رحيل الكاتب المصري الكبير محفوظ عبدالرحمن آخر الكبار!
رحل الصديق الكبير، الكاتب، والتلفزيوني، والمسرحي، والسينمائي الأبرز في مصر، محفوظ عبد الرحمن، آخر لقاء تمّ معه، وزوجته الفنانة سميرة عبد العزيز في الكويت قبل أشهر في مناسبة الاحتفال بذكرى مرور عام على رحيل المسرحي الكويتي فؤاد الشطي.
كان لقاء صديقين حميمين تعود صداقتهما، الى أكثر من 35 عاماً. أحسست أثناء اللقاء في الكويت أنّه على غير ما يرام، تجالد على نفسه وجاء ليشارك في تأبين صديقنا المشترك فؤاد الشطي.
تثاقل مشيه، وتباطأت حركاته، فكانت زوجته سنده، وعكازه. لكن، مع هذا، لم يفوت أي مناسبة أثناء وجوده في الكويت: حضر الندوات الفكرية وشارك فيها... كنّا نتقاطع في المقهى ونتجالس طويلاً، ونراجع الأوضاع التي في المقهى ونتجالس طويلاً، ونراجع الأوضاع التي نعيشها، الفنية وكان رأيه نحن نعيش مرحلة انحطاط شامل، من دون أن يفوتنا أحاديث الأصدقاء.
عندما ودّعته في الكويت، شعرت وكأنه آخر لقاء بيننا. تسقطت أخباره عبر الجرائد والمجلات المصرية من خلال مقابلات طويلة: ما زال ذلك النبض المتمرد حياً في أفكاره، ونضراً في آرائه، ودقيقاً في تحليلاته. إنه من الزمن الجميل، عايش كباره، من نجيب محفوظ، فتوفيق الحكيم، فيوسف ادريس، فصلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، ومحمد خان، (صديق آخر رحل)، وسميحة أيوب، وجمال الفيقاني؟ ورافق النهضة الفنية في بعض البلاد العربية كالكويت، وكتب في أبرز صحفها، من الجمهورية الى البيان (الاماراتية)، الى الآداب اللبنانية...
رافق الكبار وكان كبيراً بينهم. انحاز الى التاريخ، لا لأنه يشق الماضي، بل ليستدر منه الماضي ما يعينه على فهم الحاضر. واستكنه المجتمع المصري، وما يدور وراء كواليسه، وما يرتد الى تاريخه. وإذا كان نجيب محفوظ رشد، بحس تاريخي، تحولات مصر في ثلاثيته الرائعة، أو كشف الواقع المصري، قبل الثورة، ونكسة حزيران وبعدهما، في روايات حوّلت أفلاماً اللص والكلاب وثرثرة فوق النيل،.. فإن محفوظ عبد الرحمن توغل في التاريخ المصري أيضاً، القريب والبعيد، من خلال ظواهره، وشخصياته فوضع مسرحيات ومسلسلات رائعة ما زالت تمثل حتى اليوم الزير سالم وسليمان الحلبي وليلة سقوط غرناطة وبوابة الحلواني... وهي مسلسلات كان لها دوي كبير أثناء تقديمها.
فالحس التاريخي عنده يجمع بين الدقّة، وبراعة رسم الشخصيات بأمزجتهم، وأدوارهم، لربطهم بواقعهم، وقضاياهم ومشكلاتهم.
ومن التاريخ السابق الى السير الذاتية: المنهج ذاته، دراسة الشخصيات من خلال المجتمع، وسير المجتمع من خلال الشخصيات. ومن ينسى رائعته التلفزيونية أم كلثوم (التي جسّدتها صابرين)، وسيرة الشاعر الكبير بيرم التونسي في مسلسل أهل الهوى...
من التلفزيون الى السينما. الهم واحد كتابة عمل لا يخضع لا لشباك التذاكر ولا لأهواء السلطة، ولا لاسترضاء أحد؛ لكن الأفلام التي كتبها تتناول بعض أهم المراحل في التاريخ العربي القديم: من القادسية، ويروي فيها فتح العرب بلاد الفرس (1981)، وناصر سنة 1956، (تأميم قناة السويس)... (هو منع الفيلم أيام حسني مبارك، ثم سمح بعرضه بعد ضغوط شعبية وثقافية وسياسية.
