8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قصائد مختارة للشاعر الصيني الكبير فرنسوا شينغ

النسر غير المرئي فيك
أيتها الصخور المنبثقة من أحلامنا

فيك اللهب
فيك الطيران
فيك الليل ساطع
ما كنّا نجهل

أيتها الصخور المنبثقة من أحلامنا
النسر غير المرئي فيك
معانقاً ين
مسانداً يانغ
شاقاً فينا الطريق الواثقة
أيتها الأرض المشققة
أيتها السماء المكوكبة
فينا انطلاقك الشهواني
فجراً على كل طرقاتنا
ترفعين أجسادك المجنحة
أحياناً تحت أيدينا الخشنة
كاسراً الصقيع المتجمد
يولد، ملاك من جديد بسمة.


الصخرة تتكلم:
تبحث عن النار ها هي
التماع فجائي بصرخة الفينيقس
يتوه أوسع من مرآة مكسورة
ناعمة عندها رماد بلا أسف
وعطش شفاف بلا حدود

تبحث عن الينبوع ها هو

شميم ضباب أو رعد
متوغلاً في الجسد حتى الدوار
رعد الحليب المقطوع بالنشوة
متفجراً من العمق نحو لا وجهة أخرى
تبحث عن المكان ها هو
بين ذهب الفخّار وظل
الأوراق، يلعب الضوء
من أيدي الراحة الطيران
تحدد مكان اللحظة الأكيد

الى جوف الإهمال الأعمى
قدنا على طول عروق المعادن
الى حيث تتفجر ذات يوم
الرغبة الجامحة
بؤرة أصلية حيث كل شيء يوافي
الأجسام المحطومة
لا تلامس فيها أي تخوم
القلوب المكسورة
تقاتل بلا حدود
لن يعود الموت مخرجنا

صوان بحركة بلا مرآة
صوان بحركة بلا صدى
الظل المنفرد الواقف
على طرف المجرة.

صخور متحررة
التنين غير المرئي
ينطلق من ذروة الى ذروة
نحو بحره الأصلي.

أسراب البط البرية تنفتح
على النسمة النقية التي تعبر
وفجأة وقد هدأت
أشجار الصنوبر تصبح مسموعة كلها.

يا جذور الانداء
والغيوم
لن نتخلى عن أي شبر
مما اقتلعنا
في الفصول
في قلب الجمود الشتوي الأخير
يحتفظ الزبد بالذكرى
وينبت من جديد صفصاف
الحنين

أحياناً تنبت سروة فيك
موافقاً
تحمل ثماراً
تصبح مشعلاً مصعوقاً
تصبح مشعلاً
إذا غرست فيك
أوراقاً! أغصاناً متشابكة
أبعد من كل نسيان
تتحول نشيداً
الريح

حيث تكبر
هناك المركز
تصعد عندها الشجرة
كلها لك
كلها متحررة
اللانهائي يتجسد
نابضاً بفوضى تذكارية
عابثاً بالشغور

الأنسام البعيدة تصنع دوائر
تقترب بخطى الذئب
تشرب من جدول الجذع
تأكل من جفنة الأغصان
هنا العطش
هنا الجوع
هنا الحراك
هنا الراحة

في ذروة القمة
يشرع النهار الأرضي بقياس
مملكته الواسعة
قبلَ الليل
الطير العملاق
في آخر متاهته
متطلعاً الى العودة
يتوّج الورق الملتهب
بكل ذهب التذكر

أنت منْ يعرف
كلمنا عن الليلك
أو عن المانيوليا
نحن الذين نحفظ الأسماء
من دون إدراك درب هبة
النسغ الذي ينفخ سراً
كل عنقود كل بتلة

أنت من يعرف
علمنا أن نكون
لوناً محضاً شمسياً محضاً
نوافي من دائرة الى دائرة
كل الألوان وكل الروائح
في الخصب الضاجّ
أنت من يعيدنا
الى إسمنا

علمنا أن نكون
جذر النسيان
وأزهار الغياب

في ذروة العام
ويحبس الهواءُ أنفاسه
وحدها تتحرك الغيمة
على الورق
عندما تهرب النار
عندما يصمت العصفور
الأوراق والجذور
تتوحد

