كتاب د. محمد عصفور درويش، السياب، ودراسات أخرى، يمثل جهداً جدياً، في باب النقد والبحث والدراسة؛ وإذ يتضمن مقاربات لعدة شعراء يختلفون في مقاماتهم، ولغتهم وتجاربهم كالسياب، ودرويش والشابي، فهو يتضمن أيضاً محاولة الدخول بعمق الى بعض الإشكاليات الشعرية، واللغوية والترجمة، (باعتباره مترجماً محترفاً). اي مزيج من الدراسة الشعرية المعمقة، ومناقشة بعض القضايا خصوصاً الترجمة، واصطلاحها وشواهدها.
ويبدو من خلال هذا الكتاب (أو سواه)، انه يصر دائماً على رصد بعض التجارب المميزة، عند هذا الشاعر أو ذاك، ليتناول العديد من نتاجه، وتنوعه، ومفارقاته، وصولاً الى تلمس اللغة الشعرية. وهذا ما لمسنا في أبحاثه عن درويش والسياب وصولاً الى الشابي. فالتركيز على شاعر ما، في سياق أكثر من عمل له، أو ديوان، أو كتاب، يعني أنّ الباحث يتتبع تتبعاً قريباً، وصميماً، وفي الوقت ذاته، تتبعاً نقداً، أو فلنقل تحليلياً، (أو تفكيكياً)؛ ونظن أن عدم استناد الباحث على نظريات نقدية (أو ايديولوجية) جاهزة حرره من مقاربة ما بين النظرية الى النص. هذا التحرر منحه قدره خاصة في استنباطه تفسيرات، أو دلالات، أو معاني، أو أشكال، من داخل النص؛ وليس من عسف النظرية الجاهزة التي يبحث فيها المنظر عن رؤايه في النص، أكثر مما يبحث في عمق مكونات النص. ولعل ما صاغه بوعي الباحث، (وذائقة القارئ)، عن بعض أعمال درويش والسيّاب، جعله يكتشف زوايا جديدة، ودلالات خاصة، (أهميتها أنها غير أليفة أو مألوفة)، خصوصاً في مقارنة في بحثين مستقلين بين نثر درويش وشعره، مستنداً الى ما قاله أبو حيان التوحيدي (صاحب الامتاع والمؤانسة، والمقابسات...)، أي البحث في النشر عن الشعر، ولمَ لا البحث في الشعر عن النثر). هذه المقولة المتقدمة كأنها بمعنى من المعاني، تزيل، والى حد المسافة بين الفنين: النثر للفكر والفلسفة وأمور التداول، والشعر هو المنظوم. (لكن هناك شعر فلسفي وفكري أيضاً: أبو العلاء المعرّي أفضل مثال، وطرفة من أروع ما صاغ الأفكار في تأملات شعرية. ومعه زهير بن أبي سلمى، وصولاً الى المتنبي..). ولا نظن أنّ عامل الموزون والبحور هو العنصر الوحيد الذي يفصل النثر والشعر.
فهذه منظار تجاوزه الزمن، حتى في العصر العباسي. أو عند الصوفيين كمثل ابن عربي أو أبي حيان (في اشراقياته)، أو عند النغري.. فالوزن أداة وليس هدفاً، وليس هو المقياس الوحيد للشعر، ومعياره، وبرهانه.
وهذا ما أراد، وان كان على طريقته، أن يتناول الباحث: فمحمود وفي بعض نثرياته أكثر من كاتب نثر شعري، على طريقة جبران أو أمين الريحاني، بل شاعر يكتب شعراً بطريقة نثرية. وأنا شخصياً، كنت أستمتع بشعريته في بعض نثره، أكثر مما أستمتع شعرياً في بعض منظومه. وهذا الأمر لا ينطبق على السياب مثلاً، فشعره كله (على تفاوت بعضه) في منظومة. بل أكثر: أستمتع بشعر رمبو النثري أكثر مما أستمتع بقصائده النثرية: ففي النثر فجّر رمبو ثورته الشعرية. وكذلك مالرمه.
