8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاستقلال السعيد

قد يكون هناك عيد من دون استقلال. وقد يكون هناك استقلال من دون عيد. وقد يكون هناك عيد واستقلال معاً. وقد لا يكون هناك لا عيد ولا استقلال. وقد يكون عيد يأتي ثم يأتي بعده الاستقلال. وقد يكون استقلال يأتي ثم يأتي بعده العيد. ومن الصعب، أحياناً كثيرة، أن تفرّق بعض الشعوب، لا سيما في العالم الثالث، بين هذه الحالات المركبة والمعقّدة. فتخلط العيد بالاستقلال. ثم تخلط الاستقلال بالعيد. فتظن أن العيد هو الاستقلال، والاستقلال هو العيد. ذلك أنه قد يكون عندنا في الوقت ذاته استقلال وقد لا يكون عندنا استقلال. ولهذا فمن الصعب عليك أن تعرف أحياناً، إذا كنت في الاستقلال أم في غير الاستقلال. فتقع في الالتباس وتسمي غير الاستقلال استقلالاً، وتسمي الاستقلال غير استقلال.
ولهذا يعزّ عليك عندها أن تحتفل بالعيد. ثم يعزّ عليك ألاّ تحتفل به. فعليك عندها ومن باب جمع الأضداد أن تحتفل وألاّ تحتفل به في الوقت ذاته. ثم يعزّ عليك أن تشعر شعوراً عميقاً وجودياً ووطنياً وحماسياً بالاستقلال. ثم يعزّ عليك ألاّ تشعر شعوراً عميقاً وجودياً ووطنياً وحماسياً به. ذلك أن ثمة مسافة دهليزية بين الاعتراف بالاستقلال، وبين عدم الاعتراف به. فالمسألة لفظية وغير لفظية. منطقية وغير منطقية. عاطفية وغير عاطفية، تتصل بمجمل القيم الإنسانية والاجتماعية وحتى الدينية التي تؤمن بها. وعندها عليك أن تلجأ الى ما يحيط بك، واعتدته، وأدمنته، في مثل هذه المناسبات "العظيمة". وعندها بالذات قد يشفع النشيد الوطني لتعزيز إيمانك بابتداع مشاعر وطنية دالّة وذات مدلول: كالشاطر والمشطور والكامخ بينهما، فيرتفع بك الى سماوات من النشوة بهذه الأحاسيس الكبيرة. وقد تشفع الاستعراضات في يومها الأكيد، (وكان فيما مضى على المتحف)، فتنفخ فيك روح العلوّ والزهوّ والكبرياء والعزة والكرامة، وأنت تواكب حاضراً أم من خلال التلفزيون، تلك الباقة الفواحة من المسؤولين وكبار القوم "المستقلين" المحتفلين بعيد الاستقلال، وهم باللباس الأبيض الهفهاف وبالكرااتات المعقودة بحرية تامة، والأحذية اللماعة الممسوحة بحرية أكبر، يواكبون بعيون حُرّة وحرّى و"دامعة" من شدة الوطنية، العروض العسكرية الرمزية أو غير الرمزية (في السابق كان الطيران الحربي يشارك وهو يناطح السحاب بعناده). قد تشفع بك هذه العراضات الملوانة، وحفلات التهنئة بالعيد، عندما تكرّ من كل أرجاء الوطن رفوفُ المهنئين من زعماء وقواد ونواب ورجال دين ودنيا. وربما عندها تُحسّ فعلاً بأنك مستقلّ. وبأنك ملء الاستقلال. ألا يكفي أن تشاهد كل هذه الاستعراضات وتسمع كل هذه الموسيقى والأناشيد والأغاني الوطنية (رحم الله الأخوين فليفل) وتكحّل عينيك بهذه القامات الاستقلالية الشامخة شموخ الأرز الخالد، المتينة متانة أعمدة بعلبك، العنيدة عناد الجبال، والوَعر، والصخر، ألا تكفي هذه المناظر والإيقاعات والأصوات والأصداء لكي تطمئنك، وتطمئن من حولك. ويطمئنوك بدورهم، بأن الوطن والاستقلال صنوان لا يفترقان مدى الدهور والأزمان والعصور؟
إذاً ما دام عندك كل هذا الاستقلال فعليك عندها أن تعترف بأن عندك كل هذا الاستقلال. بلا انتقاص. ولا ارتهان. ولا ارتباط ولا اختراق ولا هيمنة. وعليك أن تفتخر أولاً في سرّك فتبتسم أمام المرآة لكي ترى استقلالك يلمع في عينيك، وعلى جبينك الوضاء به، وعلى أنفك الشامخ بشموخه، وشفتيك المباركتين بَنَعَمِه؟ ثم عليك أن تعلن افتخارك بالصوت الملآن، وبالهتاف والتصفيق، "عاش الاستقلال". ثم إذا شئت أقوى "بالروح بالدم نفديك يا استقلال".
ولكي تكتمل الفرحة. فرحة العيد السعيد بأهله المستقلين، عليك أن تُقرّ إقراراً مُلهَماً بالسؤدد، بأننا، ومنذ عقود طويلة، قطفنا ونقطف مواسم الاستقلال وغلاله وسلاله وثماره وبذوره وقمحه وشعيره وخبزه... فالديموقراطية، وهي ابنة الاستقلال (وهو أيضاً أبوها وأخوها وذووها وأمها) فائضة. موفورة عندنا. فَتَمتَّعْ بها (اقطفها كما تقطف تفاحة جردية واصطدها كما تصطاد الفرّي والسمّن) كما لا تتمتع بها أعرق شعوب العالم الثالث. وتلذذها فخيراتها كثيرة جداً عليك. مدفاقة. فأنت والناس والجماهير وحتى المعارضة من دون أن ننسى الموالاة، تلهجون بديموقراطية كالبلابل والحساسين. تتظاهرون بديموقراطية. تقررون بديموقراطية. تبنون المجتمع المدني بديموقراطية. فنحن في النهاية شعب مترف بالديموقراطية. مُتخم بسَمنها وشحمها وعظامها. مولع بشفافيتها، وصفائها. ونقائها. فهي خالصة غير مشوبة بأي تدخّل أمني لتشويهها. ولا عسكرة. ولا تهديد أو ضغط أو قتل أو اغتيال أو تفخيخ لإلغائها. مصونة كالرموش من حماة الحمى والديار والعرض، والسياج والغابة والأعداء والخصوم. فأنت آمن مستأمن بحمايتها. لا تخاف أن تُصادر هذه الديموقراطية باسم القانون. ولا أن تُبتلع باسم المؤسسات. ولا أن تنتهك باسم العدالة... ولا أن تستباح باسم الدستور.
فأنت آمن. مستأمن. فاطمئن. فديموقراطيتك مستقلة حرة، سيدة، أميرة وبخير وأمان، تماماً كاستقلالك وهو بخير وأمان أيضاً. مُحتضن بقوة. مشدود عليه وعلى أطرافه وأعضائه وخانوقه بقوة. مشفوع بالعناية العلية الفائقة الفائقة. ذلك ولأنه استقلال فائق فائق فهو يحتاج الى عناية فائقة فائقة... ولأنه استقلال نادر فهو يحتاج الى أيد "حنونة"، "مخلصة" نادرة في وطنيتها وعفّتها وتفانيها... وتضحياتها.
الاستقلال بخير. فكل استقلال وعيد استقلال واحتفال باستقلال... بخير!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00