولاً، وعبر ربط المسيحية بالاستعمار. فكان التباس وخلط بين مسيحيي الشرق ومسيحيي الغرب.
بمعنى آخر: لم يتعامل المغاربة مع المسيحي "كمواطن" لأنه لم يكن أصلاً مواطناً، بل مع "اليهودي" لأنه كان أصلاً مواطناً مغربياً.
بقي هذا "التعايش" الاسلامي ـ العربي ـ اليهودي مستمراً على شكل أو آخر حتى كانت نكبة 1948، وقيام دولة اسرائيل على أرض فلسطين. وإذا اعتبرنا أن اسرائيل هي التعبير القومي للصهيونية (وطن قومي لليهود)، فقد تنامت مشاعر العداء لدولة اسرائيل وللصهيونية، وبقي هنا ثمة تمييز ما بين اليهود (كديانة سماوية) وبين اسرائيل والصهيونية وبالطبع السامية. فالمعاداة العربية ـ الاسلامية بقيت ثنائية موجهة ضد "الاسرائيلية" و"الصهيونية" كفكرة أو ايديولوجيا، جسدتا في دولة اغتصبت دولة أخرى.
لكن مع تمادي العدوان الاسرائيلي ـ الصهيوني، وتهديد فلسطين وطرد العرب والمذابح التي ارتكبتها اسرائيل بحق الفلسطينيين، والمشاريع التي تدوولت كـ"اسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل استناداً إلى "مسوغات" دينية (يهودية ـ توراتية)، وحرب الـ67 ونتائجها الكارثية على العرب، ومن ثم حروب 73 و82 عندما غزت اسرائيل لبنان ووصلت إلى بيروت، والمجازر التي ارتكبت، وصولاً إلى تنفيذ سياسة الاستيطان وتهويد القدس وجلب يهود الدياسبورا (ومنهم ليسوا يهوداً)، واندلاع الانتفاضة الأولى (ثورة الحجارة)، والانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، وما رافق كل هذه الأحداث من انتهاكات اسرائيلية، وبروز أطماعها التوسعية، حتى اليوم مع بناء جدار "الضم" (لا الفصل) ضم أراضٍ فلسطينية جديدة في الضفة والقطاع، كل ذلك، جعل أشكال المعاداة (وهي أشكال دفاعية عن الذات والأرض والتاريخ) تتداخل مع معاداة لاسرائيل والصهيونية إلى معاداة لليهودية لا كديانة وإنما كمصدر "تشريعي" ذرائعي يُقَنّع سياسات اسرائيلية الاستيطانية والاستعمارية. إذاً، ما عاد العربي والمسلم هنا وحتى في جهات العالم، يفرق (سياسياً) بين اليهودي والاسرائيلي والصهيوني. وقد ضاعف هذا الشعور تأييد اللوبيات اليهودية في العالم لكل ما تفعله اسرائيل. أي أن يهود العالم انخرطوا في تبرير سياسات اسرائيل (ليس فقط الصهيونية) ودعمها ومساعدتها بالمال والاعلام والدعاية والسلاح. اكتمل المشهد: فاليهودية لم تعد الديانة التي سفكت دم المسيح فقط، بل "الديانة" التي سُيست لغرض هيمنة اسرائيل الصهيونية على فلسطين وعلى العرب والمسلمين. وعلينا ألا ننسى هنا أن هذه المعاداة (الدفاعية)، ومن خلال ضعف الأنظمة العربية وهزائمها وتواطؤاتها وخضوعها للهيمنة الأميركية (حليف اسرائيل الدائم)، وخنوعها لما يسمى "الأمر الواقع الاسرائيلي"، هذه المعاداة لم تمنع اعتراف معظم هذه الأنظمة باسرائيل بحدودها حتى 1967 (ما لم تقبله اسرائيل)، وبحق الشعب الاسرائيلي في دولته القومية. هذا الالتباس الغريب في المواقع والمواقف، زاد من انفصال الشارع العربي عن سلطاته وأنظمته، وضاعف مشاعر العداء ليس لإسرائيل فقط وإنما للصهيونية واليهودية معاً. ولو رجعنا إلى "أدبيات" ظواهر الرفض العربية والاسلامية لوجدناها، وعلى اختلاف انتماءاتها الايديولوجية والسياسية والدينية، تتأرجح (وإن كلامياً) بين "احترام" اليهودية كدين، وبين مجها كمرجعية تبريرية لايديولوجية اسرائيل، ليزول كثير