مجموعة سلطان العميمي القصصية الجديدة: غربان أنيقة (عن الدار العربية للعلوم ناشرون)، تروي بلسان المتكلم. الأنا ليعطيها الكاتب انطباعاً أليفاً، شخصياً، خاصاً. فصبغة الأنا الأليفة، ربما تكون غير أليفة، لسرد القصة لكي لا تقع في مظان السيرة الذاتية المتقطعة، أو الشذرة، أو في حلبة الخاطرة الخاصة، أو السخرية، حتى في حوارات الرجل والمرأة. لكن بعدما قرأت هذه المجموعة، استكنهت، ان هذه اللعبة بين الأنا والآخر، لعبة مرايا مدببة، لكن في النهاية مثلثة أو مربعة، باعتبار أن السرد القصصي عنده يكسر السرد، والأنا تشعر الأنا، والآخر كأنه النقيض القريب، والمتباعد، والمختلف عنه، من هنا ان اعتماد صيغة المتكلم (لا الغائب) أو أحياناً المخاطب، كأنما تمد جسراً غامضاً مفخخاً، وآيلاً للرجحان، أو الاهتزاز، أو حتى مهدداً بالانقطاع.
وقد شاقني هذا النوع من القص، لكي لا أقول الكتابة، أو النصية، حيث يبدو السرد التقليدي الأفقي خاسراً فيها، لمصلحة السرد الخلفي المكتظ بالمفارقات، والمحاججات، والقلق، والارتباك، والتعب، والنقد، والالتباس، والحيرة. من هنا، حاول سلطان العميمي، أن ينخرط حيناً في لعبة التماهي، وأخرى في لعبة التواري (على الرغم منأناه)، أو التورية أو ما يسمى ما وراء الكلمات. وهذا بالذات ما يمنح قصصه تنويعاً داخلياً لا شرذمة خارجية، وحركة عمودية لا تحركاً أفقياً.
صحيح انه يتكلم بصيغة الأنا (في معظم قصصه)، لكن الأنا، كأنها هنا غامضة أمام مرآته، وكأن مرآته تتنكر كلما واجهها، وكأنه يتساءل من هو هذا الذي يتمرأى أمامي؟ ومن هو هذا الذي يتحول في أحشائي وينهض حولي، فالأنا هنا انعكاس ما هو إليه، أو الأحرى، انعكاس الافتراضي، والاستباقي، وحتى الورائي. من هنا ليست الأنا عارية أمام الذات، ولا معزولة في أقبيتها، وسراديبها، بل مأهولة الى درجة تختلط فيها الكلمات، والصيغ، والوجوه، والنساء والعالم. ولهذا فإن اناه نوع من هروب من الذات، أو تحطيم لأحاديتها، أو نفي لعقمها، في ظهورها الواحدي، المتجرد، الصافي. لا صفاء في الذات. ولا نقاء فيها. فتناقضات العالم، والهويات، والتراكمات، والأمكنة، والأزمنة، والطبائع، والغيوب تبدو إما منفصلة (وهذا من آلام الكاتب)، ومتصلة (وهذا من اهتزازه). فالذات تخرج من الذات لتنظر الى ما هو معتمد في ذاكرة الآخر، وفي مخيلاته، وفي حقائقه الملتبسة، حتى الهذيان، حتى الخطر، حتى الارتطام بجدرانه، وهوائه، وواقعه، وسماته، وثباته أو تحولاته. من هنا بالذات، نجد، وبمتعة، هذه الحركة المكوكية بين عتمة الداخل، وكثافة الخارج: في الداخل المجهول، وفي الخارج الظاهر المكتسي بما يموهه، ويزينه، وينكره، ويجهله. فالداخل، هو تلك المساحة المظلمة التي تضيء الداخل من جذوره، أو لا وعيه، أو طبائعه أو معطياته. لهذا كل بقاء بين الداخل الساجي وبين الآخر كأنه لقاء بين متواريين، بين مصيرين شاقين، بالمعنى الدرامي، وحتى التراجيدي، اللذين يعبر عنهما، بهذه السخرية الحادة هنا، واللاهية هناك، والمضحكة هنالك. فكل تراجيديا لها كوميدياها.
