8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحوار من أجل "لبنان أولاً" لا أخيراً

غداة الذكرى الأولى لانطلاق ثورة الاستقلال، يعود المتحاورون الى طاولة الحوار المستديرة في ساحة النجمة، المجاورة لساحة الشهداء، والمتصلة بساحة رياض الصلح. كأنما، وربما من باب الرجاء، أن نتخيّل انفتاح الساحتين الأولى الموسومة في 14 آذار، والثانية في 8 آذار، على بعضهما، في لقاء، بين القيادات، لا يمكن فصمه عن معاني التحرير (في الجنوب والبقاع)، والاستقلال في 14 آذار. بمعنى آخر، كأنه لقاء منبثق عن عن جدلية التاريخين، وعن معناهما العميق المتمثل بضرورة استكمال معركة التخلص من كل وصاية، سواء فرضت من العدو (الصهيوني) أو من الشقيق (سوريا)، أو من أي جهة أخرى.
فالمجتمعون يجسدون بشكل آخر، صور التخلص من الارادات الآتية من خارج الحدود، وتالياً، يجددون الثقة بأن هذا الشعب العظيم، لا بد من أن يستجيب "قدره" ساعة يناديه، برغم التعرّجات والمعوّقات والظروف التي كانت وما زالت تواجهه. فلنقل، انه لقاء "الممانعات" المتعددة، لكن ذات السمات الواحدة، والملامح المتشابهة، والقسمات المتكاملة، في معركة استعادة السيادة، والحرية، والديموقراطية. هذه هي العناوين الرئيسية لهذا الالتئام "التاريخي". والذي ما كان ليتم لولا انتصار المقاومة في الجنوب، وانتصار انتفاضة الاستقلال. فالينبوعان موصولان بروافدهما، ومصباتهما. وكل عملية فصل بينهما، هي اجتزاء لمعاني التحرير والاستقلال، أو حتى هي محاولة لنفيها.
فالوحدة الوطنية، التي يُحكى عنها، لا تقوم إلا على هذا الأساس. أن يتمسك كل فريق بروح المقاومة التي تجسدت على الأرض، وبروح شهدائها. مقاومة العدو الصهيوني، ومقاومة نظام الوصاية (أو أنظمتها)، ومقاومة أي جهة أخرى تسعى الى الهيمنة. فالوحدة الوطنية، الآن، ليست مجرّد صفقة بين أفرقاء، أو بين متنازعين، أو متحاربين، بقدر ما هي لقاء في سياق أن كل فريق يكتسب صفة حامل الوحدة الوطنية من التحرير نفسه. من موقعه ومن انجازه. كأن المتحاورين حول الطاولة المستديرة "متساوون" بما حققوه أكثر مما هم متساوون بشكل الطاولة المستدير. ولهذا، كان همُّ الطامعين، بمعاودة اختراق الواقع الملتئم هذا، بفصل المسارات عن بعضها، واعتماد سياسة التشكيك، والتفكيك، وقلب المعاني، وعكسها، وتشويهها. وهذا ما لمسناه، على امتداد العام المنصرم ومن خلال الوقائع وحتى المؤامرات. أي محاولة طمس كل ما يتعلق بقدرة هذا الشعب على اتخاذ القرار الحر، وتولي إدارة شؤونه، وكذلك بنفي كل "طبيعة" تحريرية عنه. وثقافة الازدراء هذه (الموروثة عن الاستعمار)، تراكمت على امتداد عقود، فكاد يصدقها اللبنانيون، أو كادوا يفقدون الايمان بأنفسهم، وبطاقاتهم، وحتى بصفاتهم "البشرية" باعتبار أنهم صُوِّروا مجرّد "قطعان" طائفية مفترسة تحتاج الى مَنْ يحميها من بعضها، أي تحتاج الى "راعٍ" خارجي يفصل ما بينها، ويردها عن بعضها، ويمنع حروبها الدائمة بينها. وهكذا، على كل قطيع أن يُحجَر عليه وراء قضبان، أو سجن، أو حظيرة، لمنع أذاه، والحؤول دون استشراء غرائزه العدوانية، وشروره. هذه الصورة ما زالت تُقدَّم عن اللبنانيين. وما زال بعض النظام العربي، لا سيما أهل الوصاية منه، يروّجونها، ويُمعنون في تسفيه معاني التحرير والاستقلال والديموقراطية والحرية. وهذا ما سمعناه قبل أيام، على ألسنة بعض قيادات أهل الوصاية الذين ما زالوا ينتظرون أن يسترد اللبنانيون "وعيهم" القومي (!)