في ذروة العام
تنسى الشجرة المجنحة نفسَها
القريب بعيد
دائمة هي اللحظة
عندما تهرب النار
عندما يصمت العصفور
كل شيء يتمدد نحو حريته
أو نحو راحته
الغيمة في شرودها
العام في ذروته

أشجار الألم اللامتناهي
غيوم الفرح اللامتناهي
تتبادل أحياناً إشارة الحياة
على طرف الصيف الشاسع
الأبقار تمر عبرها
من دون أن تلتقط شيئاً من كلامها
ينبوع وحده يلتقطها
لكي يسقي الموتى


العصفور يتكلم:
في أوج الربيع
من عمق الأوراق
ينفصل غصن
ويومئ بحركة الاستقبال

ونحن نعبر
فضاء المصادفة
نحط هنا
في لحظة الأبدية
المحددة

حركة يقوم بها
الكائن في غده

من الفخّار الى الغابة
من الغابة الى الجسد
إيقاع النّسغ الموقّع
على عُرف الجدول
وحده اللامتناهي
يسود متوازناً
الانتظار

في قلب النهار
في قلب كل شيء
ننشد عندها النشيد
المستدير كعش

هنا الأرض تؤكد
حضورها الهادئ والواثق
تارة شهوانية وأخرى
هوائية، بحسب الساعة.
هنا يحذر الإنسان المُتخم
من كلمة زائدة، عارفاً
أن الآلهة غيورة

هنا خبأتِ الآلهةُ الآتية
سِرّها.
بدمائنا رسمنا
هذه الدروب الذابلة
ثم جرينا
من هضبة الى هضبة
تحت أثير دونه اللمس.

ترن فينا الهضاب الموسيقية
فينا التموجات التي لا تهدأ
كل شيء يتكلم لغته الأم
كل شيء يبوح بأسراره للقلب
يهتز الهواء والماء.. تدندن أشجار الغار
عندها يشف إله، هنا، كلّ مسموع
إله الاستقبال والتزاوج والتناغم

بين لحظة وأخرى
سيمر البرق.
ستمر الصاعقة
الحقل مليء
بالرعب، بالانتظار.
ترغلّة تنادي
الكهّان القدامى

(سروة)
عندما تصل الريح
نبذل أنفسنا كلياً.
في البعيد ألف فراشة
تتمزّق في الأفق
نبقى جامدين،
لكي، نكون، هنا، أخيراً
النسغ، الانطلاق، النشيد.
ليس للتراجيدي أن يحولنا
عن رسالتنا هنا، عن أن نقول
ما وعد به نفس الحياة،
وما وعدنا نحن به،
غصن مذبوح بالنسغ، أو محطم،
ثمرة منفوخة بالحليب، أو مبقورة،
ضحكات ودموع تربط المسلك غير المرئي.

عطش وجوع يحطاننا
على الشاطئ المهجور.
لا شيء سوى رماد مختلط
بحصى متكلسة
ما عدا قصب منحن
تحت هواء النسيان.
وحدها الزنبقة توقع الشاطئ الآخر.

(Montopoli in Val dArno)

الدم قرابة المساء يهدأ
دم الأجداد المهراق
في الماضي على الرايات
القرية العالية. زقاق
ينزل المنحنى. مقعد
حيث يسقط أناس متكررون
غرقى الملحمة.

(Montopoli in Val dArno)

بما أن حلماً، أمس
قد وُضع
فهنا، حلم صعود
بلا نهاية نحو الفضاء الآخر
فمن الآن وصاعداً سنرقب
يقظة التنين...
تعال حلم يقظة (نا)!

الفجر على حائط الصُّوَر
الذي تعكسه المرآة القديمة:
وجوه كثيرة ضائعة
في أحلام ما زالت مستيقظة...
الفجر في المرآة الإنسانية
موقظاً أحياء وموتى
يعطي نفسه وجهاً، إسماً.

