لم يكتب إلياس كانيتي (نوبل الأدب 1981) سوى رواية واحدة. والأساسي في نتاجه كتابة السير الذاتية، خصوصاً في حصيلة ملحوظات وتسجيلات وتفكر. وكانيتي لم يفِ بوعده، كما كتب مراراً، بأنه ينوي وضع كتاب ضد الموت، ولكن في الملحوظات والخواطر التي كان يكتبها يومياً، كثير منها عالج موضوع الموت وإعلان حربه الهاجسية التي أعلنها.
أما ناشر كتبه الألماني فقد جمع هذه النصوص اليومية التي يجمعها هاجس الموت وأصدرها في كتاب رائع.
ثلثا ما تضمنه الكتاب غير منشور. هنا مقاطع مختارة.
[1943
الموت ابن الإله، وأخرس والده.
قد يكون أسهل الموت، إذا لم يبق شيء أبداً من
الذات، أي ذكرى يحفظها شخص آخر،
وأي اسم وأي إرادة أخيرة، وبلا جثة.
[1948
التقدم في السن هو التخلي عن الحركة.. أو لا تسافر
في كل مكان من العالم. ثم تستقر في مدينة.
وبعد سنوات عدة، تنزل في البيت، ثم في
الغرفة. لا يعود العجوز يستطيع النهوض، فينام.
[ 1951
أيهما أكثر تقديساً، الضحية التي لا تشك في شيء
أو الضحية الواعية، ابراهيم أم إسحق،
أو أي ميت أو المسيح، الحيوان
أو الجندي؟ إنه السؤال الكبير لكل
عقيدة، ومن يجرؤ على الحسم؟
[1952
هل يمكن لغة لا تعرف كلمة الموت أن تكون
قابلة للحياة؟
[ 1955
اروِ، اروِ، حتى يتمنى أحد لا يموت أي شخص. ألف
ليلة وليلة، مليون وليلة.
[ 1960
ماذا عساني أفعل إذا قال الطبيب: أنت لا تشكو من أي شيء. سأنادي فيزا (زوجته)، ثم سأذهب للتنزه قليلاً في المدينة، وربما، أشتري بعض الكتب. لأنه من دون شراء كتب، لا أستطيع الشعور بالانفعال، إنه كالكحول عند الآخرين، ثم وابتداء من هذه الليلة، أكب على الكتابة كمجنون، كل يوم، واضع عدداً محدداً من الصفحات، لا تكون صغيرة جداً، على الأقل ضمناً.
وماذا عساني أفعل إذا قال لي الطبيب: أنت مصاب بالسرطان، سأنادي فيزا وسأقول لها تماماً ما قلت في تلك الحالة.. ربما أجعل صوتي أكثر فرحاً لكن أكثر إقناعاً. وبدلاً من ذهابي للتنزه، أذهب إلى المقهى وأتناقش مع ذاتي. أكف عن شراء الكتب. ومساء، وقبل هبوط الليل، أجلس إلى طاولة عملي وأكب على الكتابة. أضع على الأقل عشر صفحات خارقة.. وفي غضون ذلك، أذهب لأحادث أخي. في الصيف أسافر مع فيزا. أريد أن أذهب إلى باريس وإلى زوريخ وإلى فيينا. وأعيش أخيراً كما كان يجب أن أعيش دوماً، بنشاط، محموم، وحتى ولو لم يتبق لي سوى سنة للعيش، سأخلق أكبر رواية في عصرنا، حيث تكون كل كلمة غير مسبوقة، بالإضافة إلى أمور أخرى.
واحد أكمل نتاجه في الثلاثين ويموت مئوياً. فلديه الوقت ليعرف المجد، النسيان، ثم إعادة الاكتشاف.
[1964
أنشأت مكتبة تكفيني لثلاثمئة عام، وكل
ما أحتاج إليه، هو فقط لهذه السنة.
[ 1965
صورة سيارات لا تحصى من سيارات هذه المدينة، سيرها الذي لا يتوقف والذي يؤدي إلى الاصطدامات.