، ورشدهم (!)، وهذه الوديعة "القومية" الغالية و"الوعي" التاريخي العميق، واسترجاع الروح، موجودة عندهم طبعاً، عبر وصايتهم بالتحديد. فالوصاية تمثل "الوعي"، وإرادة الناس "اللاوعي". والوصاية تمثل مصلحة اللبنانيين، واللبنانيون يجهلون مصلحتهم. والوصاية تؤمن السيادة، والسياديون اللبنانيون عملاء، والوصاية توفر الديموقراطية، والديموقراطيون اللبنانيون قتلة وفاشيون ومجرمون، والوصاية تجلب الأمن، واللبنانيون (كلهم) أدوات تخريب، وتدمير، وتفجيرات، واغتيال، وقتل! فالترياق عند بتوع الوصاية إذاً! والوصاية هي التي "تنجب" الوحدة الوطنية، والتوحيديون اللبنانيون أهل تقسيم وحروب أهلية ونزاعات وكانتونات. وأهل الوصاية هم الذين يديمون السلم الأهلي، لأن اللبنانيين أعلنوا "من الأبد الى الأبد" (هل تتذكرون هذه الشعارات العروبية بامتياز)، حروبهم على بعضهم!
هذه الالغائية الموتورة، والفوقية المنفوخة، والغرور المتورّم، تواجه اللبنانيين، وتواجه مؤتمرهم التوحيدي، وتعبث بإنجازاتهم، وتحول دون توصلهم الى ما يُمتِّن وشائجهم، ويُقوّي وجودهم، عبر قيام دولة مستقلة، قوية، ديموقراطية، مزدهرة. أي منع كل وحدة وطنية حرة، قائمة على الارادات الشعبية العارمة، وعلى روح التحرير الشامل، وعلى الانتماء للبلد، والناس. بمعنى آخر يسعى الطامعون الى استعادة الهيمنة، أو الاختراق، أو التوغل، أو المصادرة، الى إرجاع "لبنان" كملحق تابع، الى الوراء، الى الخلفية، وتقديم مصالحهم (أو مصالح سواهم) على مصلحته، وإبدال معاركهم بمعاركه (الاقتصادية والسياسية وبناء الدولة والاستقرار)، ومعاودة تحويله وريقة، أو وسيلة، في أيديهم تستخدمان لتنفيذ مآربهم، واختزاله في وجود غير موجود إلا عبر هؤلاء الآخرين. ليصبح لبنان "أخيراً" و"آخراً"، ولا أولاً وثانياً ولا عاشراً. من هنا نفهم كيف أن شعار "لبنان أولاً" فُسِّرَ، عمداً، على غير مقاصده، وبُتر وشُوِّه، ليُجعل من المنادين به، جماعة تسعى الى الانفصال عن واقعها ومواقعها العروبية (يفهم بعض الكتّاب والاعلاميين أن العروبة ارتهان لأنظمة المخابرات والقمع والقتل والعمالة والعدوان والفساد، فبراو!)، وتصوير "عملاء" الأنظمة الاستبدادية (هذه الأنظمة التي شوّهت فكرة العروبة بالعائلية والطائفية والعسكرة) بأنهم ممثلو العروبة! (يا عين!). وقد تناسى هؤلاء "اللفظانيون" أن العروبة الديموقراطية، الشعبية، الفتية، الحية، ولدت من جديد في ساحة الشهداء، وأن شعار "لبنان أولاً" في جوهر هذه العروبة الحضارية، المنفتحة. بل ان العروبة التي ساهم اللبنانيون في صوغها، من خلال الفكر النهضوي، تستعيد ألقها مع اللبنانيين. هذا هو فحوى "لبنان أولاً"، فالعروبة (يا بتوع العروبة المرتهنة بالمخابرات والمصالح)، لا تعني، أنه وبإسم شعارات القمع، القبول بهيمنة دولة عربية على أخرى. ولا تعني تغطية تمزيق البلد بالطائفية والقتل والاغتيال، بشعار فضفاض، لم يبق منه شيء، لا على ساحاتهم ولا في قصورهم ولا في جيوبهم! فالعروبة كما تعلمناها، من كبارها، (لا من صغار الزعماء والكتبة) هي قبل كل شيء، حرية، وديموقراطية، ومشروع مفتوح، في المستقبل، واحترام لإرادة الجماهير! وهؤلاء الذين ينتقدون (بعروبة مُستَغْرَبة!) شعار "لبنان أولاً" إطمأنوا في الماضي، الى "تلك العربنة" التي قضت على حرية لبنان، وديموقراطيته، كادت تنزع من قلوب أهله كل إيمان بالمستقبل! بل وكل إيمان "بعروبتهم" الميتة، كعقولهم ومخوخهم وأفكارهم ونياتهم!
