8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مصر بين النظام والتنظيم

على الرغم من اتكال المصريين كثيراً على ربّنا وإيمانهم بـمشيئة الله، طوال الوقت، وفي كل ما يفعلون ويقدمون عليه، وفي مواجهة مصاعبهم ومحنهم، واستئناسهم لتشبههم بالنيل الهادئ والأزلي، إلا أن خروجهم على طبع الإستكانة والصبر في العام 2011 عبّر عن الضيق الشديد الذي سببه النظام المباركي. فمصر باتت حسبما قاله لنا الباحث والكاتب وحيد عبد المجيد: خرابة عمومية تتخللها منتجعات. ويضيف، أن الحال وصل في سوء توزيع الثروة، إلى حد أن إثنين في المئة من المصريين يسيطرون على معظم الثروات الوطنية. وترافق ذلك مع جنوح متزايد نحو القمع الأعمى: أيام مبارك، الحزب الحاكم هو الجهاز الأمني، الذي لا عقل له. يقول عبد المجيد.
هكذا، بين جهاز القمع الأعمى ونادي أصحاب الثروات، تألف نظام مبارك الذي حكم مصر لأكثر من ثلاثين عاماً، حتى تحولت إلى تلك الخرابة.
مرّت ثلاث سنوات على الثورة: من خلع مبارك إلى تنصيب مرسي، ومن عزل الأخير إلى انتخاب المشير السيسي، ومن دستور إخواني سلفي، إلى دستور مدني لا تنقصه الحيرة. استفتاءات، انتخابات نيابية، إعلانات دستورية، تغيير حكومات، وتظاهرات مليونية تليها أخرى. اعتصامات، صدامات دموية، انشقاقات سياسية وأحلاف متبدّلة، صفقات وخيانات، معارك قضائية، تفجيرات إرهابية، اشتباكات طائفية.. ثلاث سنوات محتشدة بأحداث عقود دراماتيكية. مع ذلك، وطوال الوقت، كان النظام ثابتاً لا يتزحزح. المجلس العسكري يراقب ويتدخل ويدير ويقرر بهدوء. وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية (الحاكمة) تستعيد سلطتها كاملة. القضاء ومكتب الإدعاء العام والمحاكم كمؤسسات شديدة الولاء لتقاليد النظام وعقليته، لم يتحرك فيها شيء، لم يتغير فيها أمر. الجهاز الكافكاوي للإدارة والإعلام، مازال كما هو ثابتاً لا يصيبه التغيير ولا يبدّل ولاءه.
هل كان مبارك محقاً عندما قال: خلّيهم يتسلوا، مدركاً أن الثائرين والشباب المتحمسين لن يخدشوا حتى قشرة هذه القوقعة الصلبة الصماء، النظام الوطيد والعنيد والقوي القبضة، الذي يملك كل شيء: السلطة والثروة؟ هل انتهت الثورة إلى إعادة إنتاج النظام نفسه بوجوه وأسماء جديدة؟
على الرغم من إصرار الثورة على شعار يسقط.. يسقط حكم العسكر ثم اضطرارها لرفع شعار يسقط.. يسقط حكم المرشد، إلا أن مآل المصريين انتهى إلى الجنرال عبد الفتاح السيسي، تحت ضغط الحقائق غير السياسية: خطر الإنهيار الإقتصادي الوشيك، الفوضى الأمنية، انهيار فعلي للخدمات العامة. عاد المصريون إلى ما وصفه وحيد عبد المجيد: الشعوب الضعيفة تحب القوي، معللاً ذلك: في غياب الثقافة الديموقراطية، الشعوب المستضعفة تبحث عمّن ينقذها. هناك باختصار، منحى ديني ينتج فكر الخلاص، ومنحى عقلاني إنساني ينحاز إلى فكر الحرية. بهذا المعنى، المخلّص أو الإمام الغائب كان بالنسبة للمصريين أولاً هو الإخوان المسلمين والآن هو الجيش. يقول عبد المجيد: انطلاقاً من فكرة الخلاص، يمكن تفسير سلوك الإنتخابات اليوم، إعادة إنتاج مرسي باتجاه معاكس.