من الحدود بين اليهودية واسرائيل والصهيونية. وهذا طبيعي بالنسبة إلى المجموعات البشرية. التي من فرط إحساسها بالذل والهزيمة وبوحشية العدو ومجازره واستمراره في إقامة المستوطنات وقضم الأراضي الفلسطينية، وإحساسها بالعجز عن رد هذا "القدر"، واحتقارها لأنظمتها المستسلمة والفاسدة والتابعة والمتآمرة، إن تعمد إلى تبني كل مقاومة يمكن أن تسترد الكرامة والأرض والتاريخ؛ من المقاومة السلمية إلى المقاومة المسلحة إلى العمليات الاستشهادية ضد الجنود وضد المدنيين. ذلك ان العديد من المجموعات المقاوِمة باتت لا تفرّق بين يهودي "مدني" يؤيد سياسات اسرائيل أو يعيش في ظلها وبين جندي ينفّذ هذه السياسات. بين "بريء" يجلس في مقهى، أو في أوتوبيس، أو يمشي في الشارع، وبين جلاّد يرتكب المذابح. إذاً فكرة "الشعب اليهودي" نفسها اهتزت، ليس عند العرب فقط، وإنما عند بعض الاسرائيليين أنفسهم ولا ننسى تصريح بيريز اثر هزيمته أمام نتنياهو: "خسرتْ اسرائيل وربح اليهود". بل وان كثيراً من الاسرائيليين وغير الاسرائيليين نعوا الصهيونية نفسها، وباتوا يتكلمون عن مرحلة "ما بعد الصهيونية". بل أيضاً يرى كثير من "المعتدلين" الاسرائيليين أن اسرائيل نفسها (وعلى المدى البعيد) باتت مهددة، لأنها ترفض فكرة الاندماج بمحيطها (نتذكر خطة بيريز الشرق أوسطية، واليوم خطط الشرق الأوسط الكبير. وقد يكون مشروع بيريز نفسه مجمّلاً).
والمتطرفون في اسرائيل، لا يشذون عن هذه القواعد والظواهر. فهم باتوا، كيهود خلّص، مخلصين لاسرائيل يهودية صافية العرق والمنشأ والدين أكثر الرافضين، لفكرة التعايش مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين، فما بالك بفكرة "الاندماج" أو حتى اللقاء أو حتى التقاطع: فأرض فلسطين كلها لليهود، ولا مكان لعرق آخر. أو لدين آخر. (هنا نتذكر مشاريع الترانسفير المتصلة حتى بفلسطين اسرائيل) وصولاً إلى الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
إنها الفكرة اليهودية التاريخية والأصلية ما زالت متأصلة عند مَنْ يسمون متطرفين أو يمينيين، أو متدينين وفي الحصيلة الأخيرة ان وجود اسرائيل وتداعياته وبروز الأهداف التوسعية حتى الضفة والقطاع (وربما غزة)، يجعل الأمور تعود إلى النقطة الصفر: لا مكان لليهود بين العرب. ولا للعرب بين اليهود. عدنا إلى المصدر الأول لخرافة "شعب الله المختار" و"أرضه الموعودة". وعدنا إلى ثقافة بدت أحياناً وكأنها قيد التراجع، ثقافة الاعتراف بالآخر سواء كان مسيحياً أو مسلماً أو عربياً... أي ثقافة الفصل التوراتية. ثقافة "الاله" المنحاز إلى شعب ما دون الآخرين. ثقافة الاستباحة باسم الحق الالهي. أي ثقافة معاداة الآخر التي لا بد أن تستدعي ثقافة أخرى مماثلة (وأكرر ثقافة دفاعية). وهنا تسقط المقولات "الدينية"، وتكاد تنتهي مسألة تحييد عنصر من العناصر المكوّنة لدولة اسرائيل: اليهودية، الصهيونية، الاسرائيلية. مثلث مترابط، متكامل، لا فكاك بينه، إزاء حقائق تترسخ على أرض الواقع ويمكن إدراجها تحت عنوان "صراعات دينية" أو صراعات أهل السامية، أو صراعات أبناء العمومة وإن كانت هذه الصراعات مجرّد أقنعة لصراعات سياسية وعسكرية، أو سياسات وجود، وهنا بالذات نلحظ أن الحرب مع اسرائيل هي حضارية، وهي حرب وجود لا حرب حدود، وهي حرب لن تنتهي وإن دبجت مئات معاهدات السلام لإنهائها.