على هذا الأساس، لا يمكن أن نجد شعاراً أهم يرتفع فوق المتحاورين من شعار "لبنان أولاً". لأننا، على امتداد عقود، احترفت كل الوصايات، مهنة، وضع لبنان ومصلحته وحتى مصيره، وراء كل شيء. فكاد يقسم لبنان في غياب هذا الشعار. واستُعمل بعض اللبنانيين لتصفية المقاومة الفلسطينية تحت هذا الشعار. واستعمل بعض الشرائح الفلسطينية لجعل لبنان بلا لبنانية، وارتكبت المجازر وأشكال التهجير، وخطوط التماس، تحت، شعارات مناسبية، لنزع هوية "اللبناني، العروبي" عن كل لبناني عروبي. (والعروبة ليست فكرة القطعان المدموغة، إنها خيار الأفراد والجماعات، تلك الخيارات الواعية الموروثة التي تخضع للتفكير المعاصر، وللتطوّر المتعدد!).
فشعار "لبنان أولاً" هو الذي دفع المقاومة الوطنية لمواجهة العدو الصهيوني الذي وصل الى بيروت وانتهكها (بعدما وصل الى كل عاصمة عربية!)، وهو الشعار الذي جعل المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، تحارب وتحرر الأرض. وهو الذي جعل الكثيرين (من أحزاب وأفراد) يرفضون، أن يحل محل الاحتلال الصهيوني هيمنة ولو شقيقة أو قريبة. فالبلد لأهله. ومن هذا المنطلق يصبح "لبنان أولاً" هو شعار "سوريا أولاً"، و"العراق أولاً"، (ليس بالمعنى التشويهي الذي يصوّره بعضهم) أي أن يهتم النظام السوري، قبل كل شيء، بأجندته السورية المثقلة: التي تبدأ بتحرير الجولان (وإعادة البحث بترسيم لواء اسكندرون!)، وتمر بالأزمات الاقتصادية الخانقة، وبالاصلاح، وبالديموقراطية، وبتغييب العلاقة الحية بالمجتمع.
فسوريا قوية اقتصادياً، وديموقراطياً، وسياسياً، (وهذا ما نتمناه من كل قلوبنا، وبإخلاص، وليس على طريقة عملاء أجهزة النظام) هي سوريا، القوية بنفسها، لا عبر الآخرين. فسوريا لا يمكن أن تكون قوية بلبنان، أو بالعراق، وإنما أولاً وأخيراً بسوريا. بل ولكي تكون قوية في لبنان (طبعاً ليس بالعنف والهيمنة والقوة) عليها أن تكون قوية في سوريا! وهذا ما نراه في العراق، عندما يسعى العراقيون الى طرد كل الذين يتدخلون في شؤونهم: من الاحتلال الأميركي، الى كل الذين تسللوا وعبر الاحتلال الأميركي وبه الى العراق، وأمعنوا فيه توغلاً وفتكاً وتدميراً. أي أن يرفع العراقيون الشعار التاريخي "العراق للعراقيين"، وتالياً "العراق أولاً". ذلك أن هذا البلد العظيم، بات كما كان لبنان، (ويا للأسف!) ورقة في أيدي الاحتلال الغربي، ووريقة في أيدي أهل الجوار الأشقاء والأقرباء وصولاً الى اسرائيل، التي تعج مخابراتها ورجال أعمالها في أنحاء العراق (لم نسمع أن اسرائيلياً واحداً موجوداً في العراق قد رشق بوردة! يا عين! ويا للمفارقة! ويا للاستغراب! ويا لعلامات التعجب!).
