8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البيولوجيا كإيديولوجيا

قرر الرئيس السابق إميل لحود ان "الأكثرية" المنتخبة "وهمية". وكان قرر قبله بعض الأحزاب والأصوات والسياسيين والاعلاميين ان هذه الأكثرية المنتخبة "عابرة" و"موقتة" وغير حقيقية، مطالبين باجراء انتخابات مبكرة، ليبرهن الواقع عن صدقية فرضياتهم، "وصحة" توقعاتهم.
اذا أخذنا قول الرئيس البائد اميل لحود من باب التنظير السياسي (ورئيسنا من كبار المفكرين والاستراتيجيين ويمكن ايجاد مؤلفاته الفكرية الكاملة الصادرة عن دار مخابرات الوصاية وحرسه الجمهوري) فيمكن، من حيث المبدأ موافقته. نعم هذه الأكثرية (وكل أكثرية) "وهمية" لأن، ليس هناك لا أقلية "ابدية" (من الأبد إلى الأبد) ولا أكثرية ابدية (من الأبد إلى الأبد) إلاّ في الأنظمة التوتاليتارية والديكتاتورية والفاشية، حيث إن الشعب هو دائماً "الأقلية" الدائمة والقائد هو الأكثرية الدائمة. وحيث إن القائد الأكثري هو الذي ينتخب الشعب، وليس الشعب "الأقلوي" هو الذي ينتخب القائد. إذاً، كل أكثرية، في المجتمعات الديموقراطية يفترض انها غير ثابتة. أي موقتة. وحتى عابرة باعتبار انه في مبدأ المحاسبة (في صلب النظام الديمقراطي) أي محاسبة الشعب للذين انتخبهم، هو المبدأ الأساسي في ابقاء الأكثرية أكثرية أو الأقلية أقلية.وعلى هذا الاساس، يمكن اعتبار الأكثرية التي يتمتع بها حزب العمال البريطاني اليوم قد تصبح أقلية في الانتخابات المقبلة. ويمكن اعتبار أن اليسار الفرنسي مثلاً، والذي يحتل حالياً موقع المعارضة ازاء الأكثرية اليمينية، قد يصبح الأكثرية ويتسلم السلطة. وهكذا دواليك في بلاد الله الديموقراطية الواسعة، من اسبانيا إلى ايطاليا (خسر برلوسكوني الانتخابات بعدما كان ربحها)، حيث صندوق الاقتراع، وهو الذي يقرر من يحكم ومن يكون في موقع المعارضة. (والمعارضة جزء من الحكم والسلطة). وعلى هذا الاساس، تنظم استفتاءات واستطلاعات تقوم بها مؤسسات جدية وعلمية، تظهر، بين يوم وآخر، أو بين شهر وآخر، ان الذي كان في القمة... صار في الحضيض، والعكس صحيح. وهذا يعني، ان الديموقراطية تستند في مقوماتها، إلى أن الشعب ليس مجرد قطيع (بل مجموعة أفراد) وان هذا الشعب، الذي يحاكم ويحاسب، محكوم بالتحول، والتبدل. وحكاية "من الأبد إلى الأبد" لا تعني إلا ابقاء هذا الشعب في الحظائر والاسطبلات كالمواشي.
