الأنظار والقلوب والعقول موَجّهة، اليوم، وحتى تشرين الثاني المقبل إلى الولايات المتحدة الأميركية، لا لأنها تحتل العراق، ولا لأنها أعلنت حرباً بأسباب وذرائع ملفقة، ولا لأنها تهيئ لحرب أهلية طائفية وإثنية قد تؤدي إلى تقسيم بلاد الرافدين، وتعدم وجودها، وتطمس تاريخها (أو تواريخها)، وتنفى كل احتمال لانبعاثها.
الأنظار والقلوب والعقول موجهة، اليوم، إلى الولايات المتحدة الأميركية، لا لأنها تتواطأ مع اسرائيل، وتدعمها، وتغطي جرائمها اليومية، ومشاريعها الاحتلالية المتجددة في فلسطين، وإنما الأنظار والقلوب والعقول موجهة إليها، لمواكبة وقائع بشائر الانتخابات الرئاسية في المعسكر الديموقراطي.
قلوبنا هناك! مَنْ سيفوز في الانتخابات الديموقراطية جون كاري أم ادواردز، بعدما انسحب هوارد دين (أقرب المرشحين إلى الصورة الايجابية لأميركا) ومَنْ تالياً سيربح بالمباراة النهائية بعد التصفيات: كاري إذا أكمل فوزه أم بوش؟ وكيف، وبأي أصوات. وكيف سيكون موقف اللوبيات الصهيونية، ومَنْ ستدعم، ومَنْ ستحارب؟ وماذا عن الشركات الكبرى: مَنْ ستموّل في حملاته الانتخابية، (والحملات الانتخابية تعني المال أولاً وأخيراً).
سبق أن توجهت الأنظار والقلوب والعقول أيضاً إلى الانتخابات السابقة بين بوش وكلينتون، وكان رهان العرب على الأول لأن الثاني "مرتبط بالصهيونية"، ولأنه، من "المؤكد" كان سيتخذ لو فاز جانب العدو الاسرائيلي. وقبلها تمت المراهنة على بوش الأب. وقبلها أيضاً تمت المراهنة على رؤساء ومرشحين سابقين ومنهم ريغان وكارتر...
"أنا في انتظارك". هذه الأغنية الكلثومية التي يمكن أن نرفعها شعاراً لكل آمالنا وأحلامنا الآتية دوماً من خارج الحدود. و"أنا" في انتظارك، لم تعد تعني انتظاراً لتحقيق الديموقراطية في أميركا عبر الانتخابات، وكذلك لا تعني انتظاراً لتحقيق الديموقراطية عندنا، تيمناً بالديموقراطيات الأخرى. وإنما، لأن الذين يتلهفون على أحر من الجمر لنتائج الانتخابات الأميركية، هم أهل السلطة أولاً وأخيراً. وهؤلاء قلَّما باتت تعنيهم الديموقراطية في أميركا أو في أوروبا أو في الصين أو بلاد الواق واق أو في بلاد "أليس" العجائب، بقدر ما يعنيهم، كيف يمكن عبر رئيس أميركي جديد أو مُجَدَّد له، أن يحافظ على لاديموقراطية أنظمتهم، وعلى تسلّطهم، وعلى امتيازاتهم واستبدادهم. فإذا خشي بعضهم بوش و"بوطته" اليمينية المتطرفة وعمقه المتدين "المسيحية المهودة"، فلا يعني ذلك أنهم خائفون على قضايانا المركزية والأساسية كقضية فلسطين أو احتلال العراق أو الجولان أو مزارع شبعا في جنوبي لبنان، ولا يعني أنهم خائفون على مصالح أمتهم الاقتصادية والاستقلالية والاجتماعية، وإنما أولاً وأخيراً، لأنهم يأملون في أن يتوسلوا شرعية لهم، ودواماً لهم، من الادارة الأميركية الجديدة. أما مسائل كالاستقلال الوطني، والديموقراطية، والحرية، والانتماء إلى الناس، والتحرر من التبعية، فهي شؤون باتت، بالنسبة إليهم، تنتمي إلى عالم الشعارات والماضي والتراث الميت. إذ ماذا يريدون من ديموقراطية مفروضة أم غير مفروضة، إذا أدت إلى ترحيلهم عن سدة الحكم، أو على الأقل إذا حَدَّت من جشعهم وأمراضهم السلطوية وقمعهم ومصادرتهم لثروات بلدانهم: "فلتذهب الديموقراطية إلى الجحيم. فهي لسوانا. مصنوعة على قامة سوانا. فقاماتنا الشاهقة الشامخة أعلى وأكبر!". وماذا يريدون من نغمة التحرر من التبعية (القريبة أم البعيدة، الامبراطورية أم الجمهورية) الخارجية، إذا كان هذا التحرر من الخارج سيؤدي إلى قيام نظام وطني شعبي يقضي على تحكم سلالاتهم وقبائلهم وفيالقهم ومخابراتهم وأجهزتهم؟ "فليذهب التحرر من التبعية إلى الجحيم: فالارتهان للشيطان أفضل وأعظم وأرحم من ترك الكراسي والتخلي عن المغانم، والسبي، والغزو...". براو!