ويعود هنا الى السير ليكتب حياة عبد الحليم حافظ فيلم بعنوان حليم (آخر أعمال أحمد زكي، والذي خطفه الموت قبل إنجاز الفيلم)...
أما المسرح، فلم يكن أقل قيمة وقوة من التلفزيون والسينما. عرف، كيف يميّز الكتابة المسرحية عن التلفزيونية والسينمائية، خصوصاً وكأن هذه الفوارق تحسها قد تلاشت بين أهل السينما والتلفزيون والمسرح اليوم: فالتبست الكتابة التلفزيونية والسينمائية بلغتها وشخصياتها وديكوراتها... بالمسرح، ضاربة خصوصيات هذه الفنون.
وقد شهدت عدة مسرحيات له في القاهرة والكويت، والإمارات العربية، ومن أبرزها كوكب النيران والسندباد البحري والفخ، والدفاع ومحاكمة السيد م واحذروا، وبلقيس، وعريس بنت السلطان (للمسرح الكويتي) وحفلة على الخازوق أيضاً.
ونظن أن محفوظ عبد الرحمن، وبرغم كتابته في فنون تختلف عن بعضها، رؤيا، وصوغاً وبنية، وحواراً، فإنه استطاع وبقدرة فائقة، على عدم تشويش هذه اللغات وادماجها، بحيث تزول الحدود خصائصها، عرف كيف يكتب مسرحاً، بأفضل الطرق المسرحية: أي مواجهة المنصة وممثليها بالجمهور، وكيف يستطيع شد انتباه هذا الجمهور، وجذبه، من دون الهبوط لا الى المستوى الخطابي، ولا التسليعي، ولا التبسيطي.
وهذا ما فعله في التلفزيون: فكما كتب مسرحاً جدياً، ميسراً، بلغة درامية، حية، تواجه الناس بالمباشرة الحواسية والانسانية فإنه عرف كيف ينتقل الى الكتابة التلفزيونية أي الشاشة الصغيرة، المعلّبة، المسجّلة؛ صحيح أن النتيجتين يفترض أن تصبا في هدف واحد، وهو عدم التواطؤ مع نوازع الجمهور، وغرائزه، لكن، عندما يكون العمل مصوراً ومسجلاً... فمحال التصحيح، أو التدوير. مرة واحدة وأخيرة.
وكلنا يعرف مدى النجاح الذي حققته مسلسلاته؛ ولو قارنا ما قدّم محفوظ عبد الرحمن وسواه من أبناء مرحلته، وما يقدم اليوم، فسنجد الفارق ليس في المستويات فقط، بل في الرسائل السياسية والأخلاقية والفنية... فمسلسلات محفوظ لا ترتبط بجمهور مناسبي ديني أو ايديولوجي، على ما نرى اليوم في مسلسلات رمضان، بل بالقضايا السياسية والاجتماعية والانسانية.
وهذا ما فعله في السينما.
فهو لم يمتهن الكتابة (كسلعة تجارية)، بل كما قال لي مراراً أنا بقيت هاوياً، أي يحمل في داخله هوَس الكتابة، وعشقها، وإبداعها، لا تحويلها وظيفة تدر مالاً... أو اعجاباً هامشياً.
رحل الصديق الكبير محفوظ عبد الرحمن، وكأنّه اكتفى بتوديعنا أثناء وجوده في الكويت، لكن هل هو وداع يا صديقي؟ أم فراق؟ أم مواعيد؟
ذكراك، هذه، الطالعة من شخصيتك، الشفافة الرهيفة، ومن ثقافتك الواسعة، ومن مواقعك الطليعية، ومن أعمالك المحفرة في الضمائر... تعقد بيننا وبينك وداعات بطعم المواعيد... ومواعيد بطعم اللقاءات الدائمة بما خلفته وراءك لنا!
تعازي الى أرملته الأخت الفنانة سميرة عبد العزيز... والى كل فنّاني العالم العربي!
سأفتقدك يا محفوظ... وكثيراً، عندما أزور مِصر... ولا نلتقي على موعد في مقهى أو في مهرجان!
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.