8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قصائد مختارة للشاعر الفنلندي الكبير بنتيتي هولابا

ولد الشاعر الفنلندي بنتيتي هولابا عام 1927 في يليكيمنكلي شمال فنلندا. تقلب في عدة مهن ووظائف من ساعي بريد في مصرف، عامل، موظف مكتب، حتى حصل عام 1945 على وظيفة في هلسنكي، في المكتبة الأكاديمية كبائع كتب، بعدما تعلم اللغتين السويدية والإنكليزية، ثم محرر إعلاني، ليترك المكتبة عام 1952 ليتولى مسؤولية وكالة إعلانات، والتي أهملها بعدها بقليل لينصرف إلى الكتابة.
بدأ بالكتابة في الثالثة عشرة، قصائد، ثم بعض القصص، بعد وصوله إلى هلسنكي. تعلم شيئاً فشيئاً الفرنسية. وانكب على ترجمة الشعر (بودلير، ثم بيار ريفردي، وفرانسي بونج). يترك نهائياً مهنة الإعلانات، ويستقر في فرنسا عام 1960، حيث شغل مراسلاً لعدة صحف ومجلات أدبية وسينمائية وفنية. وقام بترجمة الروائيين المعاصرين مثل كلود سيمون، روبرت غرييه، لوكليزيو، ناتالي ساردت، وكلهم ينتمون إلى الرواية الفرنسية الجديدة آنئذ.
يعود إلى فنلندا عام 1966، وأمضى سنة في إدارة المجلة الثقافية التي أسسها (اللحظة الحاضرة) ثم عمل محرراً في الجريدة الكبرى في البلاد هلسنكي سانومات، ثم عين وزيراً للثقافة ممثلاً الحزب الاشتراكي.
يوزع وقته حالياً بين فرنسا وهولندا والبلدان الأوروبية.
أصدر بنتيتي أربع عشرة مجموعة شعرية، وخمس روايات، وكتابي قصص، وأبحاثاً، وكتابات سياسية، ومسرحيات.
ترجمت أشعاره إلى عشرات اللغات.
أعادت غاليمار طباعة مختارات من شعره (1950 1994). هنا ترجمة لعدد من هذه القصائد.




[ العراة والأحياء
في الأماكن المقفرة تجرؤ على أن تهمس في نفسك:
لا مساومة على وجودي،
لن أنفصل عن هذا الكل،
لن ألبس من جديد ثياب الشهداء.

ستيفان تمزق،
الأمهات المعظَمات غرقن في المستنقع،
في كل الأصقاع معسكرات اعتقال
ضحايا دائماً.

في كل شارع مددت يدك المفتوحة،
بحثت عن العيون التي تنسيك نظرتك،
وفي انتظار الصدى
كل شيء يبقى بلا جدوى.

تجري والأرض تنسحب من تحت قدميك
الأسواق تكسد
الظلال تتصادم
وتبقى عارياً
أمام نفسك، ذلك
لأنك لست سوى لنفسك.

في بلادك احتلها جنود أجانب
ذبحوا أهلك، ولغتك الأم...

تغرق غرفة التعذيب
وجسدك يعرف اسم الأعداء.

العميان لا يُبصرون، والصمّ لا يسمعون
الطاغية ليس سيد نزواته الخاصة.

من يُقطع يزدهر بين الجموع
والبراءة
الطيور المهاجرة تقع في الشباك المنصوبة
الريح تغرق في الطريق،
ولا أحد ينجو من الواقع.

تحتل موقعاً أمام الدور العمومية
وتجيب بصراحة عن الأسئلة الملتبسة.
لا يمكن الشوارع أن تختفي،
ولا أن تسقط المنازل من أسسها
النظرة الهادئة ترى إلى أعمق ما في المنازل
غالباً ما سيستمر الساخرون في السخرية
ودائماً أقرب منك
وينتهي بهم الأمر إلى البقاء
ثم وذات ليلة
يدٌ تحط على كتفك.
[ رجل على السطح
من فوق المدينة المداخن المغطاة بالسواد
ظلال تسرع منذ السطوح

