أين هي الديموقراطية، اليوم، في العالم، وأين صارت، وكيف تحوّلت، وما هي علاقتها بالناس مصدر قوتها ومبرر وجودها؛ الخريطة الديموقراطية مشوّشة، ومعتمة في كثير من جوانبها، ترتسم هناك ثم تختفي، ثم تظهر هنالك وتبدو. كأن خريطة أخرى منفصلة عن كل الإرثِ الديموقراطي القديم (الإغريق) والحديث (الثورة الفرنسية ومشتقاتها اللاحقة)، بدأت تكتسب ملامحها، إلى الدرجة التي اختلطت فيها عند الشعوب، مفاهيمها وقواعدها وتجسّداتها، بل إلى الدرجة التي يئست بعض هذه الشعوب من جدوى الديموقراطية نفسها، بقدر ما تعرّضت للاستخدام السيّئ، والضغوط الغيبية، والانتهاكات الشتى على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
أي ديموقراطية، ما زالت واقفة على قدميها اليوم، سواء في الأنظمة العريقة (فرنسا، بريطانيا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية...)، أم الأنظمة حديثة العهد بهذه الوصفة السحرية والغريبة؟
وإذا كانت التجربة الديموقراطية لم تعزز وتعمّق وتتوسّع بعد سقوط الاتحاد السوفياتي (التوتاليتارية الأحادية ومركزية الحزب الواحد)، وفروعه، وبعد "انتصار" الأنظمة الليبرالية (المتعددة)، ومع فشل كثير من التجارب الحزبية، والاقتصادية لتلك البنى، فمتى ستعزز؟ والواقع انه بعد استفراد الغرب الليبرالي الهيمنة على العالم كأنما زالت غشاوة ما عن الأعين متمثّلة بالانحياز السابق والمشوّش إلى أحد المعسكرين ضمن ما كان يسمى حرباً باردة (والواقع أنها كانت باردة داخل كل من المعسكرين الرئيسيين وساخنة وقذرة ودموية على ساحات البلدان الأخرى: كوريا، افريقيا، فييتنام، الشرق الأوسط...)، والأوهام التي كانت تعلَّق على العالم الحر (أميركا وبعض الغرب) من حرية وديموقراطية وبحبوحة و"حضارة"، تبددت بشكل غريب، وتبددت معها تحديداً الأوهام باحتمال تبنّي نموذج ديموقراطي أميركي أم غير أميركي.
وإذا اعتبرنا أن الديموقراطية لا تكون إذا اقتصرت على مجرّد مفاهيم وتجريدات "منزّهة" (أي تكون موجودة بالقوة لا بالفعل)، أي أنها لم تتمثل ممارسة عند مَنْ يسعى إليها أو يتبنّاها أو يمارسها، سواء من جانب الأنظمة أو الناس، ارتباطاً بالمراحل والظروف و"المعطيات" المتحوّلة، فإنها تكاد تبدو اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مخلوعة عن عروشها النظرية، ومن تجلياتها التاريخية والشعبية، عزلاء، أو خاضعة كأي مفهوم آخر ليس للنقد فقط، بل للنفي، وأحياناً كثيرة للتشوّهات.