أما عن تناول مصادر شعر الشابي، فهو يحيلها على الشعر الانجليزي، وخصوصاً شكسبير، و(عن طريق العقاد!) (شاعر فاشل،)، ونظن أن ثقافة الباحث هي انكليزية أكثر مما هي فرنسية مثلاً. ولا نظن أن الشابي تصدرت ينابيعه الانجليزية مصادره. فهو ذو ثقافة فرنسية، ويمكن الى حد كبير إحالته الى جبران خليل جبران، والى الشعر الرومانطيقي الفرنسي: لامارتين أو فكتور هيغو أو دوفنسيي، من دون أن ننسى انفتاحه على الشعر العربي في وجوهه الغنائية، لا سيما في العصرين الأموي والعباسي، من دون أن ننسى الأندلسي. لكن لغته الشعرية جاءت مصفاة، مجلوة، شفافة، لا تحمل تلغيزاً، أو ثورات شكلية، أو تعقيدات: إنها مواصفات القصيدة العربية والنتاج الرومانسي.
ونظن أنه إذا كان تأثر الشابي بشكسبير، فبقصائده Sounet، التي تختلف برقتها وعذوبتها عن لغته المسرحية المتوحشة، المتعددة، الكاسرة.
إن كل هذه المقارنات التي نسوقها يأتي كثيرها منسجماً، لأن أهمية الشاعر هو في تعددية مستوياته في قراءة الآخر، وضعف الشاعر يكمن في أحادية قراءته.
وهذا ما يقول امبرتو ايكو في كتابه الرائع النص المفتوح وهنا بالذات يلغي كل مفارقة بين المنظوم والنثري، توصلاً الى تفكيك اللغة الشعرية، بمكوناتها الداخلية، وعناصرها الصورية (غير الجامدة) الدينامية، وقيمتها الايقاعة.
نقول هذا لأن محمود درويش في أعماله الأخيرة من الجدارية الى سرير الغريبة... وبعدهما، دخل منعطف القصيد المكتوبة التي تتجاوز القصائد المحكومة بمناسباتها. أي القصيدة المركبة، ذات البنية والعناصر والصور والدينامية، (لا الكاتبة)؛ وهنا بالذات يمكن ادراج شعره في مصاف الكبار في القرن العشرين، عرباً وأجانب من السياب وخليل حادي والياس أبو شبكة وصلاح عبد اصبور الى رموز في الشعر الأجنبي، كلوركا، وما تشادو، والبرني، ونيرودا. من هناك اكتسب درويش عالمية وليس فقط من عالمية قضيته الفلسطينية التي كرس رمزها الأبرز. وداعاً إذاً سجل أنا عربي وأحمد الزعتر وسرحان... ووطني ليس حقيبة، (على أهميتها التاريخية والالتزامية) الى المنحى الصعب، الى معنى الاشكالية الدلالية في العقيدة. الى طبقات الايحائية بالصورة، والايقاع، والجملة، والمفردة، التي تلاحمت في صوغها لتشكل لوحات دينامية، مفتوحة.
وهذا ما بالذات نتلمس كثيرة في دراسات د. محمد عصفور التي نشرت في كتابه.
وإذا كنّا قد تناولنا زوايا من وجهتنا، أو قراءتنا، فهذا لا يناقض ما توصل إليه بحث الكاتب. بل يأتي إضافة الى اكتشافاته القيمة؛
ونظن أن هذا هو دور النقد. لا نقد يأتي على حكام نقد آخر، أو قراءة تلقي قراءة أخرى. فتعددية النص الداخلية والشكلية والبنائية ترفض حتماً كل قراءة مدريسة، أو نظرية جاهزة، أو إيديولوجيا.
استمتعت بدراسات ومقالات محمد عصفور سواء منها الشعرية أو الاشكالية كالترجمة والتعددية... أو المعنى في الشعر وسواها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.