فإسرائيل ثمن ديني. وثمن سياسي وايديولوجي. وثمن وجودي. ومن الصعب التمييز بين هذه الأثمان. فكلها مدفوعة أو ستدفع أو سترد. على هذا الأساس من الصعب جداً بل ومن المستحيل أن تقنع الشارع العربي ـ والاسلامي، والمثقفين (غير التطبيعيين)، والعلمانيين والمؤمنين، بأن فكرة المعاداة (وقد صارت فكرة)، يمكن تفكيكها، أو عزلها بين معاداة لليهودية أو الصهيونية أو اسرائيل. هذه الظاهرة المستجدة عندنا هي محصلة أرادتها اسرائيل وفُرِضَ على الطرف الآخر، ليس عندنا فقط، بل في كل أرجاء العالم. لكن الغريب أن اسرائيل بخطابها السياسي ـ العرقي ـ الديني، لا تتهم أوروبا فقط (كما هي الحال اليوم) بمعاداة السامية (وهذا طبيعي) بل وتتهم العرب والمسلمين أيضاً. أي التهمة التي تجعل الساميين أنفسهم يعادون السامية. فيا للغرابة! لأنها ما زالت تعمل على فبركة صورتها التاريخية بأنها سليلة الشعب المضطهد. السامية المضطهدة. اليهودية ـ الضحية. اسرائيل المقموعة. فهي تريد أن تجمع كل الملامح في صورة واحدة: الشعب الذي اضطهده الغرب الأوروبي، ويضطهده الشرق الاسلامي اليوم. فبهذه الصورة يمكن أن تتسول عطف "الأبرياء" والسُذَّج في أميركا وأوروبا، خصوصاً عندما بدأت تنكشف حقيقتها كدولة غازية ومجرمة ليكون استطلاع المفوضية الأوروبية بأنها "الدولة الأكثر خطراً في العالم"، أبلغ تعبير عن عصر آخر قد ينتظرها، نتمنى أن يكون العرب العنصر الأساسي في تكوينه.
وعندما نحاول، ومن منحى واقعي، مقاربة التباس العناصر المُشَكِّلة لاسرائيل: الدينية (اليهودية) والايديولوجية (الصهيونية) والعرقية (السامية)، وعندما تدفع هذه الاتجاهات نحو صراع مع العرب والمسلمين، فعلينا أن نستذكر أن وراء مجمل هذه التشاكيل صراعاً سياسياً أُريد له أن يكون "حضارياً". فالمسألة أولاً وأخيراً سياسية تتلخص في اغتصاب أرض شعب آخر باسم الدين والعرق. والكل يعرف أن هذه الصراعات الدينية المموهة، والتي تصب في خدمة الكيان السياسي، لا بد وأن تستمر ما استمرت المناخات الغيبية والدينية التي باتت تلف العالم، قبل "العولمة" وبعدها، بعد انهيار زمن تمجيد القوميات (أوروبا القرن العشرين) والايديولوجيات، وحتى الأمميات.
لكن، ولأن التاريخ لا يمشي بخط مستقيم وأحادي، فإن هذه الذرائع التي بنت اسرائيل بها وجودها، سترتد عليها، وقد بدأت فصول هذا الارتداد في أوروبا، التي بات يكيل لها الكيان الصهيوني اتهامات من حجم "معاداة السامية"، استرجاعاً لمرحلة حنينية تمكنت اسرائيل فيها من استغلال هذا الاضطهاد، لتوظيفه في تمكين وجودها وترسيخه بالدم وبالقتل والاغتصاب والوحشية واللاانسانية والمطامع اللامحدودة.
السؤال: هل يمكن مقارنة ما حصل عندنا مع اسرائيل، بما يحصل حالياً في أوروبا، وربما غداً في أميركا: المؤشر ردود الفعل على "آلام المسيح" لغيبسون، واستذكار الماضي السحيق عبره؟
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.