السيارة التي يُرجى اختراعها أيضاً، هي التي تكون فيها المنجى من كل الأخطار.. ولا نكون معرضين مجدداً للموت.. إلاّ عند الخروج منها. سيارات آمنة. آمناً تماماً، يركبها الناس، لحظة واحدة، ليحسوا بالخلود. سيارتي في منأى عن خطر، إنها أقلامي. فما دمت أكتب فإني أحس أنني بأمان. ومن يهم، هو عدم التوقف. وذلك قد يكون أي شيء بالنسبة إليّ، إلاّ إذا كان رسالة، أي لا شيء يكون مفروضاً من الخارج. وإذا لم أكتب شيئاً على امتداد أيام، فأنا ضائع، بائس، كئيب، هش، شكاك، مؤرق بألف خطرة. كنت أريد العزلة. وها أنا أمتلكها الآن. ولكن هل ما زلت أريدها؟ ما من عزلة إلاّ ضد الأحياء. فضد الموت هي غير موجودة. وهم موجودون دائماً هنا.
[1966
الاكتشافات الأكثر أهمية، الأكثر معقولية،
الأكثر إيلاماً، الأكثر صبراً،
الأكثر صحة، لم تستطع حتى الآن خرمشة سطح
الموت.
وما دامت ستبقى عاجزة، فيمكن الشعراء أن
يخرمشوا بهدوء.
[1971
ذكرى أي كائن فقدناه يمكن منحنا الحب لكل الآخرين. ماذا فقد المسيح؟ فجوة الأناجيل. قرأت ما كتبه مختلف الفلاسفة عن الموت، وشعرت بالخجل منهم. أتراني الوحيد الذي اكتشف مجدداً السبيل المؤدي إلى الشعور الأول للبشرية البدائية؟ أترى موت أبي المبكر وفر لي استعارة هذا الصوت؟ أتراه كانت الضحية الضرورية لهذا الاكتشاف الأساسي؟
وهذا لا يترك فيه أي ظل للشك بأني كان يمكن أن أكون شخصاً مختلفاً، لو كنت بقيت في تلك الفترة في إنكلترا، لو لم يمت أبي أبكر أكيد، كنت أصبحت شاعراً باللغة الإنكليزية، لكن لا أستطيع تصور أنه لولا هذه الصدمة النفسية الأصلية، لكان لي أن أكتب، أشياء لا قيمة لها وعندها كنت سأكون طبيباً. ومن دون أدنى شك، هناك أحداث أساسية تغيرك تغييراً جذرياً.
نافذة، صغيرة، تطل على مستقبل تخلص من الموت.
[1973
ملحوظة من الفترة الزوريخية، عندما كنا نقيم في سو شير ستراس: كنت أتمنى الموت البطولة من أجل أمي؟
كتبت ذلك على قصاصة ورق دسستها في كتاب. وكان شعور كبير بالخجل عندما اكتشفت أمي هذه القصاصة من الورق. كنت أفكر بحريق أرمي نفسي فيه لأنقذها. كنت أتصور نفسي مدمراً للنار بيدي. كنت حينئذ في الثانية عشرة.
كنت صغيراً، ونحيلاً، لكنني لم أكن أقلق علاوة على ذلك من الطريقة التي سأتخذها لحملها.
كنت أرى الحريق الذي سأرمي نفسي فيه بشجاعة، كنت أرى نفسي حاملاً أمي بذراعيّ. وكان رائعاً أن أنجح في إنقاذها، وكنت لأموت وأنا أضحي بنفسي من أجلها.
لم أكن أفكر لا بالحروق ولا بالألم، الشيء الوحيد الذي كان يهمني هو أن أموت من أجلها.
[1978
ماذا حلّ بكل ما تكدس فيك، من هذه الأشياء، كل هذه الأشياء، كمية هائلة من الذكريات الحزينة، والعادات، والأسئلة غير المسبوقة، والأجوبة المجمدة، والأفكار، والانفعالات، ومن الحنان، ومن القسوة، كل ذلك، كل ذلك، ماذا سيحل بها إذا انطفأت الحياة فيك. كل هذا التكديس، من أجل لا شيء؟
[1980
الزلزال الأرضي هو شكل الموت الأكثر خصوصية: الأرض كقاتلة.
الفظيع ليس في افتراس الحيوانات بعضها، ذلك لأنها ماذا تعرف عن الموت؟ فالبشر الذين يعرفون ما الموت، يستمرون في القتل.
كم من الوقت يلزم العيش للتخلص مما يسميكم شباباً؟
[1981
هذا المعطف الذي تلفع به وجود غوته: جان بول هولدرلن، أ.ت. هدفهمان، كلايست، نوفاليس، هنيبعل. ومتسع من المكان في هذه الحياة.
