إذا كان ممنوعاً علينا، نحن العرب، أن نمارس الديموقراطية، ولو بأشكالها "البرانية" أو المباشرة، لأن من شأن ذلك أن يهدد "النظام العام" وحتى "الأمن القومي"، وأخلاقيات الفكر والمجتمع والتقاليد والأعراف، فمسموح لنا في المقابل أن نحترف، فرادى وجماعات، ديموقراطية الخوف.
الأنظمة تخاف من ممارسة الديموقراطية، لضعفها وهشاشتها، والناس تخاف أن تمارسها خوفاً من الأنظمة وقمعها وسجونها وجلاّديها. الخوف هو العنصر المشترك الذي يؤسس أفكارنا، ومشاعرنا، وشغفنا، وحتى موتنا.
فعليك إذاً، ولكي تشعر بحريتك، أن تخاف من الحرية. وعليك إن شئت أن تكتب أن تخاف من الكتابة. وعليك إذا أردت أن تفكر أن تخاف من أفكارك. وعليك إذا أردت أن تحب كما تريد أن تحب (وبمناسبة عيد العشاق) أن تخاف من أن تحب كما تريد أن تحب. وعليك إذا شئت أن ترفض أو تحتج أن تخاف من الرفض ومن الاحتجاج، وإذا صَمَتَّ عليك أن تخاف من صمتك. وحتى إذا أردت أن تلبس كما يحلو لك أن تلبس فعليك أن تخاف مما تلبس كما يحلو لك أن تلبس. وإذا أردت أن تؤمن وبقوة وبحرارة كما تُحسّ إيمانك، فعليك إذاً أن تخاف أن تؤمن بقوة وبحرارة كما تحس إيمانك. وإذا أردت ألا تؤمن كما "يؤمن" الآخرون، فعليك أن تخاف أن تؤمن كما لا يؤمن الآخرون. وإذا أردت أن تُعبِّر عن رأيك فإياك أن تخرج على الإجماع. عليك أن تخاف قبل أن تعبِّر عن رأيك من أن يكون ما تريد أن تعبِّر عنه خروجاً على الإجماع: العائلي. الطائفي السياسي المناطقي. السلطوي. الديني والاجتماعي. ذلك أننا، ومنذ عقود نعيش بتألق عال زمن الإجماع. حتى في الشعر عليك أن تكتب كما يُجمع عليه الآخرون. وفي السينما والمسرح والفن التشكيلي والتلفزيون... ذلك أن عليك أن تخاف التمرّد على الإجماع. أي عليك أن تخاف من كونك فرداً يتمتع بفرديته، وذاتاً تتمتع بذاتيتها، وجسداً واحداً يتمتع بأنه جسد واحد. فجسدك ليس واحداً وليس ملكك. وإذا شعرت بذلك، فعليك أن تلعن جسدك لأنه ملك الآخرين: ملك "التاريخ"، ملك الطائفة أو القبيلة. أو الحزب. أو الدين أو النظام. أو المهنة. لذلك، فجسدك يمكن أن يكون لجميع هؤلاء باستثناء أن يكون لك. وإذا شعرت بأن بَصَرَك لك (وليس لغيرك)، لترى فيه الأشياء كما تراها، فعليك أن تخاف من عينيك ومن لون عينيك ومن حجم البؤبؤ واتساعه أو ضيقه. فبصرك إذا "خانك" فعليك أن تنساه. أي أن ترى بعيون الآخرين. بعيون الذين يملكون أبصاراً متشابهة متوازية، محددة الرؤية سلفاً. إداً أَغْمِضْ عينيك حتى ليل أعماقك حتى النسيان، إذا اكتشفت أن في عينيك ما ليس في العيون الأخرى. واستمتع عندها بالخوف حتى أقصاه، لترى ما لا تراه، ولكي لا ترى ما تراه. "بكل موضوعية وإخلاص وواقعية". وعندها، وعندما تنحلّ فيك كل خصوصية عليك أن تشعر بالشجاعة، شجاعة أن تمارس ديموقراطية الخوف. ديموقراطية الخراف المسوقة إلى أقدارها، بلا تردد ولا شك، ولا ضغينة، ولا تململ، ولا تبرم. ولا اعتراض.
هي ثقافة الخوف، نرضعها في ولاداتنا. ونبتهل إليها في نهاياتنا.
وعلى الأنظمة الحاكمة، في المقابل، أن تخاف كثيراً لكي تكون شجاعة. وعليها أن تخاف كثيراً، حتى الوسواس، لكي تكون ديموقراطية. فعليها أولاً أن تنشر ثقافة الخوف في الأحزاب، والمدارس والمناهج، والشارع والمقهى والجريدة والكلمة والتعبير ووسائل الاعلام وفي زوايا المنازل وفي ضمائر الأطفال، وأحلام الشباب ونضج الشيوخ. عليها أن تخاف من كل شيء. فإذا كانت تملك كل وسائل الاعلام، فعليها أن تخاف من مقالة هامشية لا يقرأها أكثر من بضعة أشخاص. وإذا كانت تحتل المدن والدساكر والجامعات، فعليها (وبكل جبروتها) أن تخاف من أي تظاهرة ولو تألفت من أنفار بعدد الأصابع. وعليها إذا جرت انتخابات أن تخاف من أصوات قليلة تخرج على إجماع الـ99.99 بالمائة. وعليها أن ترصد هذه الأصوات الناشزة، المسعورة، "الخائنة"، لأنها قد تهدد سلطتها القوية ودولة المؤسسات والقانون. وعليها، وهي تحكم السجون، أن تخاف من صرخة سجين لا تصل إلى أكثر من الحارس أو السجّان. فالخوف واجب. وعليها أن تمارس ديموقراطية هذا الواجب المقدّس، الوطني، القومي، التاريخي والايماني.
كل شيء قائم على الخوف. أهل "الفوق" خائفون من أهل "التحت"، وأهل التحت خائفون من أهل الفوق. الأقوياء خائفون من الضعفاء، والضعفاء خائفون من الأقوياء. المسلحون خائفون من العُزَّل، والعُزَّل خائفون من المسلحين. كأن هذا الخوف، شريك الجميع، هو الوحيد الذي يتمرّد على الرقابة، وعلى الرفض، وعلى المعارضة... أي هو الوحيد الذي يسمح به، وهو الغذاء الاكسيري للديموقراطيات العربية وشعوبها.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.