لكن الطريف، ان الذين يرون في الأكثرية الحالية "ظاهرة" عابرة، او موقتة، أو غير حقيقية، لا ينطلقون من المبدأ الديموقراطي القائم على التنافس والصراع الفكري والاختلاف والمحاسبة، انما على العكس، يتبنون نظرة دونية للناس باعتبارها مجموعات "بهيمية" ثابتة، وجامدة ومسوقة بالغرائز (الأبدية) وفاقدة كل وعي نقدي أو سياسي أو اجتماعي. فهي، في رأيهم، مقسمة في حظائر الطوائف. وكل حظيرة مدموغة بقائدها الأبدي، ثابتة في دمغتها، وفي انتمائها، بلا تبدل أو تطور... تماماً، كما ينظر فاشيو "الحزب الواحد" إلى شعوبهم، باعتبارها كتلة واحدة، أبدية، تدين للقائد الواحد الأبدي، وللحزب "الخالد" (برئيسه طبعاً) وملهمه ومرشده وحكيمه و"الهه" هو الذي يُعيّن هويتها وانتماءها، وهو الذي يقرر عنها، وهو الذي يسوقها بعصا التسلط والقمع والقتل والنفي والنهب والفساد. هذه الكتلة "التاريخية" الواحدة، الأحادية، الموجهة في غيابها المفروض، لا يمكن أن تستمر، بحسب عقل الحزب الواحد، إلاّ بالاجماع: صدام حسين نال قبل سقوطه المدوي مئة بالمئة من مجموع الشعب العراقي والصداميون الباقون (وايامهم معدودات باذن هذا الشعب المقهور نفسه) أكثر تواضعاً : 99 بالمئة ، أو 95 بالمئة... أو "امعاناً" في الديموقراطية... 90 أو 85 بالمئة! فهذا الشعب لم ينجب سوى هذا الرئيس. ولم ينجب سواه إلا من ذريته "الديموقراطية" المقدسة، ابناً "عبقرياً" او قريباً "معجزة" او عائلة لا تتحف شعبها إلا بالعباقرة! فالاجماع هنا لا يقتصر على الفعل الحاضر، أو التاريخ الراهن، أو على الشخصية "المتفردة" (الذي خلقها الله وكسر القالب بعدها) وانما يجب أن يبقى الاجماع في المستقبل ايضاً. أي ان يعمل "بتوع" النظرية الاحادية (التوتاليتارية) ليس إلى مصادرة الواقع الراهن فقط، وانما ايضاً إلى القبض على احتمالات المستقبل ونفيها. فالمستقبل، كالحاضر، بلا احتمال. ولا افتراض، بل جزم وقدرية. بحيث ان المستقبل يجب أن يكون صورة عن الحاضر والحاضر صورة عن الماضي. والصورة هذه جاهزة ومظهرة، ومطبوعة وموزعة ومعلقة: صورة الشعب الذي لا يتغير ولا يُغيّر، ولا يتبدل ولا يبدل، ثابت "كثوابت" الحُكام، والنظام، سلطة واحدة لرئيس واحد، ولشعب واحد، ليس له أن يختار إلا ما يُختار له وليس له أن يسير إلا كما تحدد طريقه، وليس له أن يفكر إلا بما يُفكر عنه، وليس له أن يقول إلا بما يقال عنه، وليس له أن يعيش إلا بما يُحدد له، وليس له أن يكون إلا بما يرسم له.
فالسلطة هنا هي "حقيقية" لأنها "ازلية" والشعب "وهمي" لأن وجوده أو فعله الوجودي والسياسي والاجتماعي مرتبطة بالحقيقة المطلقة.
فلا نسبية هنا فوق ولا نسبية تحت. المطلق "يفرض شبيهه المطلق" فهو القائد الذي يقود. وهناك الشعب الذي يُقاد، ويمتثل "من الأبد إلى الأبد".
هذا (القائد) يؤكد "وجوده" بلاوجوده الفعلي اي القواعد الشعبية ذات الاختيار، وذاك أي الشعب، غير موجود لأنه مستلب الارادة، والوعي والموقف وحقه في النقد والمحاسبة. ولهذا من المستحيل، الكلام على مجتمع مدني، في ظل هذه الأنظمة الفاشية والتوتاليتارية. أي مجتمع يمتلك ادواته التعبيرية وحقوقه ومؤسساته الاعلامية، والنقابية والسياسية. فهذا الشعب، ولكي يبقى على امتثاله يجب أن يُجرد من كل سلاح شرعي من أسلحته الديموقراطية: فلا أحزاب ولا نقابات، ولا اعلام، ولا جرائد، ولا حرية تعبير ولا حرية حركة وتحرك... لا شيء!
فالقائد هو النقابة والحزب والاعلام والجريدة والحرية والمنبر والعقل والشعر والمسرح والسينما. هذا الشعب ولكي يكون "شعباً عظيماً" ومناضلاً وبطلاً وشجاعاً وغضنفراً وهِزَبْراً يجب أن يتخلى عن كل حقوقه، ليحافظ على موقعه الأكثري المطلق حول الرئيس الأكثري المطلق. وهنا بالذات، يبطل الكلام على أكثرية وأقلية. فالأكثرية "الساحقة" مضمونة "حتى يوم القيامة" والاقلية المعارضة غير موجودة حتى يوم القيامة والنشر والحشر.
ان هذه النظرية "القطيعية" "الحظيرية" "البهيمية" لمواقع الناس، هي ما يقصده اميل لحود وفلول أهل الوصاية، وميشال عون (زغلول الرابية وسائر الروابي الواطئة).
