عندما انتقل معرض بيروت من الصالة الزجاجية الى الأكسبو، تأففت الناس، وخشي بعضهم من ان يؤثر هذا الانتقال في الإقبال، "لبعد المكان"، وموقعه الجغرافي. لكن ما لبثت الناس ان تعودت الأكسبو. فمن الحمراء، الشارع الحديث الذي ورث "البرج"، والذي اصابته الحرب، في دوره، وطليعيته، وحداثته، وحيّزه الجامع لبنانياً وعربياً وعالمياً، فبات القديم الذي لم "يتجدد"، والبقعة التي تحولت سوقاً تجارية، الى "الاكسبو" الواقع في منطقة قديمة ـ تجددت، فخمة، مترفة، انيقة، مطلة على الكورنيش والبحر المفتوحين شرقاً على الجبال وعلى الساحل مسافة لا بأس بها، قطعها الزوّار بوعورة في البدء وبسلاسة مع الوقت.
صار الاكسبو مكان المعرض. وامتدت بيروت من الحمراء الى جوار فندق فينيسيا، فالى الماء، فالى تلك المساحات ذات الهندسة المريحة والمضيئة والميسرة، وأراح المكان الجديد الزوّار والكتاب وأصحاب دور النشر فهو أوسع من الصالة الزجاجية، يتسع لأعداد أكبر ولأجنحة أكثر، مازجاً بين صميمية "الحمراء" وبين دفء المنطقة الجديدة. واتخذت الهندسة في توزيع الأجنحة مزيداً من الرحابة، ومزيداً من التنفس، عززتها القاعات المخصصة للندوات والكافيتيريا الواقعة في وسط القاعة.
وعندما زرت المعرض الحالي في البيال سبقني الخوف ذاته. ان يكون المكان "بارداً" أو "حيادياً" فتفقد الحميمية وكذلك الدفء اللذان "تراكما" في المكانين الأولين "الحمراء" و"منطقة فينيسيا" فالبيال مرصود للاحتفالات الرسمية واحياناً للحفلات المميزة... فهل يكون الكتاب ضيفاً أصلياً أم ضيفاً ثقيلاً؟
وهل ينجح هذا المكان الفسيح في احتضان هذه التظاهرة، أم انها ستفلت منه؟
أسئلة واكبتني وأنا أدخل قاعات المعرض. لكن وما إن احطت بالمكان، ورأيت الزوّار بالمئات ومن كل الفئات والأعمار والطبقات والمناطق بدأ الخوف يتبدد. وانخرطت بسرعة في المناخ الجديد. فالأمكنة يصنعها الانسان أولاً وأخيراً وها هي الأجنحة على مساحات متسعة، ومنسقة بهندسة وسينوغرافيا مميزة، حيث الرفوف والناس والأغلفة والألوان والاضاءة الساطعة تختلط اختلاطاً جميلاً وجذاباً، كأنما في صورة سوريالية من صميم الواقع، أو في واقعية مباشرة تحمل صالة سحرية. فالكتاب قطعة ساحرة. بل هو السحر. وعندما يلتقي الانسان والكتاب يزداد السحر. وكذلك الغموض. إذ ان هذا اللقاء يمنح الاثنين بعداً كامناً هو الحياة. فالكتاب حياة مصنوعة. والانسان حياة لا أول لها ولا آخر. وهكذا يبدو الاثنان في معانٍ وايحاءات من لا نهاية ولا محدود. وعبرت، الهوينى بين الممرات، وفاحت تلك الرائحة. رائحة الورق. والألوان. والانفاس. والثياب والسجائر. والبلاط. والخشب. والكرتون. وحتى الانارة كأنما لها رائحة. كأنما الكلام له رائحة.
ومن مزيج تلك الروائح يطل شيء من الحنين لا تعرف مصدره. تتذكر المكتبات في اللعازارية. والبرج. ثم تتذكر فوح "دار الكتب الوطنية التي تناوب على سرقتها واحراقها لصوص الحرب ومجرموها من هنا وهناك وهنالك، وبدون استثناء "وطني" "عروبي" أو "لبناني" عنفواني، فاللص لص. والمجرم مجرم. والعميل عميل. مهما تعددت "هويته" وأقنعته.
في هذه اللحظات "المنتشية" دار بصري حول هذه الجموع المحتشدة التي تتشابه في مشيتها المتلفتة الفضولية، وفي أيديها الحاملة اكياساً وتضم "المشتريات" من الكتب. فكان الزائر لا تنفصل صورته "النموذجية" عن كيس يحمله، ويفتح بين الحين والآخر، ليتفقد ما ابتاعه من عناوين.
ثم، وقد جعلتك "المناخات" والروائح خفيفاً خفيفاً، يأتي دور اللقاءات. فالمعرض مناسبة لقاء للذين لم تلتقهم منذ مدة طويلة. أو للذين تركتهم في المقهى أمس أو قبل ساعات. تسلّم تحيي. تعانق "كيف الأحوال"، و"كيف الدني عليك"، أو "من زمان لم نرك أين أرضك؟ والصحة؟ والكتابة والشغل... ولم يمنع كل ذلك ان تمر بالسياسة وبأحوال البلد والخلق والعباد والعبيد: هذا وجه لم تره منذ 20 عاماً. أف؟ ملأ الشيب شعره. وحاجبيه. وشاربيه. تسمن، ترهل. هذا آخر من أيام الجامعة، آثار السنين لم تؤثر كثيراً سوى في تجاعيد محفرة على الجبين أو في قسمات الوجه. هذه كانت صديقة قبل ثلاثة عقود يرافقها أولادها "الذين صاروا شباباً"... ثم تعرج على "الاستاندات" فتلتقي من تلتقيهم. وقد يكون على قرب منك حفل توقيع.. تلتفت لترى من الموقّع ومن "الزوار" ثم تلقي التحية. انه رياض (الريس). جالس بهدوء. وتلك الابتسامة الحية لا تفارقه والتي لا تعرف متى تتحول الى قهقهة. ها هو رياض يرصد بعين نافذة (وحنونة) ما حواليه في المعرض. "كيف المعرض هالسني" ـ ممتاز والله! وحركة البيع؟ ـ جيدة. والتواقيع؟ ـ لا بأس! ثم يدلك على صحن البونبون الموضوع أمامه "تفضل" فتأخذ حبة. وتضعها في جيبك للحشرة! تجلس. ويأتي أصدقاء. وناس لا تعرفهم. يتفقدون الكتب. يقربون عيونهم وحتى انوفهم من الرفوف. يسحبون كتاباً. يفتشونه. يقلبونه. ثم الى كتاب آخر فكتاب آخر حتى يقع اختيارهم على واحد...
من خلال هذه الجولة التي استمرت ساعة ونصف الساعة، ويستحق المعرض أكثر من جولة، تكتشف وانت تخرج من قاعة المعرض انك لم تشعر بغربة إزاءه. وتكتشف ان الإلفة حلت بسرعة عليك. وكأنك تعرف المكان منذ زمان بعيد. وانك اغتبطت بلقاء اناس كانوا اختفوا تقريباً من ذاكرتك... وان الرائحة، رائحة الكتب والورق والألوان والخشب والملابس (والبونبون) ما زالت عالقة في انفك. فكأن الكتاب بعدما تغادر أمكنته المعهودة، يصبح رائحة من حنين غامضة بقدر ما هي أليفة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.