وماذا سيمنع، إذا جاء الرئيس الجديد أو المجدَّد له للامبراطورية الجديدة، ووضع شروطاً عليهم بأن تستولي شركاته وُتجَّاره على مزيد من ثروات بلادهم، وعلى كنوزهم، وتواريخهم، وحتى على هويتهم (ما دام الجميع يتكلم على الهوية اليوم، بهوية وبلا هوية، وما أدراك ما هي الهوية!)، فأهلاً وسهلاً به. ولتفرش له الورود، والسجاجيد الحمر. وتتمدد تحت قدميه الأجسام (الطاهرة)، وتنحني له الرؤوس المؤمنة الورعة المتوجة بهالات التقوى والقداسة والايمان بالآخرة والجنة والنار، ما دام هذا "الجديد" سيمنح هؤلاء مقابل ما أخذه السلطة أو التسلط للآباء والبنين على مدى الدهر آمين!
أوليس هذا عصر البراغماتية! والذكاء. والاخلاص للذات؟ إذاً فكل شيء مباح للمحتل إذا ترك أهل السلطة يستبيحون ما تركه لهم من عظام وفتات وبقايا ورواسب وتفل.
فالمسألة مسألة بقاء أو رحيل. ولا علاقة لها بالشعوب الذين تحكمها هذه السلالات والأنظمة. حساباتهم أبعد من ذلك. واهتزاز كراسيهم (الهزازة أصلاً) من شأن الولايات المتحدة الأميركية. هي تعطي وهي تمنع. هي ترضى وهي تغضب. هي تفتي وهي تنصح هي تضمن وهي تنزع الضمانة. وعليه، فإن أي مقاومة للأميركان (وقريباً لإسرائيل)، شعبية أم فردية أم علمانية أم دينية، أم سياسية أم حربية أم سلمية، تشغل راحة بال هذه الأنظمة المكدّسة على بعضها كأطنان الغبار. بل وتهدد علاقاتها "الأخوية" (ولِمَ لا ما دامت أميركا صارت جارتنا وشقيقتنا وما أجمل حب الأشقاء والشقيقات) بالدولة الكبرى. وعندها، ستفتي هذه الدولة الكبرى بأن هذا النظام أو ذاك عاجز عن ضبط الأمن. وعاجز حتى عن الدفاع عنها وحماية قواتها ووجودها. أي عاجز عن الذود (لا عن الوطن) بل عن الاحتلال. فعليك أنت، كنظام أن تفرض على الشعب، وعبر الأجهزة والجيوش (أقصد الجيوش الخاصة لأن الجيوش العمومية كأنها باتت عملة نادرة)، وحتى القبائل وبالمال إذا أمكن، أن تحافظ على الاحتلال وجنوده وعسكره، برموش العين. لأنهم، والله، أغلى من الرموش والبؤبؤ والبصر والقلب و"نغنشة" الأفئدة وارتعاش الأكباد. فلبيكم! فلبيكم! نحن لكم وأنتم لنا. بيوتنا بيوتكم. ونساؤنا نساؤكم. وأطفالنا أطفالكم. وشيوخنا شيوخكم. وخيراتنا خيراتكم. ومن يخرج على لغة القلوب هذه، وحوار المشاعر الكبيرة، ويفكر بمقاومة الاحتلال، فهو خارج على "الاجماع"، وعلى الشرعية، وعلى حقوق الانسان، وعلى الوطنية نفسها: فهو ارهابي، ولا مجال لتفسير آخر، أو للقب آخر. ولأنه يعز على أهل السلطة (أو السلطات) أن يساورهم أدنى شك، ولو لحظة، بأن أهل الاحتلال (وهم ضيوف استثنائيون) قد ينزعجون من الصحافة أو الاعلام، أو الثقافة أو برامج التعليم، أو برامج الزواج والطلاق والأحوال الشخصية والنفوس والحبل بلا دنس والمعمودية، والكلام والدنيا والآخرة والجنة والنار والكتابة، والشعر، والرواية والمسرح، وحتى النصوص الدينية المقدسة، وتفاسيرها واجتهاداتها، وطقوسها وصلواتها، وصومها، فانهم وكرمى لعيونهم، مستعدون لتعديل كل ذلك وتثويره وعصرنته وترثنته! وإذا اقتضت الضرورة وانحشروا، فليكونوا مستعدين لإلغائها كلها، فتجديد التراث، والحداثة، وما بعدها. والتربية بمدارسها، والنفوس والنصوص، ضروري. نعم! ضروري ليُلبي حاجات الاحتلال أو الامبراطورية ومصالحها، وراحتها، ودعتها، واستئناسها، وسلامتها النفسية قبل الجسدية. فالذين باعوا حرية شعوبهم وديموقراطية شعوبهم. وثرواتهم وتاريخهم، وأرواح أهلهم ونفوسهم (أتذكر رواية غوغول الرائعة "النفوس الميتة") وأجسادهم وكرامتهم ليرسخوا سلطتهم، قادرون أن يعاودوا اللعبة بكل فخر واعتزاز مع زبون آخر أو مع "الآخر" (هذه الأسطوانة المشروخة والببغائية التي تسود خطاباتنا السائدة).