فابو "الميش" (جنرال الهزائم والهروب وارتجال الحروب الخاسرة) يرى انه يملك "إلى الأبد" "أكثرية" المسيحيين (أو الموارنة تحديداً) ولو صادر بذلك كل الذين تحالف معهم واعطوه اصواتهم، فهو لا ينطلق في كلامه من، ان الناس يمكن أن تغير مواقعها وانما ينطلق من أن الذين "انتخبوه" في الدورة السابقة، سيبقون تحت ولائه "إلى الأبد" . هو "الزعيم" اللازب الثابت، وعنده القطيع المدموغ اللازب أو الثابت. هو يغير مواقعه ومواقفه كما يغير أحذيته، وجماهيره "البلا ذاكرة" (بحسب رأيه) والبلا وعي نقدي، تبصم له، وتمشي وراءه حتى ولو ساقها إلى جهنم أو إلى الانتحار (ميشال عون ظاهرة انتحارية يريد أن يحول "المجتمع ايضاً إلى ظاهرة انتحارية). فهو يرى المستقبل بعين الحاضر ويرى جمهوره بعين "العسكري" (الفاشل طبعاً) الذي عليه، أن ينفذ امره اليومي... ثم لا يعترض وفاء له، وحباً "بعنتريته" وقوة "شخصيته" (المريضة)، وسعة ثقافته، واطلاعه وعمق "خبرته". وهذا يعني أن عقلية ميشال عون الأحادية هي في عمقها عقلية فاشية تنفي أولاً وأخيراً، السياسة وكلامها وتنوعها وتبدلها وتطورها. هو "يتبدل" وجمهوره "العظيم" لا يتبدل، هو "ينقض" وعوده، وجمهوره باق على عهده له، هو يخون أفكاره، وجمهوره الذي اجتمع حول افكاره، لا يخونه حتى في خيانته. ولا بأس، ولكي تبقى هذه المعادلة قائمة، من ان يلجأ إلى كل الأسلحة "الشعبوية" الرخيصة، إلى كل أنواع الإسفاف السياسي، وإلى كل الوسائل الديماغوجية وإلى كل السبل الانتهازية، وإلى كل الأمراض الشخصانية... فالمهم ان يصل إلى سدة الرئاسة، ولو على جثث "أفكاره" (هل عنده أفكار) او على جثث الناس. (أولم يصنع حربين خاسرتين: التحرير والإلغاء ليصل إلى الرئاسة!). ولو قارنّا بين "عقل" ميشال عون و"عقل" اميل لحود، فمن الصعب ان نفرق بين "العقلين" (المفترضين) فهما يفتخران بأنهما ينتميان إلى مدرسة "عسكرية" واحدة! وإلى ثقافة معسكرة واحدة وإلى امراض سلطوية واحدة! فاميل لحود، رأى أيضاً (كما رأى زميله المظفر ميشال عون) أن الأكثرية "وهمية". وطالب هذا الرئيس المنثُن بإجراء انتخابات مبكرة بقانون جديد متنكراً للقانون الذي اتى بالأكثرية، والذي فرضه مع نظام الوصاية على مجلس النواب لاسقاط أو لتحجيم الرئيس الشهيد رفيق الحريري (وكان ان اخترق الحريري قانونهم المفروض واكتسح الساحة مع وليد جنبلاط وقرنة شهوان... وأبو الميش يرى أن كل الذين انتخبوا ما عداه بالطبع لا يمثلون قواعدهم، ولا الاكثرية "العددية" اذ ان كليهما لا يعترف لا بالتغيير ولا بالتبديل، وان كليهما لا يعترف أيضاً بصناديق الاقتراع الا اذا صوتت له، ولو بالتزوير والتزييف والقمع والارهاب.