على حافة السطح رجل يلعب لعبة المروبص
بلا حبل بلا أرجوحة وبلا فكرة
عصفور يخرج من يده
والريح من جبهته
ومن تحت ننظر إليه بدم بارد
ويعلو الصراخ خذ المصعد
من فوق صوت يجيب صلوا من أجلي
من تحت
وعندها وبهدوء يقفز الرجل في
الفراغ
ماشياً برفق نحو البحر
بعد لحظة المفاجأة
يعلو صراخ أوقفوا النصّاب
النصّاب!
[ صورة
رمادية الجدران والنوافذ.
لا شيء يحدث على المسرح:
امرأة تحت لمبة، مستوحدة
ظِلّ نحيل يتأرجح على الجدار.
لا أحد يحط قدمه على الخشبة
من اليسار إلى اليمين، لا أحد.
بروفيل القصيدة من فوق المقدمة
إخرس
شال الصمت على كتفي امرأة
في المشهد الخلفي باب بزوايا سود
مثل عين
ينفتح عندما يُسدل الستار

[ منذ الشاطئ
نجمة زارعة خيراتها تطير
ثم نَسْرٌ، رسول.
وحدها الجزائر تئن نحو الشاطئ في رحيلها،
عندما تتجمد الريح تحت الثلج
باكية مصيرها.

وموت النجمة
ونهاية النسر
والصرخة الأخيرة
هي ولادة كافية.

أضواء الغرب لا تُذَهّب مياه الشاطئ
وأنوار الشرق لا تغطي الإنسان الذي
ينظر
الأغنية
وحدها، وحتى قدر الشاطئ
أغنية هؤلاء الراحلين، ترن:
وداعاً، أيها الغرباء ذوو الوجوه المختبئة.
[ نشيد للوطن
أنت أحمر مثل دم
أنت أسود: قرن من اليأس،
نهر في مستنقعات، وَحْل على القلب.
تختفي النجوم في أعالي السماء،
وقد أتعبها ظل الصمت.
الفلاح يتقدم بخطى ثقيلة
ويتكهن بأن الزمن غداً سيدرك نهايته.
المنازل في الحقل كالفطر،
صرخة تصعد من غرف المستشفيات
الجثث تتعفّن في المقابر،
حيث تتبرعم سجادة من الرغوة الزَلِقة.
لكن الفلاح والمرضى في غرفهم،
ها هو نشيد هذه الأرض،
من العجرفة المشدودة كَسَهم
ها هو نشيد هذه الأرض
حيث يولد كل شخص من الألم،
في العذاب كما تفعل الحيوانات، ومن
دون أن تعرف،
عمياء كالشحاذين ذوي الحمى
الغبية، يولدون ليتركوا كل شيء ذات يوم.
وتأجيل قوة اليأس إلى الغد
الذي يمسكنا خنجره الثقيل:
نشيد للوطن، نشيد لهذه الأرض
التي تحفظ بقوة أحلامنا.

[ إثنان وأربعون
يسعون إلى الحياة الأبدية في المختبرات،
وسعّوا خلية تقاوم الزمن
ولا تدمّر عندما تنقسم.
شعاع الموت أُدرج في الانتاج.
يخترق بأناقة عشرة جدران من الإسمنت،
ليجد نفسه بعدها حاطاً على العمود الفقري،
من دون أن يترك أثراً سوى الموت.
إنهم لا يُسدُون الخدمة الفضلى للإنسان.
الكيميائي، الفيزيائي، والمهندس ينشطون،
والمصارف تمول والأيديولوجيات تبارك.
يتصور الشعراء آفاقاً كابوسية،
هذا هو الجزء الذي يفشلهم في تنظيم
مجتمعنا.
أدركنا نقطة غريبة في تاريخنا،
حيث يعصف العصر الجليدي بقوة على الكوكب
أكتب الأبوكاليبس وأراه يتحقق.
في صدري، وفي مكان القلب، شيء يتحرك
مع هذا مثل enene Calibri جناحيه.
أسميه صداقة، أسميه حباً.
يحدق في غصن لكي يطير.