وهذا الزبون المميز هو اليوم الولايات المتحدة الأميركية (كان في السابق واللعبة تتكرر فرنسا أو انكلترا أو إيطاليا أو تركيا الاستعمارية). ولأن الحق دائماً مع الزبون، فلا بد ولا حيلة ولا حول ولا قوة من أن يكون الزبون دائماً على حق: لا الوطن ولا الأرض. ولا الاستقلال. ولا الحرية الزبون، ومن قال "اننا ضد عولمة السلطة". يقول كثير من أهل النظام العربي، ومن قال اننا لا ننفتح على الآخر، ما دمنا فتحنا له أسواقنا، وشوارعنا، وقصورنا، وخزائننا؟ السلطة سلعة. أو باتت سلعة في زمن "العالم قرية كونية".
أما عن الندية والمساواة في التعامل والتعادل فهي أمور غير مجدية في ظل عدم تكافؤ القوى والفرص. فنحن، كما تقول ألسنة بعض النظام العربي، سراً وربما علناً، شعوب ضعيفة حاصرتنا المؤامرات الخارجية والظروف الخارجية والهزائم المرسومة لنا، ومن الطبيعي أن يكون التبادل أو أشكال التعاطي مع القوى الكبرى محكوماً بالواقع على الأرض. أي محكوماً بواقعية محسوبة وحساسة وبعقلانية شفافة، وبمصلحة واضحة. هكذا يردد "بتوع" السلطة وحواشيهم وحوشهم وبطانتهم. وكأن ما وصلت إليه أوضاع هذه الأمة ليسوا هم مسؤولين عنه.
ولكم سمعنا وشاهدنا وقرأنا تداعيات هذه الواقعية المشبوبة بالحس "الوطني" المرهف عند زعماء تخلّوا عن كل شيء: كرامتهم، واستقلالهم، ومبادئهم. وعنفوانهم (اللفظي)، ليشتروا بقاءهم في كراسيهم. ويشتروا رؤوسهم بالمال (مال الشعب)، وبالأرض (أرض الوطن). اننا والله، ما قدّرنا واقعية هؤلاء وحسهم بالمسؤولية الفردانية الجماعية، إلا عندما كانوا يقتلون الناس ويزجونهم في السجون وينفون المعارضة ويؤممون الأفكار والآراء والكتابة والصحافة تحت شعار "واقعية" المحافظة على الأمن القومي. من قبل كانوا واقعيين حتى القتل، واليوم هم واقعيون حتى الخيانة! فيا للواقعية الرائعة!
لنعد: الأنظار والقلوب والعقول موجهة اليوم إلى الولايات المتحدة الأميركية لمواكبة وقائع الانتخابات الرئاسية. فيا للهفة أهل الأنظمة "القدسية"، على ما ستسفر عنها ديموقراطية أميركا، وعلى من يفوز في هذه الديموقراطية المباشرة، فيا للهفة هؤلاء على ما ستبيضه المباراة الرئاسية. فيا للهفة هؤلاء الذين وَهُم ينتظرون نتائج الاقتراعات، لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا، ولا يعترفون ولا يريدون أن يعترفوا، ولا يمارسون ولا يريدون أن يمارسوا الحد الدوني والأدنى لأي ديموقراطية ولو "بائسة"، لأي حرية ولو ناقصة.
ينتظرون البت بمصيرهم من الديموقراطية، وهم يقتلون الديموقراطية كل لحظة في بلدانهم!
فيا لهذه اللهفة الحرى!
ويا لهذا الانتظار المحموم!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.