ولكل إنسان، وجوهه الشتى، التي إن تبدت، في لعبة المجتمع، تكشف لا معقولها، ولا تواصلها، ولا وصولها. وهذا بادٍ في العديد من قصصه. لعبة الوجود الخاص لعبة النهايات. ولعبة الوجود العام لعبة التهريج. والتهريج يرميك في أحضان هذا السيرك الوجودي، حامل التنكر، والهزل، والمفارقات، والعابر، والافتراضي، لكن حامل الدمعة السرية المرسومة باللون، أو بالملبس، أو بالدور، أو بالأنف الاصطناعي، أو بالحبال المهيأة للعبة البلهوان.
إن هذه التراكمات، في ركامها، وفي تلاوينها، تشد هذه النصوص القصصية الى أمرين: الشعر، والمسرحة، والتأمل. فأحياناً تجد في التماعة من أربعة أو خمسة أسطر التماعة شعرية، بقوة كثافتها، وتكتشف شعرية ما وراء النص، في بياضه الماورائي، وكذلك في هذه الشخصيات المحددة أحياناً وغير المحددة. شخصيات من صنع المخيلة وأخرى من تهاويل الحياة، ومتطلباتها، وقسماتها، وطبائعها. لكن يضعها الكاتب كلها في دائرة مترجرجة، مهتزة، في خطوطها، وأصواتها وأوطارها، وأوتارها، وسبلها، وجدرانها. ونظن أن شعرية هذه الالتباسات في اللغة وفي تصادماتها، تمس المسرحة نفسها؛ فالحواريات مسرحية أيضاً، وعندما تدخل فضاء القصة أو الرواية أو الشعر، لتعطيها ملامح مفتوحة، شرط أن ينصهر هذا الشعر في اللعبة المسرحية أو القصصية.
وعندما رحت أقرأ الكتاب (وبمتعة)، تكشّف لي شيئاً فشيئاً، صفاء الأسلوب، على تنوعه، وعلى سرديته الخاصة، ونكهته الساخرة، وخاطرته (التي تتجاوز إطار القصة)، أو نصيته التي تنضم الى التأمل، أو اعتمالاته التي تضج بمفارقاته، أو هامشيته التي تسعى الى رؤية العالم بحس ملتزم، ونقدي، حتى الإدانة، لا سيما من خلال البحث في العلاقات بالآخر، امرأة كانت أم شخصاً، أم مجموعة، أو ظاهرة.
ولفتتني كذلك تمكن سلطان العميمي من أدواته اللغوية، واللعب على تكاوينها، ومفرداتها وجملها، مما أكسبها نبرة ساخرة أخرى، تلامس سوء الفهم اللغوي الذي يعكس بدوره سوء الفهم مع الآخر، أو الذات، أو الأشياء، أو الزمن، أو المجتمع.
كل ذلك جعل صوت العميمي خاصاً، وفردانياً، خارج الأنماط القصصية السائدة، وخارج القوالب الجاهزة.
كأن قصصه بحث دائم عن مجهول، أو عن قصص أخرى، أو عن آفاق مفترضة.
مختارات
[ ألتقط نفسي
تقوم فجأة، وعلى عجالة، تنفض ثوبها وتمضي دون التفات.
كانت تنفضني من صوتي، من لغتي، من الوزن والقافية، من الضمّة والتنوين، من الإعراب ولغة الأعراب.
من اسمي، وحروف السين واللام وما بعدهما.
من اسمها، ونقاط الحروف، والنهايات المفتوحة لقصصي القصيرة.
كانت تنفضني منها ومنّي.
وبعد أيام وَجَدت نفسها بلا لغة.
فتذكّرتني.
وكنت ألتقط نفسي في صمت.
وتنطق هي، تحاول إعادة تركيب القطع المتساقطة، لتقول بصوتها المصنوع من نقاط ضعفي.
لقد كنتَ مكتملاً، متعلقاً هنا، في طرف منّي.
فكيف وقعتَ؟ ومتى
هيّا عُد.
ولا أرُد!
وببطءٍ شديد، كنت أستعيد مشاهد مضت.
كانت تتحدث عني وعنها بصيغة لا أحبها.