ونظن أن بهذه المعاني المفتوحة، اللبنانية الخصبة، والعروبية الديموقراطية، يمكن بناء وحدة أوسع من المصالح الضيّقة، وأبعد من الحسابات المذهبية، وأعمق من فهم الالتزام القومي فهماً ارتهانياً. انتهازياً، بهذا النظام العربي، أو ذاك الأعجمي، أو ذلك الأجنبي. فليعد الجميع لتبني مشروع الوحدة الوطنية وتحت شعار أن لبنان للجميع، وأن الهاجس الأول "لبنان أولاً"، وأن هذا البلد ليس مرتع نفوذ أي قوة اقليمية أو قريبة أو بعيدة، سواء تم ذلك عبر وشائج مذهبية أو ايديولوجية أو سياسية! إذ، ما ينفع حوار لا يأخذ بالاعتبار سيادة لبنان. واستقلاله. وديموقراطيته. ومن هنا، نقول: ما معنى التحرير، أي تحرير، إذا أفضى الى مشاريع كانتونية، أو غيتوات مذهبية؟ بل وما نفع أي تحرير إذا لم يشق دروباً وآفاقاً نحو انفتاح أهل البلد على أنفسهم: ديموغرافياً، واقتصادياً، واجتماعياً وطائفياً، ودينياً وقومياً؟ عندها يكون كل تحرير عبئاً جديداً، وعقبة جديدة، وخدمة لأي هيمنة خارجية، بل وأي تحرير هذا لا يؤمن بفكرة الاستقلال الشامل، بكل متفرعاته، ومشتقاته، وآلياته، وسلوكه؟ أيكون التحرير عندها خدمة لهيمنة تستبدل بهيمنة؟ أيكون الاستقلال عندها مشواراً جديداً لحروب الآخرين والأبعدين على أرضنا؟ بل وأي تحرير أو استقلال أو سيادة، لا تصب في بناء الدولة، الديموقراطية، تحترم فيها الفردية، وحرية التعبير، والقول، والسلوك والتفكير، بعيداً من لغة التكفير، والتخوين والترهيب؟ فالتحرير يبقى ناقصاً، وكذلك الاستقلال، إذا لم يكونا أركاناً من أركان التواصل ضمن التنوع، والتنافس ضمن التعدد، والصراع ضمن اعتراف كل فريق بالآخر، بوجوده وفاعليته، ودوره مهما ضؤل حجمه. وهنا بالذات نتجاوز أن نكون مجرد مواشٍ وقطعان تُحصى كل يوم، وكل دقيقة، لنحدد فيها أكثرية أبدية وأقلية أبدية، أو أكثرية عابرة، ووهمية، أو أقلية متبخرة (إنه منطق المسالخ والرعيان والمواشي لا منطق العلاقات السياسية والوطنية).
وهنا بالذات نتجاوز منطق العبيد. ذلك أن اللبنانيين، وعلى مدى العقود المنصرمة، كانوا يعاملون كعبيد، أو كمرتزقة، أو كوقود لمشاعل ونيران الآخرين، من خلال يافطات: أكثرية تسعى الى السلطة، وأقلية تدافع عن السلطة، حتى لم يُبقِ المهيمنون وأهل الوصايات المتعددة، لا أقلية ولا أكثرية، بل هيمنة قائمة على هذا المنطق الذي استدرج حروباً، وقمعاً، وخراباً، ودماراً.
ونظن أن المتحاورين بعد غدٍ الاثنين، عشية ذكرى 14 آذار، لا بد من أن ينطلقوا من هذه الاعتبارات العضوية، والمفصلية، ليصوغوا اقتراحاتهم وقراءاتهم، التي نتمنى أن تكون تاريخية من ضمن معاني الاستقلال والسيادة والديموقراطية المتمثلة بشعار العروبة، الحية، الخصبة، والمتجسدة بالشعار الكبير الجامع "لبنان أولاً وأخيراً"... أي لبنان الحي المتنامي الحر، لا لبنان الميت، الشلو في أيدي الآخرين.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00