(أوليس هذا ما حصل عندما مُدد لهذه الجثة في مجلس النواب الذي كان مؤتمراً بإرادة الوصاية)، وهنا ايضاً، ينتفي مفهوم الاكثرية والاقلية بحسب الاعراف الديموقراطية. وينطبق ذلك على مقولة بعض الفرقاء الآخرين كحزب الله. فهذا الاخير، يرى ايضا، ان هذه الاكثرية وهمية (نتذكر كلام الرئيس بشار الاسد في تحديد الاكثرية والاقلية تيمنا بالتجربة الديموقراطية في سوريا!) ذلك، ان حزب الله، (وله موقع يُعترف بقوته)، يؤمن ايضا بصلابة القواعد وثباتها ودوامها من الابد إلى الابد، ومن المنطلق ذاته: الجموع التي لا تتغير مهما تغيرت القيادة، الجموع الواقفة في مواقعها لا تبرحها، مهما تنقلت القيادة في مواقعها. ويعني ذلك ان المجموعات البشرية "مملوكة"، هي ملك هذه الفئة او تلك. هي جزء من مقتنياتها، وهنا بالذات، (والامر لا يقتصر على حزب بعينه) يمكن الكلام على مفهوم سياسي خطير، فاضافة إلى النظرة القطيعية، الحظيرية للناس، هناك النظرة الغيتوية لهم، فالحظيرة هنا تتخذ شكل الغيتو الطائفي او المذهبي، اي الغيتو الذي لا يتعامل مع الآخرين الا على اساس انهم ظواهر غيتوية مغلقة، متعصبة، ومضبوطة، وممسوكة، ضمن ذهنية معسكرة، وعندما يتعامل هؤلاء مع الواقع على هذا الاساس، ويحددون الاطراف من خلال اكثرية عددية ثابتة! واقلية عددية ثابتة، فيعني انهم ينفون عن المجموعات البشرية كل صفة عقلانية، أو سياسية، أو حتى اجتماعية. وهنا بالذات، ينتفي "الكلام" السياسي وتنتفي معه الحياة السياسية، ويتعامل الكل مع الكل على اساس "التعداد" البيولوجي والجيني.
فتصبح الانتخابات انتخابات بيولوجية (لا سياسية او فكرية)، وتصبح التحالفات تحالفات عنصرية: اللقاءات جينة مذهبية خالصة مع جينة مذهبية اخرى خالصة، وعندها ينعدم التعدد. ذلك ان هذه المجتمعات "البيولوجية" (نذكر النازية والعرق الأبيض والاسود والتمييز العنصري، وتجارة الرقيق)، متشابهة، ولو قدمت نفسها على اساس تعدد حضاري (اي طائفي)، وكل الغيتوات الطائفية متشابهة، الا في بعض الطقوس "الاثرية". والتعدد الحضاري (المذهبي) احادية فاشية. ذلك ان وراء كل غيتو ذهنية قاتلة. ذهنية تعدم كل اختلاف، وكل تنوع، وكل احتجاج على سلطة ينتجها هذا الغيتو او ذاك (نتذكر هنا ان الانظمة التوتاليتارية عندنا (وعند سوانا) هي أنظمة غيتوية، الشعب المفروض عليه الرأي الواحد، والسلطة الاحادية، يشكلان غيتوين منفصلين لا يلتقيان)، فالكلام على اكثرية عددية دائماً يقصد به محاولة ادامة ثقافة الانفصال، وكذلك التبعية. ونعني ان كل غيتو (في عالمنا تحديدا) هو حالة انفصالية، وافتراق عن المجتمع المدني، وعن الحياة السياسية، وحالة غربة عن الارض (الارض ايضا بترابها ومائها وسمائها تصبح ملكية طائفية. تطوّف الأمكنة!)، وهو بهذا، نوع من انواع التبعية، والقفز فوق ازمات الوطن، والقوانين والدساتير والدولة. اذ ان على كل غيتو طائفي (او ايديولوجي) ان يستنجد بامتداداته الطائفية أو السياسية خارج حدود الوطن، ليكون ذلك اداة تبعية، وشكلا من اشكال المحمية الخارجية داخل الوطن. ولهذا ستسمع اليوم كلاما عن ان هذا الحزب او ذاك، مرتبط طائفياً بهذا البلد او ذاك. وكنا نسمع (ونعرف) وعلى امتداد الثلاثين عاما الماضية، ان هذه الميليشيا او الحركة أو المجموعة او الحزب مرتبطة بهذا النظام الخارجي او ذاك.