[1982
عندما توفيت أمي، اقسمت بأن اكتب كتاباً عن الموت. أعدت قراءة هذا الوعد قبل البارحة، في الرسائل التي كتبت الى فيزا. قرأت في منتصف الليل (كما في الايام الخوالي)، وكتبت أيضاً في تلك الفترة يجب ان تصبح خالدة. وهذا ما صارته، ومنذ ذلك الحين، كذلك تلك التي كتبت ذلك. فهي ايضاً صارت خالدة. وما دام هناك بشر، فلن يستطيع احد ان ينتزعهما منهما ذلك.
لكن ما لم أكتب، هو ذلك الكتاب ضد الموت. بهذا انا مذنب، منذ 15 حزيران 1937، قبل 45 عاماً.
علي أن أجد وقتاً لهذا الكتاب.
[1983
اليوم تبلغ هيرا (زوجته الثانية) الخمسين عاماً.
ان أكون عشت هذا اليوم، يعزيني بكثير من الامور.
كنا جالسين ثلاثتنا (كاينش، هيرا وابنتهما جوهانا) الى الطاولة التي وضعت عليها الزهور الحمراء الكبيرة المفتوحة التي اعتدناها منذ وضعها بشكل مختلف.
كان يوماً هادئاً، ضحكة جوهانا السعيدة، بسمة هيرا المشرقة، مزحاتي الغليظة نوعاً ما.
لا أحد يعرف مما هو مصنوع المستقبل، عذابات ترتسم من كل جثة وقد مرت الآن، وربما في المرة القادمة لن ترحل، ربما ستكون النهاية، لكن في هذا النهار جاءت. كنت جالساً برفقة أحبائي المهمين وملاكي، وإذا كان علي أن أذهب ستبقى هذه الصورة في عيني.
(..)
[1986
مات في نومي بم كان يحلم؟
[1987
آن الأوان للتخلي عن الموت، كل الناس يعرفون انك تكرهه. والتكرار لا يجعل كرهك احدَّ، وانما مضجر.
[1990
في كل ميتة، هو العالم كله يموت. انه معنى المسيح على الصليب.
التفكر في ان ايمان اليهود يرتبط بإيمان الفراعنة. التفكر في انني اهملت الله لمصلحة اوزيريس؟
لكنت شاركت في الهجرة. لكن ما كنت بقيت الى جانب معتقداتي.
بين الرومان، ما كنت صرت مسيحياً، كنت ملت الى ايزيس. ليست ايزيس التي تحمل طفلها، ولكن ايزيس التي تبحث عن بقايا اوزيرس وتشرحها.
هناك فترات قاتمة وطويلة في حياتي نسيت فيها ايزيس لكن حدث ان توفي احد احبائي، فانطلقت ومثلها، الى بحثي.
لكنني لم أجد أبداً البقايا.
الطفولي منك، انك بعد سبعين عاماً، لم تتقبل موت والدك. كنت في السابعة، هذه الطفولة بالذات، هذه الطفولية، التي يمكن ان تكون ضرورية للعالم.
[1992
توصلت شيئاً فشيئاً الى القول لنفسي، انه ما من شيء اتفه او اسخف وأكثر ابتذالاً وديماغوجية الا معركتي ضد الموت.
وبات ذلك يشعرني بالخجل، لكنني انا لله من دون ان اهبط.
لماذا عدم اللامبالاة بالمكان الذي فيه قبرنا؟
اناس يأتون، فيما بعد، ليروا اين نرتاح انه لم يعد يتنفس ولكنه استمر في القراءة.
[1993
انا التسعيني عندي مشروع لأصبح بروست جديداً سيبدأ غداً.
لا يُترك شيء. نترك جملاً ركيكة الكتابة، وأكثر غموضاً في الفهم.
لكن اذا كان حقاً كل شيء باطلاً، اذا كان حقاً لم تعطِ ثمان وثمانون سنة شيئاً جيداً، اذا كانت كل ساعة، كل يوم، كل شهر، كل سنة تضيع في العدم، لماذا اذن تستمر في تسجيل ما يعذبك؟!!، هذه الجمل أليست هنا لتكون مقروؤة من شخص ما وتضيء. من عساه يلتقطها، يهضمها، يتفكرها، ويجعل منها عسلاً؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.