وإذا اعتبرنا، أيضاً، أن الديموقراطية ليست "جوهراً" قَبَلياً، ثابتاً، أو معطى نهائياً بمواصفاته، فهذا يعني، أن الديموقراطية تخضع للتحوّلات والتبدّلات والصيغ المختلفة، واحتمالات تجاوزها، ونكرانها، والبحث عن معادلات، وفضاءات أخرى ربما أكثر ملاءمة. أي أن الديموقراطية لم تعد ذلك السحر الخالص. والدواء الناجع. والأمل المنشود. والمستقبل الجاري إلى الجنان والفراديس كما كانت في التصوّرات والآمال، بل على العكس: باتت الديموقراطية (بمفاهيمها المعهودة: حرية التعبير، التعددية، الشعب مصدر السلطة والحكم، والانتخابات والبرلمانات...)، كأنها كوابيس، أو على الأقل كأنها "لزوم ما لا يلزم"، قد لا تستأهل لا النضال من أجلها، ولا حتى النضال ضدها: متاع قديم مُهْمَل بلا فائدة. معنى ذلك أن الحلول المتصوّرة (أو المتوهمة) يمكن أن تكون، وحتى في معاقل الديموقراطية العريقة، من خارج الديموقراطية نفسها، ومن خارج تراكماتها، وآلياتها. وأن المضامين الأساسية المعترف بها والمكرّسة لهذه الديموقراطية، ومن خلال التجارب العملية، باتت تفضي في كثير من الأحوال إلى ما هو نقيضها. ويا للمفارقة: من عمق الدكتاتوريات المتأصلة تنبثق "ديموقراطيات" حديثة وإن على هشاشة، ومن عمق الديموقراطيات المتأصلة تنبثق "دكتاتوريات" فردية أو سلطوية أو "شعبية" (نظام الأكثرية، يتحوّل أحياناً كثيرة، تسلطاً على الأقلية)، وإن أيضاً على هشاشة. بل ان العناصر المكوّنة لأسس الديموقراطيات تتنافر في ما بينها حتى الصدام: بين سلطة منتخَبة، وبين مجالس برلمانية وبين القوانين والاعلام والاقتصاد وبين الشارع... هذه المكوّنات التي يفترض أن تكون متفاعلة ككل واحد، تشكو اليوم من تفكك وتشرذم وتضاد. فالاعلام كما يبدو في جوانب منه وفي مراكز شتى، كأنه صار، وبإسم التعددية التعبيرية، إعلاماً شمولياً: من الخارج إعلام حر، متنوّع، ومن الداخل (الممارسة) كأنه ممسوك وموجّه من القوى المهيمنة (الشركات، اللوبيات السياسية والدينية والمالية). والسلطات المتنخَبة التي يُفترض أنها تُمثّل قواعدها الانتخابية المباشرة وغير المباشرة، كأنها تغرّد خارج سرب الأكثريات. هي في وادٍ، والشارع في وادٍ آخر. السلطة البرلمانية في مكان والارادة الشعبية في وادٍ، تماماً كما جرى في عدد من البلدان الغربية الديموقراطية إبان الحرب العراقية وقبلها وبعدها: التظاهرات المليونية عَمَّت شوارع إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا معلنة مواقفها المعادية للحرب، في حين أصرَّت سلطاتها (أزنار، برلسكوني، بلير ...) على الحرب، فكيف يمكن أن نتكلم عندها على تواشج ما بين مكوّنات الديموقراطية إذا أهمل العنصر الأساسي فيه: الشعب ـ العمود الفقري لكل شرعية قائمة في نظام أو دولة أو سلطة. عدا الاستفتاءات والاستطلاعات التي أشارت كلها وبطريقة كثيفة إلى تناقض بين القاعدة والقمة. هذه شروخ عميقة لا تصيب الجماعات والمؤسسات والأحزاب فقط بل الأفراد أيضاً وفي فرديتهم (الجماعية) في الصميم. والنتيجة المباشرة تكمن في التشكيك الحاد في الديموقراطية نفسها، التي "انقسمت" على نفسها. وانفضت عن ذاتها، وتوزع إرثها على بددٍ. وهذا ما تبدّى في أشكال التفاوت على صعيد الممارسات والنظريات والتجارب. كأن الديموقراطية، في انقساماتها الذاتية، جعلت التعامل معها تعاملاً بالمفرّق. أي تعاملاً مجزأً. أو انتقائياً، ليس على مستوى الأنظمة والحكام وإنما وبشكل تراجيدي على مستوى الشعوب والتنظيمات والأحزاب. على مستوى فلسفتها نفسها. على مستوى الفكرة نفسها. هذه الشكوك الطالعة من تفاوت الأطروحات والتجارب والتجاريب، حوّلت فكرة الديموقراطية إلى "مشاع" أكثر مما فتحتها على احتمالات غنية، أو نماذج مفتوحة، أو نصوص مشرّعة، أو ممارسات تستولد ممارسات أكثر جدية، وتطوّراً. وإذا كانت الديموقراطية في الأساس اختياراً عقلانياً واعياً التناقضات أو الصراعات، فكيف يفسّر قيام "ديموقراطيات" ثيوقراطية (دينية أو طائفية أو عائلية)؛ وإذا كانت الديموقراطية اختياراً حراً فكيف يمكن أن يُنَصّب على قمتها أي "مقدّس"، سواء كان حزباً أو مرشداً، أو متسلطاً أو فقيهاً؟ وإذا كانت الديموقراطية وسيلة (وهي وسيلة لا غاية) للتقدّم والتغيير فكيف تستقيم مع أنظمة تقمع شعوبها، بإيجاد شرخ بين التحوّلات المفترضة وبين التابوات الجامدة؟ بل كيف يمكن أن نصدّق ديموقراطية ما إذا كانت الارادات الفردية العليا هي التي تتحكم بالأمور وأشكال الحكم كالانتخابات والقضاء وفصل السلطات والاقتصاد؟ بل كيف يمكن أن نؤمن بديموقراطية معسكرة، كأن نبرر هذه الظواهر بتصنيفات ملتبَسة، بين دكتاتوريات تنويرية وأخرى ظلامية، بين دكتاتوريات "توفر الحريات" وأخرى استبدادية؟ بل كيف يمكن أن نعتمد نماذج ديموقراطية يفترض أنها متقدّمة وقابلة "للتصدير"، عندما تكون الدوافع الأساسية استعمارية مغلفة بالتخلّف والدين (كما هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية). وكيف يمكن أن نثق بديموقراطية مستندة إلى التلاعب والكذب والرشوة واستغلال القوانين والدساتير (وحتى التاريخ) لتبرير أشكال العدوان والهيمنة والسيطرة والانتهاك والتوسع ونهب المصادر الطبيعية وثروات الشعوب الأخرى. أولم يكن الاستعمار الغربي "ديموقراطياً" حتى العظم عندما اجتاح الأمم والشعوب المغلوبة واستعبد الكثير منها باسم الحرية، وفتح سجونه باسم الأخوة، وصادر كنوزها باسم العدالة؟ أولم تفعل ذلك فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، ومن بعدها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية؟ أولم يتخذ قرار ضرب هيروشيما بأول قنبلة ذرية بطريقة ديموقراطية غير مشوبة؟ وكأن الديموقراطيات الغربية لم تقم سوى لتبرير سياساتها التوسعية والاستعمارية والاستعبادية. بل وكأن ممارسة الديموقراطية داخل البلدان المنتمية إليها، لا تعني سوى ممارسة نقيضها على الخارج: اسرائيل تعتبر دولة ديموقراطية بالمفاهيم السائدة (حرية تعبير، وقضاء مستقل، وانتخابات...) لكن باسم هذه الديموقراطية صارت وطناً وشعباً وقامت بجرائم وانتهكت حقوق الانسان وشرّدت وقمعت وارتكبت مجازر واحتلت أراضي الغير، خالطة مفاهيم الديموقراطية الحديثة بأسانيد عنصرية ودينية! فيا للمفارقة! ويا للديموقراطية القاتلة.
السؤال الأساسي المطروح: هل باتت الديموقراطية بلا جدوى؟ هل صارت لغة قديمة؟ هل تفككت وذابت في عناصر أخرى؟ هل يجب البحث عن صيغ أخرى تنبثق من الواقع أكثر مما تنبثق من اليوتوبيا والفصام والشيزوفرنيا والحلم؟
هذه الأسئلة الحرجة (والدراماتيكية) هل ترتفع لأن الديموقراطية قد دفنها أهلها ودفنت نفسها، أم لأن الفضاءات "الواقعية" الجديدة باتت تحتاج إلى أنماط فكرية وسياسية أخرى: كالعولمة وما بعد الحداثة (!) وأشكال التفكيك والعدمية والاقتصاد، والفوارق الاجتماعية المتسعة أكثر فأكثر، وانتصار "الدكتاتوريات"، وفوات الأفكار القديمة، وأفول الايديولوجيات التنويرية والنهضوية، والتباس موقع الحداثة؟
هذه الأسئلة المعقدة والمتداخلة، قد تكون الناس أجابت عنها، وقد تكون الأنظمة أيضاً قاربتها، وكذلك المثقفون، لكنها تبقى الأسئلة المتصلة باحتمالات هذا الزمن "الغامض"، وربما الجحود، وربما الخليط "الموضوعي" لمجمل الأزمنة البائدة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.