الظهيرة الخرساء
الزيتونة تنضج زيتها.
الكرمة تُنضج نبيذها
النّمال تنقل مَؤونتها
على طول جدار صغيرُ معشب
الحقل على امتداد النظر
يُسكت فرحه بالوجود.

(Vinci)

الدرب الصاعدة نحوك محترقة
بالعطش والجوع، عبر أشجار الزيتون
حتى المكان الذي ولدت فيه. لكن
ما عساك رأيت بعينك النسر؟ ماذا لمست،
فهمت على امتداد حياتك؟ العديد من أحلامك
سيتحقق في مواجهة السر، تبقى
سراً. نظرة بسمة نظرة؟

أمامك، حَمَلَت الناسُ
عبقريتَها الى أقصاها. من العين
الى اليد، تابعوا أوهامهم
ضَامّة صوراً وأحلاماً ودماً، في هدف واحد
أن ينجوا في شغفهم
أن يتحملوا قليلاً وهجك.

أترانا هنا لندوم
أم لصيف واحد؟
يولد المجد الذي ولد من يد الإنسان
إنزلق بين الجدران.
ثاقباً المكان المزرقش
يطارد القارن الأسطوري
ظلّ ما بعد الظهيرة.

ليست اللانهاية سوى
الرواح والمجيء
بين ما يُقدم نفسه
وما يسعى الى ذاته
رواح ومجيء بلا نهاية
بين الشجرة والعصفور
بين النبع والغيمة.

فليرجع من العالم الآخر
ما حسبناه ضائعاً. فليرجع
كل الذين، مبتعدين، لم يقولوا شيئاً؟
فلتكن صرختُهم الصامتة خبزَنا اليومي.
فليعد كاملاً الانمزاق الضيق:
فالعضّة والأسف من أصل واحد،
الألم والعذوبة يستند كل منهما الى الآخر.

لكن العالم الآخر ليس إطلاقاً الموت.
العالم الآخر من حيث يأتي النّفَسُ
أوليس هو نبع ذلك؟
وهذا، فاقداً نبعه ألا يفقد
مستقبله؟ ألا ينتحر؟
فلنكن من جديد ما ينبثق من العدم
فلنسكن من جديد ما يأتي من العدم.

La Long dun Amour

نظرة واحدة تستعيد كل النظرات
كلمة واحدة تحرر كل الأصداء
حركة واحدة تكسر الحرارة الوحيدة
حركة واحدة تفتح من جديد كل الشرايين
ما من دم ضائع ما من جسد بلا جدوى.

لماذا إذاً هذا الوجه
لماذا هذا الوجه
هذه الفرادة
التي من دونها
لا تكون حياة
الحياة المنتشعة، المتضاعفة
واسعة بصيفٍ ضاج
كأن يُفلت سرب من الحمام
في الأفق الممزّق
لكن من بعيد الى بعيد
دائماً خارج ذاتها
لماذا هذه الكلمات المحمومة
مهموسة في الليل
التي وحدها تُنبض القلب
وتحرك الدم
لماذا على زبد الوقت
والحياة المنتشعة، المتضاعفة،
التي تمسكها نظرة واحدة
النظرة التي عَرَفَتْ بها الحياةُ من جديد نفسَها
واستعادت نفسها
وَتَقدّم نفسها
هبة كاملة

خلف العيونِ، السر
حيث يأتي الجمال بلا نهاية
حيث يجري نبع الحلم
بحفيفه بين الصخور والنبات
مغنياً كشلال
الفصولَ المتجددة
مغنياً لحظاتِ
الحياة الحقيقية الممنوحة
صبح عصفور الخُطّف المفقود
ظهيرة طير القرقف المستعاد
ساعات طويلة عبر النهار
زمة جفن واحدة وألف فراشة
جاهزة لتتغلغل في البتلات
جاهزة أن تدوم دوام النسمة
حتى الغروب الشغوف
حيث تهتف النفوس بالتزاوج
حتى المستنقع التذكاري
حيث شعاع القمر وموج الخريف
يصبحان واحداً

من الماء تولد الشعلة
من الشعلة الهواء
الهواء من أعلى حلم
التحول الى لهاث
غزالة نائمة