[ يتحدث الحب
يتحدث الحب تحت مظاهر عديدة.
قطار مضيء يعبر جسد الليل بلا ضجة،
السماء تلتحف اللامرئي،
الأرض مذبوحة بالماء تسرع
بلا توقف،
النجوم ترتعش،
مدينة تلتهب في وسط النفس
صرخة مستوحدة محبوسة خلف الإنسان،
تسقط الحنجرة وهي تعصف ثم تقتلع الزنزانات
بعاصفتها، حتى الانفجار.
بعدها، تمطر كما في الفضاء الكوني،
الغبار، الصمت.
[ دار مضيفة
كان يتمنى الإنسان أن يكون في دار مُضيفة،
حيث يتكلم في المساء كل أنواع اللغات،
لكن كان الألم في نفسه يعود،
كل صباح، عندما كان يستيقظ في جسمه
لم يفهم إطلاقاً
أن عنوانه كان خطأ.
أخذ جسمه في التقلّص،
وعظامه تقصر.
أصيب بالخيبة،
وكاد يبكي، الرجل العجوز،
ولم يفكر بالبوح:
أنا في رحلة،
وغيّرت عنواني نهائياً.
أي شفقة.
من في وسعه أن يقول للرجل الحقيقة.
حتى أنه لم يعد يصغي حتى إلى كلماته.

[ تاماو والبرق
في التماثيل القديمة يرى تاماو عيونَ القدر
الفارغة
تحلّل خلايا جلده السريع،
ومع هذا،
ومن خلال ثيابه القطنية يسطع جماله،
هدوءه، سفينة صدره، وخصره، شعر
جذعه. وهناك أيضاً أن شُهباً ضائعاً في اتساع
أو سمكة زاحفة نحو كهف بحري. وحدها
تميّزه الرغبة في الحب والتدمير الذاتي، عندما تريد
الأخرى كلها أن تنجو. دعته تصرخ الكسور،
هذا البرق الذي يضيء أنفاق الأحشاء،
متاهات العقل،
زوايا نفسه في الثّنيات المخاطية. إنه
يتعذب، فالضربات تستنفده. ولا يذبل،
إنه يتحلل.
[ زئير
طيران عصافير يعبر السماء الجليدية
تتمدد الغابة في نفسها. أُصغي
إلى أنفاسك من فراسخ بعيدة. في
أفكارك صخرة، جبل، تتدحرج منه
موجة من الحِمَم، ترتعش في قبعتك المعدنية.
أحس بذلك حتى هنا. لا غصن يتحرك،
نديفة تسقط على الأرض.

[ الشعلة
يأتي الليل، ثم الثلج أيضاً،
تحت معطف الثلج جبل.
على بعد ألف متر شعلة،
تلتهب. أريدها شمساً لليل،
أريد المستحيل،
تماماً.
[ كلام الحُطام
أريد أن آتي إلى قربك.
لا أجد حقيقياً
لا الحجارة، لا العالم ولا المسافات.
ضربة جناح العصفور في سماء جليدية
تدوم طويلاً كما المدينة
ذات الجدران الإسمنتية.
كان عليّ أن أحطم نفسي قبل أن
أفقد أوهامي.
اليوم،
أنا واثق من أن خلاياك تسمعني عندما
أتكلم لغة بألف معنى من الحطام
فيّ، ولكن لا شيء سوى من أجلك في الواقع،
[ تحت رحمة البحر
أطير في الهواء والأرض لم تعد تساعدني،
أرحل إلى اليمّ وأنا تحت رحمة البحر.
قدمت لك دقائقي وتقول
إنني انتزعت حريتك في أن تكون نفسك.

وهكذا فالحب عاصفة.
لا تقاعد ولا اكتفاء بالوجود.
عندما رفع البطل الكأس إلى شفتيه،
تجرّع في الوقت نفسه السمّ والعزاء.

نظرة الغريق غير مشابهة. فحتى السماء
هنيئة له وإن بلا شفقة.
أتوه بين حطام مركبي المكسّر،
آملاً أن تغرق قريباً من هنا.

[ العادي
أود أن أبقى قربك
كبيتٍ من الشعر الحر.
أود أن تخبرني
بهدوء حياتك وعملك،
وأحياناً، ونادراً، أيام الصيد،
كنا نكتب قصائد البالاد. وتكون
الحياة كلمة طبيعية
أو الصمت.

[ كلمة في اللغة
الموجود رسالة لما قد يكون،
وكائن في اللاوجود ككلمة
في اللغة
لم نحلم بها بعد أو حلمنا
أبداً بأن نسمعها.
لا نعرف حتى ما يجب سماعه.

[ الليل
قد قلت كل شيء ما عدا الصمت،
ما عدا القمة التي أصور La Fassevelle
وضوء الفجر، وآلام صدر متأخر
مكبوت. الليل مليء، الليل مليء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00