تقول: أنا الفتاة المخلوقة من أفكارك وعباراتك الغامضة، من صوتك ولغتك ولهجتك التي تَرمسُ بها وتنطق فيها الجيم ياءً، ثم تصرُّ على فصاحتهما.
فأرد: أنا الفتى الذي يكره أسلوبك في التعبير لأنه مستهلك.
لتردّ متحدية: ولماذا تقلدني بالأسلوب نفسه إذاً؟!
ولا أرُد!
وكانت تكمل: أنا الفتاة التي ترمش حين تسمعك ترمس.
واقول: لا وجود لـأرمش بهذا المعنى في معاجم اللغة.
وترد: أهي معاجم أبوك؟
فأرد: قولي معاجم أبيك.
وتقول وهي ترفع حاجبيها بمكر: أبااااك.
ولا أرد!
وأذكر قولها ذات صباح: أنا الفتاة التي خلعت لك بُرقعها لتكشف عن قلبها.
وكان قلبي ينخلع مع بحّة صوتها فيسقط بين كفيها، وأسألها:
كيف تخلعين همزة القطع عن الألف في أنا دون استئذان؟
فترد: أنا همزة وصلك، فـهمّزني كي أصلك.
ثم تعيد إرسال رسالة قديمة كَتَبَتْها في لحظة شغف:
مشغولة بك، أنا الفتاة التي تطرز عباءاتها بأدق تفاصيلك، وتعلّق
تفاصيلها بشماغك الابيض.
كنت قد رددت عليها يومها: وعقالي؟
فكتبت لي: اعقلني وتوكل.
ونمت ليلتها بلا عقل، ولم أرد!
وكنت أقول لها: لا أحب كلماتك التي تنتهي بالسكون، أكثري من تلك التي تنتهي بالضم.
وكانت تعلّق: أنت لوتي.
فأعلّق: لوتي فصيحة من لات، وتعني أظهر خلال ما يبطن فلا تعلّق.
وتتركني معلقاً بصوتها وحفرة خدّها حين تبتسم، متشبثاً بها وقائلاً: لا تتوقفي عن الابتسام، كي لا أطيح.
لكني طحت رغم ابتسامتها!
رغم لهجتي والجيم التي تتحول الى ياء.
رغم الحقيقة التي لا يعرفها سوانا عن إحدى قصص هذه المجموعة.
ورغم معرفتها وحدها بمحتوى رسالة عليا الأخيرة الى يوسف.
وَبَحَثَتْ طويلاً عن طريقة للرجوع، ثم قالت: هناك ألف سبب يعيدك إلي.
وبحثت طويلاً عن سبب للوقوع، فلم أجد سبباً واحداً!
ولم أجد وجهاً واحداً يمكنني ارتداءه ليليق بعودة منتصر أو الرجوع لخاسر.
ولم أجد نهاية تليق بحادثة كهذه كي أخلق منها نصاً قصصياً متقناً، جديراً بالكتابة عنها لكِ.
[ امتلاء
حدّثها كيف أن سمعه مليء بصوتها، وعينيه مليئتان بوجهها، وأنه يحبها الى درجة الامتلاء بها.
وبعد أول يوم قضته معه، اكتشفت كم كان خاوياً!
[ لحوم مسمومة
قالت لابنها: إياك وانتقادهم أو الحديث عنهم، فإن لحومهم مسمومة.
فأطرق الابن رأسه وقال: هل أفهم من هذا أن لحومنا صالحة للأكل؟!
[ رائحة
تشم رائحة شماغه بعيداً عن أنظاره كلما عاد الى البيت.
ابنته تحدّث نفسها: أمي تحب أبي ورائحته كثيراً.
زوجته تحدّث نفسها: الحمد لله، لا توجد رائحة عطر نسائي في شماغه.
[ أشياء لم تحدث
لم يُجرّب أن يستخفّ دمه أمام إحدى المُراجِعات.
لم يختلق يوماً كذبة تبرّر تأخره عن العمل.
لم يبحث عن عيادة تعطيه إجازة مرضية.
لم يعقِد صداقة مع المدير ولم يجرب أن ينافقه.
لم يطالب بترقية أو علاوة.
لم يذُق طعم الإجازة السنوية بعد.
لم يعثر على وظيفة حتى الآن!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.