عندما تسكن الريح
الأيل
ينزب بعيداً
بصمت
أي ظل مضيء
ما زال ينتظر
هناك
بدون مقابلة إطلاقاً
بدون تجاهل إطلاقاً
يذكر
فجأة
بالوعد الموفى
قبل يوم
من ولادتنا

يمزج القمر ظلالنا
بظلال أغصان
اللوز
هواء يمزج أصواتنا
بصرخات
الأجراس المتواصلة
وحدها أقدامُنا ترنّ
على الينبوع المختبئ
الذي مغنياً
يُسكت سر هذه الليلة من العالم

ابقي في نظرك
أيتها الحديقة الهادئة تحت القمر
أرض بمياه مُرّة
ناجية
فصل منسي من الجروح
ثمار منبثقة من دم الجسد
المغتصب
نجوم الصيف
مقطوفة
واحدة واحدة
ضوء ينبش الظل بحفيفه
حيث يسكن
معتماً ومضيئاً
ينبوع الرغبة
غيبة ضائعة دائماً
وميض موهوب على امتداد الحياة.

طويلاً لمحاذاة هذا الماء البلا عمر
ينبوع راحة
ينبوع حياة
عطش النهار يتمرأى في وجهك
صفصافة الذكرى
غيوم النسيان

مرة أخرى ودائماً
وللمرة الأولى
تتولد في لحظتها النظرة
تموت في لحظتها الكلمة
فجأة وجه مشعّ
أكثر من غيمة، لا يُمسك...
مرة أخرى ودائماً
للمرة الأولى
هبة نار شفافة
الجسد على آلامه الصامتة
يهب من البسمة الهوائية
ساكباً رمادها في القلب

ذات يوم إذا تِهتُ فيك
أتذكرّينني باسمي
ذات يوم إن عثرتِ عليّ
هل تبوحين لي باسمك
إذا هززتك بيدي
هل تفتحين لي كفك
إذا جرحتك بيدي
هل تعطينني دمك
وإن طاردتك يوماً إثر يوم
فهل توفرين عليّ الخوف
ليلة بعد ليلة إذا استنفدتك
هل تسلمينني نارك
محروماً من الهواء، من الماء إن نسيتك
هل تستقبلينني على الأقل
أيتها الصدفة المنفجرة إن نسيت نفسي
هل تنسينني أخيراً

Qui dira Notre Nuit

علمنا أيها الليل
أن نلمس عمقك
أن نُدرِك
اللامكان
حيث الملح والجليد
يتبادلان أحلامهما
حيث الينبوع والريح
يصيران واحداً

أي ليل
هذا الليل
وأي أرض مختارة
شجرة ضاجة بالطيران
صولجاننا
قمر محاط بهالة الريح
تاجنا
منفى ليلة واحدة
عهدنا الأطول

ضوء حقيقي ذلك
الذي ينبثق من العتمة
وعتمة حقيقية
تلك التي تنبثق من الضوء

أي ليل هذا الليل لم نعشه
عطر الليلك خارج بصرنا
نظرة المتوحش خارج صوتنا
همسات الصفصاف الضائعة على المستنقع
حيث تُنتزع غيمة نحو أي سماء ممدودة
أي ليل هذا الليل وقد أصبح ذكرى متباعدة
من الآن بلا روابط نتقدم
على كل الدرب المفتوحة على الريح

السيف ذو اللمعان الليلي
يخترق جدار الحلم

المملكة كلها تتمزق

من بين الجداول المشتعلة
متحررة من الحنين
تقتلع شجرة الدم
كل همسات مسلوخة
كل انداء وضيعة
تنتظر، جامدة، يومها

Le Livre du Vide Médian

الحقيقي دائماً
هو ما يولد
بيننا
والذي من دوننا
لا يكون
مولوداً بيننا
بحبس أنفاس
التبادل المحض
أترى الحقيقي دائماً
ما يرتعش
بين الخوف والنداء
بين النظرة والصمت

بين
الغيمة
والبرق
لا شيء
سوى
خط
الأوزة البرية
سوى العبور
من الجسد المضروب بالصاعقة
الى مملكة الأصداء
أدخل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00