لكن كيف ذهب الإخوان من قمة السلطة إلى حضيض الإقصاء، وهم حملة فكرة الخلاص بمعناها الديني في مجتمع متدين؟ جميع من قابلناهم، رددوا أمراً واحداً، هو الخوف من التجربة الإيرانية. هذا ما لم يدركه الإخوان المسلمون، خصوصاً حين انتهجوا أسلوب الخميني في تصفية كل حلفاء الثورة. شعر الثوريون بهذا باكراً، واستطاعوا إيقاظ رد فعل شعبي قوي ضدهم. في 22 تشرين الثاني 2012 صدر الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي، مفصحاً عن نوايا الإستئثار وتحصين سلطة الإخوان. وكان واضحاً، سعيهم إلى السيطرة على مؤسسات الدولة كما هي، لا إصلاحها كما تبين بعد حساب مئة يوم من عمر وصولهم إلى الحكم. يقول تامر القاضي، العضو في القوى الثورية الوطنية الموالية للسيسي: الناس بدأت تطالبنا نحن الشباب بتحمل المسؤولية انتم أتيتم بمرسي.. لذا عليكم أنتم بالذات أن تخلصونا منه.
بعد كارثة الدستور الذي وضعه الإخوان المسلمون وحلفاؤهم، بات سقوط الإخوان حتمياً، هذا ما قاله تامر القاضي: المصريون لن يسمحوا بتكرار التجربة الإيرانية. وكي نفهم كيف يمكن تعليل نجاح الإخوان في كل انتخابات رئاسية أو برلمانية وفي كل استفتاء، ومع ذلك كان سهلاً إسقاطهم. يكشف المحامي والناشط اليساري محمود عبد الفتاح، والمتطوع في حملة المرشح الرئاسي حمدين صباحي، عن ترسيمة سياسية ثابتة في الحياة المصرية، حسب رأيه: كل انتخابات هي حصار الريف للحضر (المدن)، تنجح في الإنتخابات بواسطة الريف، لكن لا تستطيع الإستمرار ولا تتمكن من السلطة من دون موافقة الحضر ورضاهم.. ما حصل مع الإخوان هو عدم إدراكهم هذه المعادلة، وقد رفضهم الحضر.
أمام مأزق سقوط الإخوان واضطرار المعارضة للإستقواء بالجيش، أو الإستعانة به، والضعف الشديد للثقافة الديموقراطية، والإلحاح على الخلاص، برزت مجدداً موجات الحنين الى الناصرية. التي وصفها وحيد عبد المجيد بأنها خيال.. حالة نفسية. وعملياً فإن الجنوح نحو ناصرية خيالية أفضى إلى انكشاف فراغ محتوى خطاب المعارضة الثورية، ولذلك كما يقول محمود عبد الفتاح وقعت مصر في معركة بين نظام وتنظيم. وبالتفصيل، هي معركة بين الجيش الشرطة من جهة، وبين التنظيم المحلي (لا الدولي) لـالإخوان المسلمين ...
يؤكد وحيد عبد المجيد: الإرهاب خطر حقيقي وليس وهماً، وصلة الإخوان به ربما هي صلة دعم وحسب، إذ ليس لديهم القدرة ولا هم مؤهلون لإنتاج عنف إرهابي، فقط باستطاعتهم ممارسة عنف مدني، وهذا يختلف كثيراً عن العنف المسلح. من هنا، كان فضّ اعتصام رابعة العدوية بالقوة خطأ، لقد حولوا أهل الضحايا وأقاربهم إلى الإرهاب. تسببوا بظهور مجتمع وبنية حاضنة للتطرف. في عهد مبارك، حارب الجهاز الأمني الإرهاب بقسوة شديدة، وقمع عمومي. ثم أتت مراجعات الإسلاميين ابتعاداً عن العنف. اليوم، تتم إعادة إنتاج الإرهاب، وقد انتقل من وسط الصعيد (زمن مبارك) إلى كل سيناء (راهناً). الخطيئة في عهد مبارك، أنهم منعونا نحن المجتمع المدني من مكافحة الإرهاب. ولا أعرف إن كان النظام الجديد سيسمح بتحرير المجتمع المدني ليكافح ثقافة العنف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00