ففكرة "الاكثريات" الغيتوية (الطائفية ـ المذهبية) وتاليا الاقليات الغيتوية من ذات الصنف والقماشة (ولو اختلف المتقابلان او المتباريان) يكرسها هؤلاء الذين يحصنون حدود كل طائفة وكل مذهب وكل عشيرة، ككائنات طالعة من ذاتها، وتعود إلى ذاتها، عبر قائدها او زعيمها.. لتكون دائما بذرة حروب داخلية. كل غيتو تحصن بتخومه الجغرافية أو المذهبية او الطائفية، هو مشروع حروب أو فتن أو انقسامات محتملة. وهنا يلعب "الخارج" الدور الاساسي. وهنا بالذات يقوم افتراض ان هذه النزعات الغيتوية (الاكثرية) تلغي الدولة، وتعدم العلاقة بين "قطعانها" التي تؤمن لهم (او لبعضهم) ما تؤمنه الدولة. من خلال ما تتلقاه من هبات ومساعدات مادية وغير مادية. اذاً كل اكثرية غيتوية هي مشروع دولة انفصالية (أولم نر ذلك على امتداد حروب الميليشيات عندنا، والتقسيمات الجغرافية والادارية التي رسمت بالدماء والتهجير)، وتبعية في الوقت ذاته.
لهذا يأتي كلام البعض عن "الاكثريات" التاريخية الثابتة، والمحفوظة في الثلاجات المذهبية، ضربا لفكرة المجتمع المدني الذي يؤسس بأدواته صورة النظام والدولة. وضرباً للتعدد الفكري والصراع السياسي، وضرباً لمفهوم الديموغرافية الذي ان قام على الانتخابات والمحاسبة والنقد والوعي، فانه يقوم على التحول العميق والمراجعة، حتى وان قام على القيم والافكار الحزبية وغير الحزبية، فانه يقوم ايضا على نفي كل ثبات في المواقع المتنافسة.، وكل ديمومة، وكل تاريخية، وكل غيتوية، وكل انفصالية.
وهنا، وفي هذا الخضم، نتذكر ان هذه الغيتوية (الخاضعة للفكرة العددية المطلقة)، القاطعة بين الشرائح، هي فكرة استعمارية، تبناها بعض الانظمة العربية في محاولة تفتيت لبنان، وتقسيمه تقسيمات قاطعة، مذهبية، وطائفية، تحت شعار ان كل طائفة هي على حالة صراع "وجودي" و"حضاري" وسياسي ابدي في لبنان، وهذا ما يبرر "وجود" هذا النظام ـ الوصاية، "لمنع هذه الحروب ولمنع التقسيم الذي يضعه هو على الارض، هذه المقاربة التي ابقت اللبنانيين قسراً على غير لقاء (اي كانتونات منفصلة بالقتل!) ما زالت في صلب بعض الاطراف المذهبية. وكأنها محاولة استدعاء لكانتونيات أخرى، اي حروب مقبلة (كل يوم يهولون بحروب اهلية لا سيما اهل الكنتنة من نوع الوصاية، تماما كما كانت تفعل وتتمنى الصهيونية في اسرائيل).
على ان هذه الاتجاهات الانفصالية المقننة بالقمع والمال والتخويف على هذه الطائفة او تلك بالعدد الخارجي (كل الانظمة التوتاليتارية كانت تخترع عدواً خارجياً لكي تقدم استبداديتها، راجعوا كتاب اورويل (1983)، سدد لها 14 آذار ضربة قوية، بخروج العديد من الطوائف والاحزاب من قماقمها المفروضة، ومن "كانتونياتها" "القدرية" ليحطم هذه الاسوار "الصينية، العالية، ويلتقي أهل الانتفاضة على مسائل وطنية وقومية: الاستقلال (والاستقلال مسألة وطنية) وعلى التحرير، وعلى كشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعلى لجنة التحقيق، وعلى ضرب النظام الأمني المشترك، بمخابراته وبوليسه وقمعه وارهابه. فالطوائف احيانا تؤدي إلى مشروع وطني، والاحزاب العلمانية والوطنية تحاول أحياناً تكريس مشروع طائفي (اسألوا التاريخ والجوار والبعيد!)
ونظن ان هذه المعركة طويلة: بين مفهوم قطيعي للناس (اكثريات واقليات ابدية!) وبين مفهوم مدني لهم. بين مفهوم استبدادي يمثله نظام استبدادي ونوازع كانتونية طائفية استبدادية، وبين مجتمع مفتوح، ديموقراطي، يصنع حريته كل يوم ومصيره كل يوم، ودولته كل يوم.. المعركة طويلة وشاقة ووعرة، لا لأنها صراع بين اطراف محلية فحسب، بل لان امتداداتها الخارجية هي التي تصنع وعورتها وصعوبتها.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00